صورة التقطت عام 2010، تظهر معبد مرن الهلنستي في قلعة مدينة الحضر القديمة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 2000 عام.
صورة التقطت عام 2010، تظهر معبد مرن الهلنستي في قلعة مدينة الحضر القديمة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 2000 عام.

تحتاج آثار منطقة الجزيرة الفراتية، المتوزعة بين العراق وسوريا، إلى سنوات من الترميم وإعادة التأهيل، بعد التدمير الممنهج الذي تعرضت له على يد تنظيم "داعش" قبل أكثر من سبع سنوات.

وأقيم، قبل أيام قليلة، في العاصمة الإيطالية روما، معرض يصور المرحلة الأولى من ترميم الآثار المدمَّرة في مدينة الحضر التاريخية الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة الموصل على مسافة 110 كيلومترات.

اضطلعت بترميم وإعادة تأهيل هذه المدينة المسجلة كواحدة من مواقع التراث العالمي لدى منظمة "اليونيسكو "الرابطة الدولية للدراسات المتوسطية والشرقية"، و"التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع "، بدعم من الحكومة العراقية.

وكان التنظيم الإرهابي قد دمر واجهات المعابد، وحطم التماثيل الموجودة في المكان بدعوى أنها "أصنام شركية"، وقام بحفريات عشوائية بحثاً عن دفائن وكنوز، مستعيناً بمهربي آثار محترفين كانوا يحصلون على امتياز تنقيب مما سمي بـ"ديوان الركاز"، الأمر الذي ترك خراباً واسعاً يحتاج مواسم عدة من الترميم والإصلاح.

 

شقيقة تدمر

 

ومدينة الحضر شقيقة لمدينة تدمر في البادية السورية، فقد اشتركتا في اللغة والمعتقدات، وازدهرتا في الفترة الزمنية ذاتها، ومارستا تجارة القوافل، وكون مواطنوهما ثروات كبيرة مكنتهم من بناء صروح خالدة، زاوجت بين فنون العمارة الإغريقية والشرقية، ونشأت فيهما سلالتان ملكيتان عربيتان تشتركان بالاسم نفسه وهو "بنو نصر".

اشتهرت مدينة الحضر في كتب التاريخ اللاتينية بتصديها لحملة الإمبراطور الروماني تراجان (53- 117م) حين هاجم الإمبراطورية البارثية بدءاً من العام 114م. ووثق المؤرخ وعضو مجلس الشيوخ كاسيوس ديو (163 – 229 م) قصة الحصار الفاشل الذي نصبه الجيش الروماني حول المدينة بقوله: "بعد ذلك؛ غادر الإمبراطور إلى العربية، (المقصود عربية الجزيرة الفراتية)، وهاجم مدينة الحضر التي انشقت هي أيضاً. وهي مدينة ليست بالكبيرة، وغير غنية، تحيط بها صحراء شاسعة من جميع الجهات. ماؤها شحيح، فقيرة بالمراعي، وكل هذا جعل الحصار شبه مستحيل، إضافة إلى حماية إله الشمس لها".

ويضيف ديو: "خلع تراجان حلته الإمبراطورية، وركب حصانه متقدماً الفرسان، وكاد أن يصاب، ولكن البرابرة تعرفوا عليه من شعره الأبيض وهيبة ملامحه، فأطلقوا السهام نحوه، وقتلوا أحد الفرسان المرافقين له. وبالإضافة إلى ذلك، قصفت الرعود واشتعل البرق، وهبت الزوابع، وظهر قوس قزح، في اللحظة التي حاول الرومان فيها الهجوم". ويضيف: "كان الذباب يقع في طعامهم وشرابهم، ما دعا الإمبراطور لأن ينسحب، وليمرض بعد فترة ويموت".

المعلومات التاريخية حول مملكة الحضر جدُّ شحيحة. فبالإضافة إلى بعض التواريخ الرومانية، نقرأ معلومات مبثوثة في التواريخ السريانية، وإشارات في برديات مدينة دورا أوروبس قرب دير الزور على نهر الفرات، ولذلك فإن الغالبية الساحقة من المعلومات عن هذه المملكة مستقاة من نقوشها التي تزيد على 500 نقش تكريسي وجنائزي وقانوني، كتبت بأبجدية مشتقة من الأبجدية المربعة (الآرامية)، وقام البروفيسور العراقي فؤاد سفر بفك رموزها في أواخر ستينات القرن الماضي.

 

إحساس بالخطر

 

يحيط بمدينة الحضر سور مزدوج شبه دائري محصَّن بمئة وثلاث وستين برجاً. وهو السور الذي حمى المدينة من اجتياح امبراطورين رومانيين هما تراجان وسبتيموس سفيروس ذو الأصول الشمال إفريقية (146- 211 م).

ومن غير الواضح طبيعة العلاقة التي كانت تربط الحضر بالإمبراطورية البارثية، نظراً لأن نقوش الأباطرة الرومان التي تتحدث عن الحملات على هذه المنطقة تميز بين الشعبين البارثي والحضري العربي، وهي على الأرجح مملكة فيدرالية ضمن اتحاد فيدرالي فارسي، ومع ذلك فإن تأثيرات هذه المدينة تصل إلى الخليج العربي، وتحديداً إلى مملكة عمانا، حيث عثر في مدينة أم القيوين (الإمارات حاليا) على معبد مبني وفق طراز معابد الحضر، ونقش تكريسي بالأبجدية الحضرية.

 

سلالة حاكمة

 

تبين النقوش تطور مدينة الحضر من مدينة يحكمها وجيه يدعى نشر يهب عام 134 م، يرثه ابنه نصر الذي يحمل لقباً دينيا هو "أفكل ربا شمش"، أي كاهن إله الشمس العظيم، إلى مملكة يحكمها ملك يحمل اللقبين الديني والزمني. ويُعد ولجش بن نصر هو أول حاكم للحضر يحمل لقب "ملك العرب"، (ملكا د عرب)، وفي هذه المرحلة بنيت أهم مشيدات المدينة وتماثيلها.

ومن ملوك هذه المرحلة سنطروق الأول، وعبد سميا، وسنطروق الثاني. ويبدو أن هؤلاء الملوك قد عقدوا اتفاقيات تحالف مع الرومان، حيث أرسل الملك عبد سميا، أو بارسمياس بحسب المؤرخ الروماني هيروديان (17- 250 م)، فرقة من الرماة لدعم المندوب الروماني في سوريا، بيسكينيوس نيجر الذي نافس سفيروس على عرش الإمبراطورية الرومانية. وكان من نتيجة ذلك أن حاصر سفيروس الحضر بعد هزيمة نيجر من دون أن يتمكن من فتحها. وبعد هذه المرحلة، يبدو أن استقلال الحضر قد تعزز أكثر فأكثر وخصوصاً في عهد الملك سنطروق الثاني نجل عبد سميا.

 في العام 223، سقطت الإمبراطورية البارثية بيد أردشير الأول مؤسس السلالة الساسانية، وقد استعانت الحضر بالرومان في هذه المرحلة للوقوف ضد الساسانيين الذين لم يخفوا رغبتهم في تدمير المدينة وجعلها أثراً بعد عين. وثمة نقش مؤرخ في العام 235 يؤكد وجود حامية رومانية في المدينة. ولكن ذلك لم يشفع لها، فقد تعرضت لحصار ملك الساسانيين شابور الأول عام 240م، وسقطت بأيدهم بعد حوالي عام من الحصار.

ومن اللافت أن كتب التاريخ العربية المكتوبة بعد ذلك بستة قرون وأكثر؛ حفظت قصة سقوط الحضر، وذكرت أنها سقطت نتيجة مؤامرة داخلية شاركت فيها ابنة الساطرون، وهو الملك سنطروق، حيث أعطت مفاتيح المدينة للملك شابور على أمل زواجها به، ولكنه حين دخل عليها وسألها عن سر هذا التنعم الذي كانت تعيش فيه، وأجابته إنه من هدايا أبيها، قال قولته الشهيرة: "من تخون أباها تخون زوجها"، فكان عقابها القتل على يديه.

 

التخطيط العمراني

 

تنتمي الحضر من حيث التخطيط العمراني لأسلوب المدن المدورة الذي كان سائداً في بلاد الجزيرة الفراتية منذ أقدم العصور، وفي وسطها أقيم مبعد إله الشمس، بما يوحي أنه كان مكانا للحج، وعثرت بعثات التنقيب الإيطالية والبولندية على بقايا سور الحرم المقدس المبني بالطين المشوي، وهو سور داخلي يعتقد بأنه كان سوراً للمدينة قبل فترتها الملكية.

وتبلغ استدارة سور الحضر حوالي ستة كيلومترات، وداخل السور تنتظم المعالم الرئيسية للمدينة، وهي مبنية بالحجر الجيري، حيث تصطف المباني الرئيسية في الجانب الغربي من سياج الحرم المقدس، والتي تشتمل على مخازن للمؤن.

عملة عليها صورة الملك إيسباسينو عثر عليها في دورا اوروبس السورية.
"خاراكس".. مملكة ميسان التي تؤجل الفيضانات والحروب اكتشافها
شغل موقع مدينة "خاراكس" كما تسمى باليونانية، و"كرك سباسينو" كما تسمى بالتدمرية، علماء الآثار منذ القرن التاسع عشر، نظراً لأهمية هذه المدينة في التاريخ الكلاسيكي للعراق وإيران، ولأنها كانت واحدة من أهم المراكز التجارية العالمية خلال أكثر من خمسة قرون.

وفي الجانب الغربي من الساحة المركزية، هناك معبد بني بتأثيرات هلنستية يدعى معبد مار مرين، أي رب الأرباب، وهو إله غامض غير محدد، ربما يشير إلى شكل من أشكال التوحيد. وفي الجاب الشرقي من الساحة مبان أخرى منها مبنى بثلاث إيوانات تفضي إلى غرف كبيرة، وهذا المبنى شيد في عهد سنطروق الأول، وتم تكريسه للإلهة العربية اللات.

وفي الجزء الغربي من سياج الحرم المقدس؛ ثمة نصب هو الأكبر في المدينة إذ يمتد على طول 115 متراً، فيه ثمانية صفوف من الأقواس، وإيوانان كبيران بارتفاع 25 متراً، يوصلان إلى غرفتين مقببتين. ومن المرجح أن هذه الأبنية هي أبنية للاحتفالات الدينية وغير الدينية. وفي المكان مزارات وأنصاب دينية وتكريمية معظمها أنشئ في عهد الملكية.

وتحتل المنطقة السكنية الحيز الواقع خلف سور الحرم المقدس، باتجاه السور الدفاعي، وهذه المنطقة لم تثر شهية علماء الآثار بقدر ما أثارتها المشيدات العامة داخل سور الحرم المقدس، وخاصة المعابد. ومن المتوقع، في حال التنقيب فيها، العثور على الكثير من اللقى والنقوش التي تضيف المزيد من المعلومات حول هذه المملكة العربية المهمة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".