في يوم أمس الثلاثاء، حوالي الساعة السابعة مساء، اقتحم رجلا أمن طائرة خاصة في مطار بغداد بغية الوصول إلى "رجل أعمال" استقر لتوه على كرسيه. حاولت مضيفة أجنبية إيقافهما لخرقهما قوانين الطيران، لكنهما لم يأبها لاعتراضاتها ووصلا إلى الرجل. جادلهما الرجل حول عدم قانونية الإجراء. رفع أحدهما مذكرة إلقاء القبض أمام وجهه واقتاده الشرطيان إلى خارج الطائرة.
يلخص المشهد، الذي حكاه وزير الداخلية، عثمان الغانمي، عملية إلقاء القبض على رجل الأعمال العراقي "نور زهير"، أحد من عدة مطلوبين للقضاء في قضية سرقة 2.5 مليار دولار، التي تشكل أغلب رصيد أمانات هيئة الضرائب العامة في حسابها بمصرف الرافدين الحكومي الذي تشرف عليه وزارة المالية العراقية.
أثارت هذه القضية، التي خرجت إلى الإعلام في منتصف أكتوبر 2022، وأطلق عليها لقب "سرقة القرن"، جدلاً واسعاً في العراق الذي وصفت مندوبة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت الفساد فيه على أنه "سمة أساسية في الاقتصاد السياسي في العراق، وهو جزء من المعاملات اليومية"، معتبرة أن "المصالح الحزبية والخاصة تُبعد الموارد عن استثمارات مهمة في التنمية الوطنية".
ويوجد العراق بالمرتبة 157 عالمياً في مؤشر منظمة الشفافية الدولية من أصل 180 دولة، وأدى الفساد إلى تراجع مؤشرات التنمية رغم ارتفاع أسعار النفط وحصول العراق على موازنات ضخمة لم تنعكس ايجابيا على الوضع العام في البلاد.
وفي منتصف أغسطس 2022، قدم وزير المالية علي علاوي استقالته من الحكومة ألقى فيها باللائمة على الفساد الذي يسري في مفاصل الدولة، حيث "تعمل شبكات سرية واسعة من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والسياسيين وموظفي الدولة الفاسدين في الظل للسيطرة على قطاعات كاملة من الاقتصاد وتسحب مليارات الدولارات من الخزينة العامة"، يقول الوزير في رسالة استقالته.
حساب الضرائب المنهوب
يعود حساب الأمانات الضريبية المنهوب إلى الهيئة العامة للضرائب. أما الأموال المسروقة منه فهي "أمانات" تم استقطاعها من الشركات والأفراد ممن لديهم مشاريع مع الحكومة، أو من مستوردي البضائع، يتم تسويتها بعد انتهاء أعمال المودعين.
عملية التسوية محكومة بموجب المادة 21 من قانون الضرائب لسنة 1982 المتعلقة بـ"الرديات" التي تنص على أن للسلطة المالية أن "ترد للمكلف ما قد دفعه من ضريبة أكثر من المقدار المتحقق عليها شرط تقديم طلب بذلك خلال خمس سنوات من ختام السنة المالية التي دفعت فيها الزيادة".
وبموجب القانون، فإن هناك جهتين مسؤولتين عن ذلك. الأولى هي الهيئة العامة للضرائب بعد تقديم طلب من قبل أصحاب الشركات يمر بنحو من 16 إجراءً روتينياً يتطلب فترة قد تصل إلى العام الكامل لإتمامه من قبل الهيئة، ولا يتم صرف تلك المبالغ إلا بعد تدقيقها من قبل الجهة الثانية وهي ديوان الرقابة المالية.
وقد تم رفع رقابة ديوان المالية من سلسلة الإجراءات، عقب تقديم مجلس النواب مقترحا إلى مجلس الوزراء، لإلغاء دوره قبل عام من الآن، بناء على طلب بعض إدارات الشركات للتقليل من الروتين الذي أدى إلى عرقلة استلام الشركات لفائض الأموال المتحققة لصالحها من إيداع مبالغ تأمينات الضرائب لسنوات.
ولتسهيل استرداد تلك الشركات لأموالها، تمت الموافقة على استبعاد ديوان الرقابة المالية وأصبح الأمر بيد هيئة الضرائب حتى تتمكن بسهولة من إصدار صكوك صرف لهذه الشركات.
ما الذي حصل في هيئة الضرائب
في منتصف أكتوبر الحالي، وافق رئيس الوزراء ولايته مصطفى الكاظمي على استقالة وزير المالية بالوكالة إحسان عبد الجبار الذي نشر تغريدة على تويتر في نفس اليوم، أعلن فيها عن نتائج تحقيق أجري خلال وجوده في المنصب أظهرت أن 3.7 تريليون دينار عراقي، أي ما يعادل 2.5 مليار دولار "سرقت" من أموال الضرائب المودعة في مصرف الرافدين التابع لوزارة المالية العراقية.
— Ihsan A. Ismaael إحسان عبد الجبار (@IhsanIsmaael) October 15, 2022
تم سحب تلك الأموال بالعملة العراقية، وبمبلغ 3.7 تريليون دينار(يعادل 2.5 مليار دولار) في حساب إدارة الضرائب بمصرف الرافدين عبر تحرير 247 صكا، للفترة من سبتمبر 2021 وحتى أغسطس 2022 لحساب خمس شركات.
يدير "نور زهير" رجل الأعمال الذي ألقي القبض عليه على متن طائرته الخاصة، بصفته مديرا مفوضا، شركتين من أصل خمس شركات، هما القانت للمقاولات العامة التي سحبت 677 مليون دولار وشركة المبدعون للخدمات النفطية (299 مليون دولار).
أما الشركات الثلاث المتبقية، فيديرها عبد المهدي توفيق مهدي وهي كل من الحوت الأحدب (329 مليون دولار) ورياح بغداد (817 مليون دولار) وبادية المساء (437 مليون دولار). إحدى هذه الشركات تم الكشف عن مالكها الأصلي وهو عراقي كردي يدعى حسين كاوه ولا يتجاوز عمره 22 عاماً ويمتلك شركة "رياح بغداد" التي تم تسجيلها في يوليو 2021 ، أي قبل شهر واحد من بداية سحب الاموال من حساب أمانات الضرائب.
سحبت تلك المبالغ "نقدا"، ولم تذهب إلى أصحاب حق استرداد الأمانات الضريبية الحقيقيين أو تذهب كإيراد للخزينة العامة.
حرب التغريدات
فجرت تغريدة إحسان عبد الجبار غضب الشارع العراقي المثقل بالأعباء الاقتصادية بعد قرار سابق بتخفيض سعر صرف الدينار العراقي تم تنفيذه في سبتمبر 2020 بغية توفير مبالغ إضافية للموازنة، التي تعاني عجزاً مزمناً والمثقلة بالديون الخارجية والداخلية.
وتحت ضغط الشارع، بدأت حرب التغريدات والبيانات من جميع المؤسسات الحكومية المرتبطة بالقضية، من أجل النأي بنفسها عن هذه الجريمة الاقتصادية المروعة.
وقال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في تغريدة إن قضية الأموال المسحوبة من هيئة الضرائب في وزارة المالية "تدعو إلى الوقوف عند المناخات التي ساعدت في استشراء الفساد في مفاصل تلك الهيئة، وشاركت في توفير غطاء التجاوز على المال العام، وهي تتجاوز عمر هذه الحكومة".
— Mustafa Al-Kadhimi مصطفى الكاظمي (@MAKadhimi) October 16, 2022
أما هيئة الضرائب نفسها فسارعت إلى اتهام خمس شركات تابعة للقطاع الخاص بالتنسيق مع عدد من موظفي وزارة المالية من أجل سحب الأموال بشكل مباشر وايداعها في حسابات الشركات ثم تفريغ تلك الحسابات بالكامل.
تمت عملية السحب، رغم أن الملخص التنفيذي لوزارة المالية أشار إلى أن الشركات الخمس "ليس لديها أمانات ضريبية وليس لديها توكيل من قبل طرف ثالث لسحب أمانات الضريبة لذلك لا يمكن تبرير عمليات السحب باي شكل من الاشكال".
مصرف الرافدين بدوره قال إنه "يؤكد عدم علاقة المصرف بأي عمليات تلاعب أو سرقة يجري الحديث عنها"، وإن مهمته "انحصرت في صرف صكوك الهيئة العامة للضرائب من فروعه بعد التأكد من صحة صدورها بكتب رسمية بين المصرف والهيئة".
وألقى ديوان الرقابة المالية باللوم على هيئة الضرائب والحكومة التي طالبت بكتاب رسمي ايقاف رقابة الديوان، مقابل تحمل هيئة الضرائب المسؤولية الكاملة لحماية تلك الأموال.
وأكد الديوان أنه كان يقوم بتدقيق جميع معاملات إعادة مبالغ الأمانات، حتى إلغاء دوره بطلب من البرلمان وافق عليه وزير المالية المستقيل علي علاوي.
علي علاوي بدوره أصدر بياناً قال فيه إن عملية سرقة أموال الضرائب حصلت من خلال عملية مباشرة بين هيئة الضرائب ومصرف الرافدين، الذي لم يقم - حسب الوزير - بدوره في إبلاغ الوزارة بكمية المبالغ المسحوبة الكبيرة، معتبراً إن العامل الرئيسي لهذه السرقة "الوقحة" هو "تأخر اعتماد انظمة المعلومات والحوسبة".
مجلس القضاء الأعلى
سارع مجلس القضاء الأعلى إلى إصدار مذكرات إلقاء قبض بحق المشتبه بتورطهم بسرقة مبالغ الأمانات الضريبية، وقال في بيان إن محكمة النزاهة تلقت في أغسطس الماضي إخبارا يتضمن "وجود شبكة منظمة مرتبطة بأشخاص من ذوي النفوذ تلاعبت بمبالغ الأمانات الضريبية".
وبحسب البيان، فإن التحرك الأول بهذه القضية بدأ في 21 اغسطس الماضي عندما أصدرت محكمة تحقيق الكرخ في بغداد المختصة بالنزاهة أمراً بإيقاف صرف هذه الأمانات لحين اكتمال التحقيقات، كما أصدرت "مذكرات قبض بحق المشتبه بهم واستمعت إلى عدد من الموظفين المختصين في وزارة المالية للتوصل إلى الحقيقة والتحقيق مستمر بغية استكمال الأدلة في القضية".
من هؤلاء الموظفين الذي استدعتهم محكمة تحقيق الكرخ، أربعة موظفين في الهيئة العامة للضرائب هم كل من مدير عام الهيئة العامة للضرائب ومعاونه، والمشرف على القسم المالي والرقابي، ووكيل القسم المالي، ومدير القسم المالي.
وعلى خلفية ذلك الاستقدام، أصدرت وزارة المالية في العشرين من أكتوبر الجاري قراراً بحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة. أما الشركات التي تم تحويل الأموال لها فصدرت مذكرات إلقاء قبض بحق اصحابها والحجر الاحتياطي على حساباتها.
وقال القاضي الأول في محكمة تحقيق النزاهة، ضياء جعفر لفتة، في تصريح لوكالة الأنباء العراقية، إن "ثلاثة متهمين من أصل أربعة" في هيئة الضرائب العراقية أطلق سراحهم بكفالة فيما تم إيقاف مدير عام هيئة الضرائب الذي قام بتسليم نفسه ومعاون المدير العام، وكذلك "تم إلقاء القبض على متهم آخر في إقليم كردستان".
مصير الأموال المنهوبة
وفقا لتصريحات القاضي ضياء جعفر لفتة، فقد تم "وضع اليد على أغلب الأموال التي سرقت من هيئة الضرائب"، وقال إن "أغلبها لا تزال داخل العراق".
وبين القاضي أن "هناك رأس مال تم وضع الحجز الكامل عليه في أحد المصارف بالتنسيق مع البنك المركزي علاوة على العقارات الأخرى".
أما المبلغ الذي تم تهريبه خارج العراق فـ"غير معلوم كون قيمة المبلغ المهدور غير واضحة، وما تم الإعلان عنه هو قيمة المبالغ المصروفة".
وأضاف القاضي أن "المحكمة وضعت الحجز الاحتياطي على أموال المتهمين المنقولة وغير المنقولة وزوجاتهم وأولادهم"، وأكد أن "التحريات المالية في مكاتب غسيل الأموال بدأت تسفر عن ظهور أموال تم وضع اليد عليها".
من الناحية القانونية، يقول المحامي صفاء اللامي لـ"ارفع صوتك" إن قانون العقوبات العراقية "يعاقب على سرقة أموال الدولة وفق المادة 444 بعقوبة تصل إلى السجن المؤبد". أما استرداد الأموال "فللمحكمة إجراءات بالتحفظ على الأموال المنقولة وغير المنقولة لجميع المتهمين".
ويعتبر اللامي أن أحد أهم المشاكل القانونية فيما يتعلق باسترداد أموال الدولة المسروقة كان "إلغاء قرار رقم 120 لسنة 1994 بحجة مخالفته لحقوق الإنسان، والذي كان يساهم في حماية أموال الدولة". لكن البعض "سمح باستغلال هذه الفقرة وأصبح بالإمكان إنهاء المحكومية دون تسديد المبالغ المسروقة".
كشف عضو لجنة مكافحة الفساد السابق، سعيد ياسين، عن حجم الأموال المنهوبة والمهربة من العراق، وفيما أعلن عن انعقاد مؤتمر لمناقشة استردادها منتصف الشهر الجاري، وأكد أن هناك جهتين تعملان على الاسترداد. pic.twitter.com/9VnGRN9UCC
— IrfaaSawtak ارفع صوتك (@IrfaaSawtak) September 12, 2021
وينص القرار 120 في فقرته الأولى على أنه "لا يطلق سراح المحكوم عن جريمة اختلاس أو سرقة أموال الدولة أو عن أية جريمة عمدية أخرى تقع عليها بعد قضائه مدة الحكم ما لم تسترد منه هذه الأموال أو ما تحولت إليه أو أبدلت به أو قيمتها ."واستثنى القرار المحكومين بسرقة أموال الدولة من "أحكام الافراج الشرطي، ولا تشملهم قوانين العفو العام ولا قرارات تخفيف العقوبة ".
أما الأموال التي تم تهريبها الى الخارج، يوضح المحامي العراقي، فيعتمد أمر إعادتها على "الاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة بين العراق وبقية الدول وهي من صلب صلاحية السلطة التشريعية"، لكن هناك دول "لم نوقع معها أي اتفاقية، وربما إذا تسرب المال إليها لا نتمكن من استعادته خصوصاً، أن بعض الدول تعتبرها جزء من تعزيز اقتصادها، وبالتالي لا تتعاون لاسترداد تلك الأموال".
