محكمة الكرخ
تقدر قيمة الأموال المسروقة في قضية أمانات الضرائب بمليارين ونصف مليار دولار.

في يوم أمس الثلاثاء، حوالي الساعة السابعة مساء، اقتحم رجلا أمن طائرة خاصة في مطار بغداد بغية الوصول إلى "رجل أعمال" استقر لتوه على كرسيه. حاولت مضيفة أجنبية إيقافهما لخرقهما قوانين الطيران، لكنهما لم يأبها لاعتراضاتها ووصلا إلى الرجل. جادلهما الرجل حول عدم قانونية الإجراء. رفع أحدهما مذكرة إلقاء القبض أمام وجهه واقتاده الشرطيان إلى خارج الطائرة.

يلخص المشهد، الذي حكاه وزير الداخلية، عثمان الغانمي، عملية إلقاء القبض على رجل الأعمال العراقي "نور زهير"، أحد من عدة مطلوبين للقضاء في قضية سرقة 2.5 مليار دولار، التي تشكل أغلب رصيد أمانات هيئة الضرائب العامة في حسابها بمصرف الرافدين الحكومي الذي تشرف عليه وزارة المالية العراقية.

أثارت هذه القضية، التي خرجت إلى الإعلام في منتصف أكتوبر 2022، وأطلق عليها لقب "سرقة القرن"، جدلاً واسعاً في العراق الذي وصفت مندوبة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت الفساد فيه على أنه "سمة أساسية في الاقتصاد السياسي في العراق، وهو جزء من المعاملات اليومية"، معتبرة أن "المصالح الحزبية والخاصة تُبعد الموارد عن استثمارات مهمة في التنمية الوطنية".

ويوجد العراق بالمرتبة 157 عالمياً في مؤشر منظمة الشفافية الدولية من أصل 180 دولة، وأدى الفساد إلى تراجع مؤشرات التنمية رغم ارتفاع أسعار النفط وحصول العراق على موازنات ضخمة لم تنعكس ايجابيا على الوضع العام في البلاد.

وفي منتصف أغسطس 2022، قدم وزير المالية علي علاوي استقالته من الحكومة ألقى فيها باللائمة على الفساد الذي يسري في مفاصل الدولة، حيث "تعمل شبكات سرية واسعة من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والسياسيين وموظفي الدولة الفاسدين في الظل للسيطرة على قطاعات كاملة من الاقتصاد وتسحب مليارات الدولارات من الخزينة العامة"، يقول الوزير في رسالة استقالته.

 

حساب الضرائب المنهوب

 

يعود حساب الأمانات الضريبية المنهوب إلى الهيئة العامة للضرائب. أما الأموال المسروقة منه فهي "أمانات" تم استقطاعها من الشركات والأفراد ممن لديهم مشاريع مع الحكومة، أو من مستوردي البضائع، يتم تسويتها بعد انتهاء أعمال المودعين.

عملية التسوية محكومة بموجب المادة 21 من قانون الضرائب لسنة 1982 المتعلقة بـ"الرديات" التي تنص على أن للسلطة المالية أن "ترد للمكلف ما قد دفعه من ضريبة أكثر من المقدار المتحقق عليها شرط تقديم طلب بذلك خلال خمس سنوات من ختام السنة المالية التي دفعت فيها الزيادة".

وبموجب القانون، فإن هناك جهتين مسؤولتين عن ذلك. الأولى هي الهيئة العامة للضرائب بعد تقديم طلب من قبل أصحاب الشركات يمر بنحو من 16 إجراءً روتينياً يتطلب فترة قد تصل إلى العام الكامل لإتمامه من قبل الهيئة، ولا يتم صرف تلك المبالغ إلا بعد تدقيقها من قبل الجهة الثانية وهي ديوان الرقابة المالية.

وقد تم رفع رقابة ديوان المالية من سلسلة الإجراءات، عقب تقديم مجلس النواب مقترحا إلى مجلس الوزراء، لإلغاء دوره قبل عام من الآن، بناء على طلب بعض إدارات الشركات للتقليل من الروتين الذي أدى إلى عرقلة استلام الشركات لفائض الأموال المتحققة لصالحها من إيداع مبالغ تأمينات الضرائب لسنوات.

ولتسهيل استرداد تلك الشركات لأموالها، تمت الموافقة على استبعاد ديوان الرقابة المالية وأصبح الأمر بيد هيئة الضرائب حتى تتمكن بسهولة من إصدار صكوك صرف لهذه الشركات.

 

ما الذي حصل في هيئة الضرائب

 

في منتصف أكتوبر الحالي، وافق رئيس الوزراء ولايته مصطفى الكاظمي على استقالة وزير المالية بالوكالة إحسان عبد الجبار الذي نشر تغريدة على تويتر في نفس اليوم، أعلن فيها عن نتائج تحقيق أجري خلال وجوده في المنصب أظهرت أن 3.7 تريليون دينار عراقي، أي ما يعادل 2.5 مليار دولار "سرقت" من أموال الضرائب المودعة في مصرف الرافدين التابع لوزارة المالية العراقية.

تم سحب تلك الأموال بالعملة العراقية، وبمبلغ 3.7 تريليون دينار(يعادل 2.5 مليار دولار)  في حساب إدارة الضرائب بمصرف الرافدين عبر تحرير 247 صكا، للفترة من سبتمبر 2021 وحتى أغسطس 2022 لحساب خمس شركات.

يدير "نور زهير" رجل الأعمال الذي ألقي القبض عليه على متن طائرته الخاصة، بصفته مديرا مفوضا، شركتين من أصل خمس شركات، هما القانت للمقاولات العامة التي سحبت 677 مليون دولار وشركة المبدعون للخدمات النفطية (299 مليون دولار).

أما الشركات الثلاث المتبقية، فيديرها عبد المهدي توفيق مهدي وهي كل من الحوت الأحدب (329 مليون دولار) ورياح بغداد (817 مليون دولار) وبادية المساء (437 مليون دولار). إحدى هذه الشركات تم الكشف عن مالكها الأصلي وهو عراقي كردي يدعى حسين كاوه ولا يتجاوز عمره 22 عاماً ويمتلك شركة "رياح بغداد" التي تم تسجيلها في يوليو 2021 ، أي قبل شهر واحد من بداية سحب الاموال من حساب أمانات الضرائب.

سحبت تلك المبالغ "نقدا"، ولم تذهب إلى أصحاب حق استرداد الأمانات الضريبية الحقيقيين أو تذهب كإيراد للخزينة العامة.

 

حرب التغريدات

 

فجرت تغريدة إحسان عبد الجبار غضب الشارع العراقي المثقل بالأعباء الاقتصادية بعد قرار سابق بتخفيض سعر صرف الدينار العراقي تم تنفيذه في سبتمبر 2020 بغية توفير مبالغ إضافية للموازنة، التي تعاني عجزاً مزمناً والمثقلة بالديون الخارجية والداخلية.

وتحت ضغط الشارع، بدأت حرب التغريدات والبيانات من جميع المؤسسات الحكومية المرتبطة بالقضية، من أجل النأي بنفسها عن هذه الجريمة الاقتصادية المروعة.

وقال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في تغريدة إن قضية الأموال المسحوبة من هيئة الضرائب في وزارة المالية "تدعو إلى الوقوف عند المناخات التي ساعدت في استشراء الفساد في مفاصل تلك الهيئة، وشاركت في توفير غطاء التجاوز على المال العام، وهي تتجاوز عمر هذه الحكومة".

أما هيئة الضرائب نفسها فسارعت إلى اتهام خمس شركات تابعة للقطاع الخاص بالتنسيق مع عدد من موظفي وزارة المالية من أجل سحب الأموال بشكل مباشر وايداعها في حسابات الشركات ثم تفريغ تلك الحسابات بالكامل.

تمت عملية السحب، رغم أن الملخص التنفيذي لوزارة المالية أشار إلى أن الشركات الخمس "ليس لديها أمانات ضريبية وليس لديها توكيل من قبل طرف ثالث لسحب أمانات الضريبة لذلك لا يمكن تبرير عمليات السحب باي شكل من الاشكال".

مصرف الرافدين بدوره قال إنه "يؤكد عدم علاقة المصرف بأي عمليات تلاعب أو سرقة يجري الحديث عنها"، وإن مهمته "انحصرت في صرف صكوك الهيئة العامة للضرائب من فروعه بعد التأكد من صحة صدورها بكتب رسمية بين المصرف والهيئة".

وألقى ديوان الرقابة المالية باللوم على هيئة الضرائب والحكومة التي طالبت بكتاب رسمي ايقاف رقابة الديوان، مقابل تحمل هيئة الضرائب المسؤولية الكاملة لحماية تلك الأموال.

وأكد الديوان أنه كان يقوم بتدقيق جميع معاملات إعادة مبالغ الأمانات، حتى إلغاء دوره بطلب من البرلمان وافق عليه وزير المالية المستقيل علي علاوي.

علي علاوي بدوره أصدر بياناً قال فيه إن عملية سرقة أموال الضرائب حصلت من خلال عملية مباشرة بين هيئة الضرائب ومصرف الرافدين، الذي لم يقم - حسب الوزير - بدوره في إبلاغ الوزارة بكمية المبالغ المسحوبة الكبيرة، معتبراً إن العامل الرئيسي لهذه السرقة "الوقحة" هو "تأخر اعتماد انظمة المعلومات والحوسبة".

 

مجلس القضاء الأعلى

 

سارع مجلس القضاء الأعلى إلى إصدار مذكرات إلقاء قبض بحق المشتبه بتورطهم بسرقة مبالغ الأمانات الضريبية، وقال في بيان إن محكمة النزاهة تلقت في أغسطس الماضي إخبارا يتضمن "وجود شبكة منظمة مرتبطة بأشخاص من ذوي النفوذ تلاعبت بمبالغ الأمانات الضريبية".

وبحسب البيان، فإن التحرك الأول بهذه القضية بدأ في 21 اغسطس الماضي عندما أصدرت محكمة تحقيق الكرخ في بغداد المختصة بالنزاهة أمراً بإيقاف صرف هذه الأمانات لحين اكتمال التحقيقات، كما أصدرت "مذكرات قبض بحق المشتبه بهم واستمعت إلى عدد من الموظفين المختصين في وزارة المالية للتوصل إلى الحقيقة والتحقيق مستمر بغية استكمال ‏الأدلة في القضية".

من هؤلاء الموظفين الذي استدعتهم محكمة تحقيق الكرخ، أربعة موظفين في الهيئة العامة للضرائب هم كل من مدير عام الهيئة العامة للضرائب ومعاونه، والمشرف على القسم المالي والرقابي، ووكيل القسم المالي، ومدير القسم المالي.

وعلى خلفية ذلك الاستقدام، أصدرت وزارة المالية في العشرين من أكتوبر الجاري قراراً بحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة. أما الشركات التي تم تحويل الأموال لها فصدرت مذكرات إلقاء قبض بحق اصحابها والحجر الاحتياطي على حساباتها.

وقال القاضي الأول في محكمة تحقيق النزاهة، ضياء جعفر لفتة، في تصريح لوكالة الأنباء العراقية، إن "ثلاثة متهمين من أصل أربعة" في هيئة الضرائب العراقية أطلق سراحهم بكفالة فيما تم إيقاف مدير عام هيئة الضرائب الذي قام بتسليم نفسه ومعاون المدير العام، وكذلك "تم إلقاء القبض على متهم آخر في إقليم كردستان".

 

مصير الأموال المنهوبة

 

وفقا لتصريحات القاضي ضياء جعفر لفتة، فقد تم "وضع اليد على أغلب الأموال التي سرقت من هيئة الضرائب"، وقال إن "أغلبها لا تزال داخل العراق".

وبين القاضي أن "هناك رأس مال تم وضع الحجز الكامل عليه في أحد المصارف بالتنسيق مع البنك المركزي علاوة على العقارات الأخرى".

أما المبلغ الذي تم تهريبه خارج العراق فـ"غير معلوم كون قيمة المبلغ المهدور غير واضحة، وما تم الإعلان عنه هو قيمة المبالغ المصروفة".

وأضاف القاضي أن "المحكمة وضعت الحجز الاحتياطي على أموال المتهمين المنقولة وغير المنقولة وزوجاتهم وأولادهم"، وأكد أن "التحريات المالية في مكاتب غسيل الأموال بدأت تسفر عن ظهور أموال تم وضع اليد عليها".

من الناحية القانونية، يقول المحامي صفاء اللامي لـ"ارفع صوتك" إن قانون العقوبات العراقية "يعاقب على سرقة أموال الدولة وفق المادة 444 بعقوبة تصل إلى السجن المؤبد". أما استرداد الأموال "فللمحكمة إجراءات بالتحفظ على الأموال المنقولة وغير المنقولة لجميع المتهمين".

ويعتبر اللامي أن أحد أهم المشاكل القانونية فيما يتعلق باسترداد أموال الدولة المسروقة كان "إلغاء قرار رقم 120 لسنة 1994 بحجة مخالفته لحقوق الإنسان، والذي كان يساهم في حماية أموال الدولة". لكن البعض "سمح باستغلال هذه الفقرة وأصبح بالإمكان إنهاء المحكومية دون تسديد المبالغ المسروقة".

وينص القرار 120 في فقرته الأولى على أنه "لا يطلق سراح المحكوم عن جريمة اختلاس أو سرقة أموال الدولة أو عن أية جريمة عمدية أخرى تقع عليها بعد قضائه مدة الحكم ما لم تسترد منه هذه الأموال أو ما تحولت إليه أو أبدلت به أو قيمتها ."واستثنى القرار المحكومين بسرقة أموال الدولة من "أحكام الافراج الشرطي، ولا تشملهم قوانين العفو العام ولا قرارات تخفيف العقوبة ".

أما الأموال التي تم تهريبها الى الخارج، يوضح المحامي العراقي، فيعتمد أمر إعادتها على "الاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة بين العراق وبقية الدول وهي من صلب صلاحية السلطة التشريعية"، لكن هناك دول "لم نوقع معها أي اتفاقية، وربما إذا تسرب المال إليها لا نتمكن من استعادته خصوصاً، أن بعض الدول تعتبرها جزء من تعزيز اقتصادها، وبالتالي لا تتعاون لاسترداد تلك الأموال".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.