أسرى إيرانيون من الحرب العراقية الإيرانية، تم تقديمهم أمام وسائل الإعلام في مخيم في هور الحويزة قرب مدينة البصرة في مارس 1985..

في سبتمبر عام 1980، تفجّرت الحرب بين العراق وإيران بعد سنواتٍ طويلة من الخلافات حول ترسيم الحدود بين الطرفين، وخاصةً في منطقة "شط العرب" التي تنازعت الدولتان للسيطرة عليها.

العلاقة المعقدة بين البلدين لم تنشأ فقط بسبب الخلاف على نقطةٍ حدودية هنا أو هناك، ولكن الأمر أعقد من ذلك بكثير، فهو يعود إلى مئات السنوات التي قضتها الجارتان في التنافس والتصارع فيما بينهما حتى اتخذ الأمر شكله الأكثر تطرفًا في حرب الخليج الأولى.

 

الخلاف التاريخي حول "شط العرب"

 

لطالما أثارت النزاعات الحدودية خلافات بين العراق وإيران. ظهر هذا الأمر قبل تشكيل الدولتين في العصر الحديث، حيث شغلت تلك الأراضي الإمبراطوريتان العثمانية السُنية والصفوية الشيعية ودارت بينهما العديد من الحروب على نقاط التماس بين البلدين، وعلى رأسها شط العرب.

شط العرب يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات، ويبلغ طوله قرابة 180 كم، ويبلغ عرض مجراه بين كليومتر واحد وكليومترين. نصف هذه المسافة تقريبًا يجري داخل التراب العراقي، والنصف الثاني يُعتبر بمثابة حدّ بحري فاصل بين العراق وإيران.

ومن خلال الواقع الجغرافي، فإن ذلك النهر يمثّل أهمية استراتيجية كُبرى للعراق لكونه منفذه الرئيسي إلى البحر، الذي يعتمد عليه في الاستيراد والتصدير، بينما تمتلك إيران ألفي كيلومتر من الأراضي التي تطلُّ على سواحل الخليج تمنحها خيارات متعددة في التجارة والتواصل بحريًا مع العالم.

في عام 1847، وقّع الطرفان معاهدة سمح فيها العثمانيون للصفويين بحق الملاحة في شط العرب دون إعاقة، وهو ما كان بداية أول تنازل عراقي في هذه القضية.

وعقب نشأة الملكية الهاشمية في العراق ودولة الشاه في إيران تحسّنت العلاقات بين الطرفين نسبيًا حتى أن الملك فيصل فكّر في الزواج بابنة الشاه لكنه تراجع لاحقًا. وبحسب علي جودة المالكي في كتابه "العراق وإيران: دراسة في العلاقات السياسية"، فإن هذا التحسّن النسبي في العلاقات لم يعنِ أن تكون خالية من المشاكل، فإيران لم تعترف بالمملكة العراقية إلا عام 1929، وظلّت مشاكل الحدود قائمة بين البلدين حتى أن طهران كانت تقيم مخافر لجيشها داخل عددٍ من القرى العراقية الحدودية.

أيضًا، داومت إيران على تسيير 3 دوريات مسلّحة في شط العرب يوميًا لتفتيش الزوارق ومصادرة عتاد الصيادين العراقيين إمعانًا في إثبات سيادتها على النهر. لم تحل هذه المشكلة إلا عام 1937م حين وقّعت إيران معاهدة حدودية مع العراق أمّنت لها نصيبًا من الإشراف على مياه شط العرب، وهو المغنم الإضافي الذي ظفرت به طهران بفضل الاضطرابات السياسية التي عاشها العراق عقب انقلاب بكر صدقي عام 1936م.

قُوبلت تلك المعاهدة برفضٍ شعبي واسع في أنحاء العراق، ونُظمت مظاهرات حاشدة في بغداد والبصرة ضد التصديق عليها، ورغم ذلك الاعتراض على بنودها، فإن إيران أعربت مرارًا عن رغبتها في نيل المزيد من المكاسب في مناسباتٍ لاحقة، وذلك عبر طلب تشكيل إدارة مشتركة للملاحة في شط العرب وتقسيم النهر بين البلدين وفقًا لمبدأ التالوك (أي من أعمق نقطة في مسار المياه). وعقب نجاح حزب البعث في الوصول إلى السُلطة عام 1968، أعلنت إيران إلغاء معاهدة 1937 من طرفٍ واحد، وبهذا عاد الخلاف بين الطرفين إلى نقطة الصفر.

في السنوات اللاحقة، لم تكن إيران تخفي رغبتها الواضحة في التعمّق داخل منطقة الخليج، فظلّت حتى عام 1970 تعتبر دولة البحرين تابعة لها حتى حُسم الأمر باستفتاءٍ شعبي، كما احتلت 3 جزر إماراتية عام 1971 ولا تزال خاضعة لها حتى الآن.

في هذه الأجواء، استمرّت المناوشات بين البلدين حتى قامت الجزائر بجهودٍ للوساطة بين البلدين انتهت بتوقيع صدام حسين، نائب الرئيس العراقي أحمد البكر آنذاك، اتفاقًا مع الشاه بهلوي عام 1975م قضى بتقسيم النهر بين الطرفين وفقًا لخط التالوك. وبهذا تحقّق لإيران مطلبها القديم.

تغيّرت قواعد اللعبة بعد أربع سنوات، حيث وقعتْ "الثورة الإسلامية" في إيران، وأتت بالخميني إلى سُدة الحكم، وهو الذي تمتّع بعلاقة بالغة السوء بالنظام العراقي إثر قرار بغداد طرده منها كجزءٍ من التزامها باتفاقية الجزائر مع الشاه.

في المقابل، اعتبر صدام حسين أن إيران تعيش حالة من الفوضى عقب وقوع الثورة، وهو ما سيمنعها من الردّ على أي قرارٍ يتّخذه، فأعلن إلغاء اتفاقية الجزائر وفرض سيادة بلاده الكاملة على شط العرب.

في سبتمبر 1980، شنَّ العراق هجومًا عسكريًا تجاه إيران. وفي 28 من ذات الشهر، أعلنت بغداد أنها مستعدة لإيقاف القتال إذا اعترفت إيران رسميًا بحقوق العراق في شط العرب، وتخلت عن سياستها في تصدير ثورتها إلى العالم، وبالأخص جارها ذي الأغلبية الشيعية العراق.

كان رد الخميني إعلان الاستنفار العام، وأفرجت السُلطات عن كل القادة العسكريين الإيرانيين الذين جرى اعتقالهم بسبب صِلتهم بالشاه، وانخرطت القوات الفارسية في معركتها بكل قوة.

وبهذا، اشتعلت حرب الخليج بين الطرفين، ودامت قرابة 8 سنوات.

 

العرب والحرب

 

تباينت مواقف الدول العربية تجاه الحرب. وقف أغلبها في صفِّ العراق، في حين دعمت بعض الدول إيران، مثل سوريا التي جمعت بين رئيسها حافظ الأسد وبين صدام حسين علاقة سيئة. فأقام علاقة متينة بإيران طيلة فترة الحرب شملت التعاون الاقتصادي والسياسي إلا أنها لم تمتدُّ إلى تقديم معوناتٍ عسكرية.

سعى الرئيسان حافظ الأسد وصدام حسين إلى الإطاحة ببعضهما من منصبهما لكنهما فشلا مرارا.
حافظ وصدام.. العداء الذي غيّر مصير الشرق الأوسط
غضب صدام فور سماع الأغنية بعدما اعتبر أنها تتعرّض لأمه "صبحة طلفاح"، والتي منحها لقب "أم المناضلين". أوعز صدام لأجهزته الأمنية ليس فقط بمنع تداول الأغنية، بل باعتقال كل من يسمعها. عندما بلغ هذا الأمر حافظ الأسد أمر إذاعة سوريا ببث الأغنية عدة مرات يوميًّا.

تلقت إيران الدعم من دولة عربية أخرى هي ليبيا، التي أيّدت طهران علنًا, وتوسطت مع البرازيل والنمسا لتزويد الجيش الإيراني بأسلحة قيمتها 500 مليون دولار.

وبحسب ما ورد في مذكرات نزار الخزرجي، رئيس أركان الجيش العراقي خلال الحرب مع إيران، فإن ليبيا زودت إيران بصواريخ سكود استخدمتها في قصف المدن العراقية.

ووفقًا للخزرجي، فإن اليمن أرسل 8 ألوية عسكرية لدعم العراق، أما مصر، فتطوّع الكثير من أهلها القاطنين في العراق دخل صفوف الجيش العراقي، كما زودت القاهرة بغداد بـ100 دبابة سوفييتية.

وقدمت دول الخليج، التي لا تمتلك قوة عسكرية، بعض المساعدات اللوجستية؛ فسمحت السعودية للعراق باستخدام مطاراتها كملاجئ لطائراته خلال معاركها مع نظيراتها الإيرانية. أما باقي دول الخليج فدعّمت بغداد بقروضٍ سخية تجاوزت قيمتها 90 مليار دولار، كان نصيب الكويت منها 14 مليار دولار تقريبًا.

لاحقًا، مثّلت مشكلة الديون أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت صدام للمغامرة باحتلال الكويت.

المفارقة أنه بعد نهاية الحرب وبسبب تداعيات احتلال الكويت على العراق، فكّر صدام حسين في ضرورة تأمين جانب إيران فعرض عليها إعادة اعتراف العراق باتفاقية الجزائر مقابل استئناف العلاقات بين البلدين، وهو التحوّل الذي لم يحقق السلام التام مع طهران، بل أثار المزيد من الريبة في نفوس حكام إيران. وهو ما علّقت عليه صحيفة إيرانية بقولها إن "رجلا يستدير فجأة بزاوية 180 درجة يُمكنه أن يتغيّر فجأة في الاتجاه المعاكس، فإن المضطربين عقليًا وحدهم هم الذين يتصرّفون على هذه الشاكلة".

 

أميركا وأوروبا.. مَن ضد من؟

 

يقول أستاذ التاريخ حسين فليح في دراسته "أثر السياسة الأميركية في الحرب العراقية الإيرانية"، إن الموقف الأوّلي للولايات المتحدة من الحرب كان إعلان الحياد. فكلا الدولتين لم تربطها بهما علاقات دبلوماسية، كما أنها اعتبرت أن تلك الحرب لن تؤثر على حلفائها ولن تغيّر من موازين القوى، طالما لم تتسع رقعتها إلى مناطقٍ أخرى ولم تؤثر على إمدادات النفط.

ارتبط هذا الحياد بحالة التفوّق التي حققها العراق في أيام القتال الأولى، وهي النتيجة التي كانت مناسبة لواشنطن، التي لم تكن ترغب في أن تحقق إيران انتصارًا لأن نظامها يشكل تهديدًا خطيرًا لاستقرار المنطقة، وفق الرؤية الأميركية، كما أنه قد يضرُّ بمصالحها في الخليج، وعلى رأسها إمدادات النفط وأمن إسرائيل.

سريعًا، انهار التفوّق العراقي ونفّذت إيران ضربات عسكرية قوية نجحت بموجبها في استعادة أراضيها واخترقت التراب العراقي ذاته. هنا، تغيّر الموقف الأميركي؛ ورُفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع العراق. وبدأت بغداد في تلقّي مساعدات سرية من أميركا.

يحكى دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق خلال لقاء إذاعي أن أصدقاء الولايات المتحدة كانوا قلقين من انتصار إيران. لذا، طُلب منه الذهاب إلى بغداد لمقابلة صدام حسين، وهناك وجده في وضع غاية الصعوبة، وكان مهتمًا بالحصول على المساعدات الأميركية.

ووفقًا لرواية رامسفيلد، فإن الرئيس ريجان استجاب لرغبة صدام، فأمر بإزالة اسم العراق من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، كما بدأت المخابرات الأميركية في تزويد العراق بمعلومات استخباراتية عالية الأهمية.

وحينما تطوّر القتال بين البلدين إلى قصف ناقلات البترول، تدخلت الولايات المتحدة بشكلٍ مباشر ووفّرت حماية علنية لتلك الناقلات، مثلما جرى مع الكويت مثلاً، التي وضعت سُفنها البترولية الأعلام الأميركية لتجنُّب صواريخ طهران.

وفي مذكراته، عرض وزير التخطيط العراقي جواد هشام وثيقة أميركية مؤرَّخة في 6 أكتوبر عام 1989 لخصت لقاءً بين وزير خارجية العراق طارق عزيز ونظيره الأميركي جيمس بيكر.

خلال اللقاء، وجّه طارق عزيز الشكر لنظيره الأميركي بسبب مساعدة "السي آي إيه" للعراق بالمعلومات التعبوية والصور الفضائية طوال حربه مع إيران.

وفي لقاء آخر جمع بين الرجلين في 26 نوفمبر عام 1984م، عقب إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، جدّد فيه طارق عزيز شكره للولايات المتحدة بسبب جهودها لإيقاف بيع الأسلحة إلى إيران.

الملفت أن الولايات المتحدة، ورغم وقوفها إلى جانب العراق، وافقت على تزويد إيران بالأسلحة، وهي القضية التي فجّرتها الصحافة الأميركية وعُرفت بِاسم "فضيحة إيران – جيت"، وكشفت عن موافقة واشنطن تزويد الإيرانيين بأسلحة حديثة استخدمتها في حربها ضد العراق.

عقب هذه القضية، توجّه ريغان بخطاب للأميركيين كشف فيه بعض ملابسات الأمر:

كانت أوروبا بدورها ترغب في إطالة أمد الحرب، خاصة فرنسا وبريطانيا التي كان العراق وإيران معا يتزودان بالأسلحة منهما. في العام 1984م، أنفق العراق 14 مليار دولار على شراء الأسلحة أي ما يوازي نصف إنتاجه الوطني الخام.

بهذا الصدد، يقول جاك أتالي مستشار الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران في مذكراته: "تخشى كل جماعات الضغط الفرنسية الدبلوماسية والعسكرية والصناعية انتصار إيران، وتتحالف لصالح العراق ولتأييده، ومهما يكن فهي تتمنّى ظاهريًا أن تدوم الحرب أطول مدة ممكنة لبيع مزيدٍ من الأسلحة".

 

حرب لا رابح فيها

 

استمرت الحرب بين العراق ثماني سنوات، أسفرت عن خسائر فادحة، حيث قتل فيها مليون شخص، فضلا عن خسائر مالية وصلت إلى 350 مليار دولار، وفق ورد في تقرير نشرته قناة الحرة عن مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية.

يقول التقرير إنه بحلول عام 1988، كان الطرفان يعانيان خاصة إيران، بعد تعرضها لخسائر عسكرية كبيرة، وإفلاس البلاد، ما دفع الخميني إلى قبول محادثات وقف إطلاق النار. وفي 8 أغسطس كانت الحرب وضعت أوزارها بالفعل.

ورغم عدم انتصار أي طرف في الحرب والخسائر الفادحة التي تكبدها البلدان، إلا أن الجانب الإيراني عانى خسائر بمقدار 3 إلى 6 مرات مقارنة بالعراق، حيث تخطت الخسارة البشرية الإيرانية مليون قتيل فضلا عن 2 مليون إيراني دون مأوى.

على الجانب الآخر، انهار الاقتصاد العراقي وأصبحت مدينة البصرة في أقصى جنوب البلاد شبه مهجورة، فيما أصبح عدد كبير من العراقيين دون مأوى أيضا.

وانهارت قيمة الدينار العراقي. فمع بداية الحرب مع إيران كان الدينار العراقي يساوي 3.3 دولارات. ومع نهايتها أصبح الدولار يساوي أربعة دنانير عراقية.

وخلص تقرير "ناشيونال إنترست" إلى أن الجانبين لم يستطيعا تحقيق أكثر أهداف الحرب تواضعا، فالحدود لم تتغير، والجيشان انتهى بهما الحال بعد الحرب دون تغيير باستثناء الخسائر التي تعرضا لها، فضلا عن أن الطرفين قد أنفقا نحو 350 مليار دولار في حرب لا طائل منها.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.