محكمة الكرخ
تقدر قيمة الأموال المسروقة في قضية أمانات الضرائب بمليارين ونصف مليار دولار.

في يوم أمس الثلاثاء، حوالي الساعة السابعة مساء، اقتحم رجلا أمن طائرة خاصة في مطار بغداد بغية الوصول إلى "رجل أعمال" استقر لتوه على كرسيه. حاولت مضيفة أجنبية إيقافهما لخرقهما قوانين الطيران، لكنهما لم يأبها لاعتراضاتها ووصلا إلى الرجل. جادلهما الرجل حول عدم قانونية الإجراء. رفع أحدهما مذكرة إلقاء القبض أمام وجهه واقتاده الشرطيان إلى خارج الطائرة.

يلخص المشهد، الذي حكاه وزير الداخلية، عثمان الغانمي، عملية إلقاء القبض على رجل الأعمال العراقي "نور زهير"، أحد من عدة مطلوبين للقضاء في قضية سرقة 2.5 مليار دولار، التي تشكل أغلب رصيد أمانات هيئة الضرائب العامة في حسابها بمصرف الرافدين الحكومي الذي تشرف عليه وزارة المالية العراقية.

أثارت هذه القضية، التي خرجت إلى الإعلام في منتصف أكتوبر 2022، وأطلق عليها لقب "سرقة القرن"، جدلاً واسعاً في العراق الذي وصفت مندوبة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت الفساد فيه على أنه "سمة أساسية في الاقتصاد السياسي في العراق، وهو جزء من المعاملات اليومية"، معتبرة أن "المصالح الحزبية والخاصة تُبعد الموارد عن استثمارات مهمة في التنمية الوطنية".

ويوجد العراق بالمرتبة 157 عالمياً في مؤشر منظمة الشفافية الدولية من أصل 180 دولة، وأدى الفساد إلى تراجع مؤشرات التنمية رغم ارتفاع أسعار النفط وحصول العراق على موازنات ضخمة لم تنعكس ايجابيا على الوضع العام في البلاد.

وفي منتصف أغسطس 2022، قدم وزير المالية علي علاوي استقالته من الحكومة ألقى فيها باللائمة على الفساد الذي يسري في مفاصل الدولة، حيث "تعمل شبكات سرية واسعة من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والسياسيين وموظفي الدولة الفاسدين في الظل للسيطرة على قطاعات كاملة من الاقتصاد وتسحب مليارات الدولارات من الخزينة العامة"، يقول الوزير في رسالة استقالته.

 

حساب الضرائب المنهوب

 

يعود حساب الأمانات الضريبية المنهوب إلى الهيئة العامة للضرائب. أما الأموال المسروقة منه فهي "أمانات" تم استقطاعها من الشركات والأفراد ممن لديهم مشاريع مع الحكومة، أو من مستوردي البضائع، يتم تسويتها بعد انتهاء أعمال المودعين.

عملية التسوية محكومة بموجب المادة 21 من قانون الضرائب لسنة 1982 المتعلقة بـ"الرديات" التي تنص على أن للسلطة المالية أن "ترد للمكلف ما قد دفعه من ضريبة أكثر من المقدار المتحقق عليها شرط تقديم طلب بذلك خلال خمس سنوات من ختام السنة المالية التي دفعت فيها الزيادة".

وبموجب القانون، فإن هناك جهتين مسؤولتين عن ذلك. الأولى هي الهيئة العامة للضرائب بعد تقديم طلب من قبل أصحاب الشركات يمر بنحو من 16 إجراءً روتينياً يتطلب فترة قد تصل إلى العام الكامل لإتمامه من قبل الهيئة، ولا يتم صرف تلك المبالغ إلا بعد تدقيقها من قبل الجهة الثانية وهي ديوان الرقابة المالية.

وقد تم رفع رقابة ديوان المالية من سلسلة الإجراءات، عقب تقديم مجلس النواب مقترحا إلى مجلس الوزراء، لإلغاء دوره قبل عام من الآن، بناء على طلب بعض إدارات الشركات للتقليل من الروتين الذي أدى إلى عرقلة استلام الشركات لفائض الأموال المتحققة لصالحها من إيداع مبالغ تأمينات الضرائب لسنوات.

ولتسهيل استرداد تلك الشركات لأموالها، تمت الموافقة على استبعاد ديوان الرقابة المالية وأصبح الأمر بيد هيئة الضرائب حتى تتمكن بسهولة من إصدار صكوك صرف لهذه الشركات.

 

ما الذي حصل في هيئة الضرائب

 

في منتصف أكتوبر الحالي، وافق رئيس الوزراء ولايته مصطفى الكاظمي على استقالة وزير المالية بالوكالة إحسان عبد الجبار الذي نشر تغريدة على تويتر في نفس اليوم، أعلن فيها عن نتائج تحقيق أجري خلال وجوده في المنصب أظهرت أن 3.7 تريليون دينار عراقي، أي ما يعادل 2.5 مليار دولار "سرقت" من أموال الضرائب المودعة في مصرف الرافدين التابع لوزارة المالية العراقية.

تم سحب تلك الأموال بالعملة العراقية، وبمبلغ 3.7 تريليون دينار(يعادل 2.5 مليار دولار)  في حساب إدارة الضرائب بمصرف الرافدين عبر تحرير 247 صكا، للفترة من سبتمبر 2021 وحتى أغسطس 2022 لحساب خمس شركات.

يدير "نور زهير" رجل الأعمال الذي ألقي القبض عليه على متن طائرته الخاصة، بصفته مديرا مفوضا، شركتين من أصل خمس شركات، هما القانت للمقاولات العامة التي سحبت 677 مليون دولار وشركة المبدعون للخدمات النفطية (299 مليون دولار).

أما الشركات الثلاث المتبقية، فيديرها عبد المهدي توفيق مهدي وهي كل من الحوت الأحدب (329 مليون دولار) ورياح بغداد (817 مليون دولار) وبادية المساء (437 مليون دولار). إحدى هذه الشركات تم الكشف عن مالكها الأصلي وهو عراقي كردي يدعى حسين كاوه ولا يتجاوز عمره 22 عاماً ويمتلك شركة "رياح بغداد" التي تم تسجيلها في يوليو 2021 ، أي قبل شهر واحد من بداية سحب الاموال من حساب أمانات الضرائب.

سحبت تلك المبالغ "نقدا"، ولم تذهب إلى أصحاب حق استرداد الأمانات الضريبية الحقيقيين أو تذهب كإيراد للخزينة العامة.

 

حرب التغريدات

 

فجرت تغريدة إحسان عبد الجبار غضب الشارع العراقي المثقل بالأعباء الاقتصادية بعد قرار سابق بتخفيض سعر صرف الدينار العراقي تم تنفيذه في سبتمبر 2020 بغية توفير مبالغ إضافية للموازنة، التي تعاني عجزاً مزمناً والمثقلة بالديون الخارجية والداخلية.

وتحت ضغط الشارع، بدأت حرب التغريدات والبيانات من جميع المؤسسات الحكومية المرتبطة بالقضية، من أجل النأي بنفسها عن هذه الجريمة الاقتصادية المروعة.

وقال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في تغريدة إن قضية الأموال المسحوبة من هيئة الضرائب في وزارة المالية "تدعو إلى الوقوف عند المناخات التي ساعدت في استشراء الفساد في مفاصل تلك الهيئة، وشاركت في توفير غطاء التجاوز على المال العام، وهي تتجاوز عمر هذه الحكومة".

أما هيئة الضرائب نفسها فسارعت إلى اتهام خمس شركات تابعة للقطاع الخاص بالتنسيق مع عدد من موظفي وزارة المالية من أجل سحب الأموال بشكل مباشر وايداعها في حسابات الشركات ثم تفريغ تلك الحسابات بالكامل.

تمت عملية السحب، رغم أن الملخص التنفيذي لوزارة المالية أشار إلى أن الشركات الخمس "ليس لديها أمانات ضريبية وليس لديها توكيل من قبل طرف ثالث لسحب أمانات الضريبة لذلك لا يمكن تبرير عمليات السحب باي شكل من الاشكال".

مصرف الرافدين بدوره قال إنه "يؤكد عدم علاقة المصرف بأي عمليات تلاعب أو سرقة يجري الحديث عنها"، وإن مهمته "انحصرت في صرف صكوك الهيئة العامة للضرائب من فروعه بعد التأكد من صحة صدورها بكتب رسمية بين المصرف والهيئة".

وألقى ديوان الرقابة المالية باللوم على هيئة الضرائب والحكومة التي طالبت بكتاب رسمي ايقاف رقابة الديوان، مقابل تحمل هيئة الضرائب المسؤولية الكاملة لحماية تلك الأموال.

وأكد الديوان أنه كان يقوم بتدقيق جميع معاملات إعادة مبالغ الأمانات، حتى إلغاء دوره بطلب من البرلمان وافق عليه وزير المالية المستقيل علي علاوي.

علي علاوي بدوره أصدر بياناً قال فيه إن عملية سرقة أموال الضرائب حصلت من خلال عملية مباشرة بين هيئة الضرائب ومصرف الرافدين، الذي لم يقم - حسب الوزير - بدوره في إبلاغ الوزارة بكمية المبالغ المسحوبة الكبيرة، معتبراً إن العامل الرئيسي لهذه السرقة "الوقحة" هو "تأخر اعتماد انظمة المعلومات والحوسبة".

 

مجلس القضاء الأعلى

 

سارع مجلس القضاء الأعلى إلى إصدار مذكرات إلقاء قبض بحق المشتبه بتورطهم بسرقة مبالغ الأمانات الضريبية، وقال في بيان إن محكمة النزاهة تلقت في أغسطس الماضي إخبارا يتضمن "وجود شبكة منظمة مرتبطة بأشخاص من ذوي النفوذ تلاعبت بمبالغ الأمانات الضريبية".

وبحسب البيان، فإن التحرك الأول بهذه القضية بدأ في 21 اغسطس الماضي عندما أصدرت محكمة تحقيق الكرخ في بغداد المختصة بالنزاهة أمراً بإيقاف صرف هذه الأمانات لحين اكتمال التحقيقات، كما أصدرت "مذكرات قبض بحق المشتبه بهم واستمعت إلى عدد من الموظفين المختصين في وزارة المالية للتوصل إلى الحقيقة والتحقيق مستمر بغية استكمال ‏الأدلة في القضية".

من هؤلاء الموظفين الذي استدعتهم محكمة تحقيق الكرخ، أربعة موظفين في الهيئة العامة للضرائب هم كل من مدير عام الهيئة العامة للضرائب ومعاونه، والمشرف على القسم المالي والرقابي، ووكيل القسم المالي، ومدير القسم المالي.

وعلى خلفية ذلك الاستقدام، أصدرت وزارة المالية في العشرين من أكتوبر الجاري قراراً بحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة. أما الشركات التي تم تحويل الأموال لها فصدرت مذكرات إلقاء قبض بحق اصحابها والحجر الاحتياطي على حساباتها.

وقال القاضي الأول في محكمة تحقيق النزاهة، ضياء جعفر لفتة، في تصريح لوكالة الأنباء العراقية، إن "ثلاثة متهمين من أصل أربعة" في هيئة الضرائب العراقية أطلق سراحهم بكفالة فيما تم إيقاف مدير عام هيئة الضرائب الذي قام بتسليم نفسه ومعاون المدير العام، وكذلك "تم إلقاء القبض على متهم آخر في إقليم كردستان".

 

مصير الأموال المنهوبة

 

وفقا لتصريحات القاضي ضياء جعفر لفتة، فقد تم "وضع اليد على أغلب الأموال التي سرقت من هيئة الضرائب"، وقال إن "أغلبها لا تزال داخل العراق".

وبين القاضي أن "هناك رأس مال تم وضع الحجز الكامل عليه في أحد المصارف بالتنسيق مع البنك المركزي علاوة على العقارات الأخرى".

أما المبلغ الذي تم تهريبه خارج العراق فـ"غير معلوم كون قيمة المبلغ المهدور غير واضحة، وما تم الإعلان عنه هو قيمة المبالغ المصروفة".

وأضاف القاضي أن "المحكمة وضعت الحجز الاحتياطي على أموال المتهمين المنقولة وغير المنقولة وزوجاتهم وأولادهم"، وأكد أن "التحريات المالية في مكاتب غسيل الأموال بدأت تسفر عن ظهور أموال تم وضع اليد عليها".

من الناحية القانونية، يقول المحامي صفاء اللامي لـ"ارفع صوتك" إن قانون العقوبات العراقية "يعاقب على سرقة أموال الدولة وفق المادة 444 بعقوبة تصل إلى السجن المؤبد". أما استرداد الأموال "فللمحكمة إجراءات بالتحفظ على الأموال المنقولة وغير المنقولة لجميع المتهمين".

ويعتبر اللامي أن أحد أهم المشاكل القانونية فيما يتعلق باسترداد أموال الدولة المسروقة كان "إلغاء قرار رقم 120 لسنة 1994 بحجة مخالفته لحقوق الإنسان، والذي كان يساهم في حماية أموال الدولة". لكن البعض "سمح باستغلال هذه الفقرة وأصبح بالإمكان إنهاء المحكومية دون تسديد المبالغ المسروقة".

وينص القرار 120 في فقرته الأولى على أنه "لا يطلق سراح المحكوم عن جريمة اختلاس أو سرقة أموال الدولة أو عن أية جريمة عمدية أخرى تقع عليها بعد قضائه مدة الحكم ما لم تسترد منه هذه الأموال أو ما تحولت إليه أو أبدلت به أو قيمتها ."واستثنى القرار المحكومين بسرقة أموال الدولة من "أحكام الافراج الشرطي، ولا تشملهم قوانين العفو العام ولا قرارات تخفيف العقوبة ".

أما الأموال التي تم تهريبها الى الخارج، يوضح المحامي العراقي، فيعتمد أمر إعادتها على "الاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة بين العراق وبقية الدول وهي من صلب صلاحية السلطة التشريعية"، لكن هناك دول "لم نوقع معها أي اتفاقية، وربما إذا تسرب المال إليها لا نتمكن من استعادته خصوصاً، أن بعض الدول تعتبرها جزء من تعزيز اقتصادها، وبالتالي لا تتعاون لاسترداد تلك الأموال".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".