"احتجاجات تشرين 2019 هي محاولة/ موجة سياسية عميقة نحو التغيير. تلك الموجة من الممكن -بل من المتوقع- أن تتبعها موجات أخرى قادمة لا يمكن التنبؤ اليقيني بتوجهاتها ومدياتها، لكنها غالباً ستكون أشد راديكالية وجذرية في أهدافها وأساليبها".
هذا ما يقوله دكتور علم النفس الاجتماعي السياسي، فارس كمال نظمي، في الذكرى الثالثة لـ"احتجاجات تشرين"، التي انطلقت شرارتها في الأول من أكتوبر 2019، في بغداد ومدن الجنوب، قبل أن تتوسع لتشمل غالبية المدن العراقية، وتتواصل عدّة أشهر.
وفي الوقت الذي يحيي فيه العراقيون ذكرى الاحتجاجات، التي تعتبر الأكبر في العراق منذ 2003، ووسط الجدل المستمر حول مآلاتها، يقول فارس كمال نظمي لـ"ارفع صوتك": " ما آلت إليه هذا المحاولة السياسية، إنما يرتبط بالأساس بطبيعة الأنظمة الحاكمة المغلقة".
ويشرح: " هذه الأنظمة (ومنها العراقي) ترفض/ تقاوم تقديم أي تنازلات حقيقية، وتمتنع عن تعديل سلوكها القائم على الاستحواذ والتسلط والفساد، مع إصرارها القمعي على عدم السماح للقوى الشبابية الصاعدة أن تكون جزءا من المجال السياسي العام".
يقول الدكتور نظمي: " تشرين فتحت أفقاً ابتدائياً -ولكن ثابتاً- نحو التغيير الذي ما يزال مستعصياً بسبب الماضي الذي ما يزال يحتضر".
وبعد ثلاث سنوات على "احتجاجات تشرين"، التي قتل وأصيب خلالها مئات المشاركين على يد القوات الأمنية، تقدم دراسة ميدانية أجراها كل من فارس كمال نظمي، ودكتور علم النفس الاجتماعي، مازن حاتم، بعنوان: " احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها"، صورة للحركة الاحتجاجية من الداخل، وتحلل خلفيات المشاركين، وسلوكهم الاحتجاجي، وطموحاتهم، وتصوراتهم للمستقبل.
وشملت الدراسة 1020 محتجاً ومحتجة (عينة الدراسة) من متظاهري ومعتصمي ساحة التحرير في بغداد، تمت مقابلتهم ميدانياً خلال المدة من 25 أكتوبر إلى 17 نوفمبر 2019.
الطريق إلى "احتجاجات تشرين"
تُرجع الدراسة أسباب الاحتجاجات إلى الفساد المتجذر وتضاعف الحرمان الاجتماعي، وهي الأسباب التي أسهمت في اندلاع الموجات الاحتجاجية الأربعة التي سبقت "احتجاجات تشرين".
الاحتجاجات التي سبقت "احتجاجات تشرين"، هي: انتفاضة الكهرباء التي شهدتها مدن الوسط والجنوب في يونيو 2010، تلتها انتفاضة "جمعة الغضب" في بغداد في فبراير 2011، ثم الحراك الاحتجاجي الذي انطلق في بغداد نهاية يوليو 2015 واستمر لأكثر من سنتين ونصف، وأخيرا احتجاجات البصرة في يوليو 2018.
وفيما تتحد وتتقاطع أسباب الاحتجاجات، أخذ السلوك الاحتجاجي شكلاً مختلفاً في "الأنموذج التشريني"، كما تقول الدراسة.
ذهبت احتجاجات تشرين بعيداً في مطالبها الجذرية، متجاوزة الشعارات المطلبية الفرعية، ومطالبات إصلاح النظام السياسي، إلى "إسقاط النظام" وهو الهتاف المركزي الذي افتتحت به الاحتجاجات في ساحة التحرير في بغداد.
"تتميز احتجاجات تشرين في كونها نابعة من شعور عميق بالانتماء إلى وطنية عراقية صاعدة تؤمن بأن الاستقلال السياسي عن أي محور إقليمي ودولي مدخل للتغييرات (..) وتمهد لإصلاح سياسي يبدو مستحيلاً في ظل طبقة سياسية يتم التحكم فيها من الخارج"، وفقاً للدراسة.
أصرت السلطة الحاكمة على "تحويل المواجهة مع المحتجين إلى واقعة بالغة العنف في الذاكرة السياسية العراقية".
موقف يفسر العنف الذي انتهجته السلطة الحاكمة في تعاملها مع المحتجين، وإصرارها على "تحويل المواجهة مع المحتجين إلى واقعة بالغة العنف في الذاكرة السياسية العراقية".
طموحات كبيرة واستعداد للتضحية
تؤشر الدراسة على الطموحات الكبيرة التي حملها المشاركون في الاحتجاجات، ومستويات توقعاتهم المتفائلة لمستقبل البلاد. وفي سبيل ذلك، امتلكوا الدافع لتقديم تضحيات كبيرة وصلت حد تقديم حياتهم ثمناً لما خرجوا من أجله.
الاحتجاجات، التي شكل الشباب والمتعلمون أغلبية المشاركين فيها، حملت طابعاً جذرياً شاملاً للتغيير. وبحسب الدراسة، حصل هدف "أريد وطن" على المرتبة الأولى من مواقف المحتجين بنسبة قاربت 78 بالمئة، تلاه "محاربة الفساد" بـ70 بالمئة، وتغيير النظام السياسي في المرتبة الثالثة بنحو 67 بالمئة.
وشكلت الموجة الاحتجاجية أيضا بارقة أمل للمشاركين باتجاه مستقبل أفضل، حيث عبر 69 بالمئة عن اعتقادهم بأنها ستكون مجدية في تحقيق التغيير السياسي، فيما توقع نحو 78 بالمئة أن مستقبل العراق سيكون مشرقاً بعد الاحتجاجات.
قوة النزعة التفاؤلية ترجعها الدراسة إلى "تأثير البيئة الاحتجاجية الحماسية التي تنشّط التفكير الرغبوي الآني"، وهو ما ساعد على " إدامة الزخم الاحتجاجي السلمي وتغذيته وتبرير استمراره نفسياً أمام العنف الموجه من السلطة".
وتفسر النزعة التفاؤلية ورفع سقف التوقعات صمود المحتجين واستمرارهم رغم العنف الواقع عليهم من قبل القوات الأمنية، واعتقادهم الجازم باحتمالية فقدان الحياة والذي بلغ نحو 72 بالمئة.
لم تمنع كل المخاطر أن يبدي قرابة 85 بالمئة من المشاركين رغبة في استمرار الاحتجاجات إلى مدى زمني مفتوح، مع التزام أكثر من 83 بالمئة بالحفاظ على سلمية الاحتجاج ونبذ اللجوء للعنف، رغم تعرض نحو 44 بالمئة من عينة المحتجين إلى إصابات خلال المشاركة في الاحتجاجات، ووصف 89 بالمئة منهم سلوك قوات مكافحة الشغب بـ"العنفي".
في هذا اليوم العظيم ١٠/٢٥
— احمد الوشاح (@JeMAnLosleXaTnd) October 25, 2022
اجدد عهدي و ولائي الى وطني الحبيب واجدد رفضي لنظام المحاصصة والفساد والقتل
واجدد انتمائي الى العراق الواحد فهو قبلتي وديني ومذهبي وقائدي وعقيدتي وعشيرتي والى تشرين التضحيات والصمود والآباء #سننتصر✌️🇮🇶✌️ pic.twitter.com/ENcoWoNeeL
وتقدم مؤشرات الدراسة تفسيراً لحرص العراقيين على أحياء ذكرى "احتجاجات تشرين" بشكل سنوي، حيث عبر قرابة 65 بالمئة عن عزمهم تكرار الاحتجاج السلمي في وقت لاحق، في حال عدم نجاح "احتجاجات تشرين".
متدينون ودولة مدنية
رغم التوجه الإيماني الواضح للمحتجين، حسب الدراسة، إلّا أنهم انحازوا إلى خيار الدولة المدنية. وبلغت نسبة من وصفوا أنفسهم بـ "متدين جداً" و "متدين" و "مؤمن غير متدين" نحو 92 بالمئة. مع ذلك، أبدى نحو 87 بالمئة تأييدهم لخيار قيام دولة مدنية في العراق معارضين خيار الدولة الدينية.
توجهات تقود إلى نتيجة مفادها: "انفصال واضح لدى المحتجين بين توجهاتهم الدينية والشخصية وتوجهاتهم العامة حيال دور الدين في السياسة، فتفضيلاتهم التدينية الشخصية القوية جاءت ذات طابع مدني، يقف على النقيض من تسييس الدين أو أسلمة الدولة"، تخلص الدراسة.
وعلاوة على الانحياز للدولة المدنية على حساب الدينية، حملت توجهات المشاركين في الاحتجاجات نزعة تشكيكية بمواقف رجال دين من الاحتجاجات، إضافة إلى وصف نحو 65 بالمئة منهم لدور رجال الدين عامة والمؤسسة الدينية في التأثير في السياسية وأحوال البلاد منذ 2003 بإنه "دور سلبي". وانسحب ذلك على دور إيران السياسي في العراق، والذي عبر 90 بالمئة من المحتجين عن اعتقادهم بأنه "سلبي".
وفي ضوء عدم تحقيق أهداف "الاحتجاج التشريني"، وفي خضم التدهور الاقتصادي والسياسي والأمني والصحي الذي يشهده العراق، فإن الأوضاع مهيأة لاندلاع موجات احتجاجية أكثر استماتة وجذرية، حسب ما تتوقع الدراسة.
