يمنح الكريستال متعاطيه جرعة عالية من النشاط الفكري والجنسي، ويمكنه من البقاء متيقظا لعدة أيام في أول جرعاته.
يمنح الكريستال متعاطيه جرعة عالية من النشاط الفكري والجنسي، ويمكنه من البقاء متيقظا لعدة أيام في أول جرعاته.

يمنح الكريستال متعاطيه جرعة عالية من النشاط الفكري والجنسي، ويمكنه من البقاء مستيقظا لعدة أيام في أول جرعاته. هذا هو سر الانتشار السريع لهذا النوع من العقاقير بين الشباب في العراق. هذه "الميزات" التي تجذب الشباب لاستهلاكه هي ذاتها التي تؤدي بعدد منهم إلى الهلوسة وارتكاب جرائم خطيرة مثل زنا المحارم والقتل والانتحار.

مع ذلك، لا توجد احصائيات دقيقة لعدد متعاطي الكريستال في العراق. فالمخدرات "قاتل صامت غزا المجتمع العراقي دون أن ينتبه له أحد"، كما يقول العقيد بلال صبحي جبر مدير قسم العلاقات والإعلام في المديرية العامة لمكافحة المخدرات.

الأرقام التي كشف عنها العقيد لـ"ارفع صوتك" لعدد المقبوض عليهم من تجار ومتعاطي المخدرات منذ تأسيس المديرية عام 2019 حتى اليوم بدت صادمة. فخلال العشرة أشهر الأولى من العام الحالي فقط، "تم إلقاء القبض على 13.6 ألف متهم بين تاجر وموزع ومتعاط، منهم 350 حدثاً و190 امرأة"، كما تم "ضبط 360 كيلوغراماً من المواد المخدرة  و14.5  مليون حبة مخدرة".

مدمنون عراقيون يختارون العلاج

ناجون من الإدمان يتحدثون في لقاءات خاصة مع ارفع صوتك عن تجاربهم في اختيار حياة بلا مخدرات

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Saturday, November 19, 2022

وتوضح إحصاءات المديرية أن عدد من تم إلقاء القبض عليهم زاد إلى أكثر من الضعف خلال ثلاثة أعوام فقط. ففي العام 2019 تم إلقاء القبض على 6074 تاجرا ومتعاطيا، ليرتفع العدد عام 2020 إلى 7514، ثم إلى 12.8 ألف موقوف عام 2021 مع ضبط نحو نصف طن من المواد المخدرة.

هذه الزيادات الكبيرة، كما يقول العقيد بلال، "مؤشر خطير على حجم انتشار المواد المخدرة في العراق" التي تنقسم في تهريبها إلى "الكريستال والحشيشة، التي تأتي أغلبها من الحدود عبر محافظتي البصرة وميسان"، فيما تأتي "أغلب حبوب الكبتاغون والمؤثرات العقلية من الحدود الغربية".

وكان مجلس القضاء أصدر بياناً أواسط العام الماضي، نقل فيه عن قاضي محكمة تحقيق المسيب في بابل (وسط العراق) نبيل الطائي قوله إن "نسبة الإدمان قد تصل إلى 50 بالمئة بين الشباب، لكن هذا الأمر غير مكتشف بشكل رسمي".

 

ما هو الكريستال؟

 

يُعتبر الكريستال من المواد المنشطة، وهو من عائلة الأمفيتامين المادة الأساسية لتصنيع حبوب الكبتاغون والميثامفيتامين الذي يُطلق عليه شعبيا اسم "الكريستال" كونه يشبه في الشكل حبيبات الكريستال أو قطع الزجاج المكسورة.

ويؤدي تناول الكريستال إلى ارتفاع سريع في مستويات الدوبامين بشكل خاص، وهي مادة كيمياوية يفرزها الدماغ تؤثر على التركيز والتعلم. ويؤدي نقصها إلى الإصابة بأمراض عديدة مثل الباركنسون والاكتئاب. في حال استُخدم بجرعات قليلة جداً، فإن من شأنه زيادة اليقظة والتركيز والتغلب على الإرهاق والمساعدة في إنقاص الوزن لمن يعانون من السُمنة. أما الجرعات العالية منه فتسبب الهلوسة والنشوة والميل إلى العنف وارتكاب الجرائم.

هناك عدة طرق لتعاطي الكريستال، أكثرها شيوعاً تتم عبر أنبوب زجاجي شفاف منتفخ من الأسفل يسمى "البايب" يتم وضع الكريستال عبر الأنبوب لتستقر في الجزء المنتفخ منه. ويتم إسالة الحبيبات عبر تسليط نار مستمرة من قداحة على الجزء السفلي من الانبوب، بهدف تسييل الكريستال ليصبح قابلا للتبخر ومن ثم استنشاق البخار عبر الأنبوب.

وينتشر الكريستال بحسب مدير قسم العلاقات بمكافحة المخدرات "في وسط وجنوب العراق. أما المناطق الغربية والشمالية فتنتشر حبوب الكبتاغون فيها، ولها مفعول مشابه للكريستال إلا أن طريقة تعاطيها مختلفة".

ويكفي الكيلو غرام الواحد من الكريستال "في المتوسط لنحو 2500 شخص حيث يتم تقطيعه إلى غرامات ويصل سعره النهائي إلى ما بين 80 و90 مليون دينار للكيلو (نحو 60 ألف دولار أميركي)".

ولا يحتاج الشخص لإدمان الكريستال سوى إلى جرعة واحدة فقط، بحسب الطبيب النفسي أرجان طوقاتلي.

 

العراق.. من مَعبَر إلى مستهلك ثم منتج!

 

"قبل العام 2003 كان العراق معبراً لتجارة المخدرات وما يزال كذلك حتى الآن"، يقول العقيد بلال لـ"ارفع صوتك"، لكن البلد "خلال العقد الماضي بدأ بالتحول إلى مستهلك وبدأت العصابات المُنظمة تنشر المخدرات بين أوساط الشباب". وبسبب هذا الانتشار، "تم إقرار قانون رقم 50 لسنة 2017 والذي تأسست بموجبه مديرية مكافحة المخدرات و بدأت بعملها عام 2019".

لكن هذه المديرية، يقول بلال، "تفتقد حتى الآن إلى الأجهزة المتخصصة والكوادر البشرية الكافية لمكافحة الظاهرة وتعتمد على الجهد الاستخباري في عملها".

أما أهم أسباب انتشار المخدرات، فتعود إلى "عصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي تمكنت من نشر المخدرات في جميع محافظات العراق بلا استثناء، بفضل انفتاح الحدود والارهاب وانتشار البطالة وقلة التوعية"، حيث أشَرنا في المديرية إن أغلب المتهمين "لم يكن لديهم عِلم في البداية أنهم كانوا يتناولون مواد مخدرة" يقول العقيد بلال.

ويضيف أن هذه العصابات المنظمة "تستهدف المناطق الفقيرة والشباب الكسبة" الهدف من ذلك "تحويلهم أولا إلى مدمنين عبر منحهم المواد المخدرة مجاناً بعلمهم أحيانا وفي أوقات أخرى يتم دس المواد لهم أو إيهامهم إنها لأغراض أُخرى"، وحين تتأكد العصابة من إدمان الشخص "تبدأ عملية بيع المواد المخدرة لهم ثم تجنيدهم كمروجين مقابل جرعات مجانية".

 

انتحار وجرائم قتل

 

أكثر حالات القتل العائلية الوحشية التي شهدها المجتمع العراقي في السنوات القليلة الماضية، كان أهم أسبابها الإدمان على الكريستال. تنوعت هذه الجرائم بين القتل والانتحار و"زنا المحارم".

يعود السبب في حالات القتل تلك إلى "الهلاوس التي تحصل للمدمن ما إن يبدأ بالتعاطي" إحدى هذه الحالات كانت "قتل متعاط لزوجته أمام أبنائه الصغار، ثم دفنها في حديقة المنزل وحين انتهاء تأثير الجرعة، كان غير مدرك لجريمته ولا يعي أنه قتل زوجته"، يقول العقيد بلال.

لكن العراق لم يعد معبراً ومستهلكا للكريستال فحسب، فقد أعلنت السلطة القضائية من خلال بيان على موقعها الإلكتروني عام 2016 عن رصدها  وجود أوراش أو معامل صغيرة للإنتاج. وفي العام ذاته أيضا، جرى تفكيك معمل لإنتاج الكريستال في محافظة البصرة يعمل فيه أربعة أشخاص منهم اثنان من جنسية أجنبية لم يُعلن عنها.

ويعتقد الطبيب النفسي أرجان طوقاتلي أنه من غير المستبعد "تصنيع الكريستال في العراق" مشيرا إلى وجود "محاولات بدائية في محافظة البصرة". أما سبب اعتقاده بإمكانية تصنيع الكريستال محلياً، فيعود "إلى طبيعة المادة نفسها فهي من الصناعات التحويلية، حيث يتم فصل المواد الموجودة أصلا في مواد وعقاقير وبشكل خاص عقاقير علاج أمراض الحساسية".

 

كيف يستحوذ الكريستال على الجسم؟

 

بحسب الطبيب النفسي، فإن متعاطي الكريستال يمكن أن يصل إلى الإدمان "من أول جرعة". يعتمد الأمر على "الشخص نفسه وتقبله الجسدي لنوع المخدرات سواء كانت تثبيطية مثل الكوكايين، أو منشطة مثل الكريستال الذي يؤدي إلى زيادة الطاقة"، فلا يشعر المتعاطي "بحاجة للنوم أو الأكل ويعتقد أن لديه عزيمة لا يمكن أن تقهر".

لكن الإشكال الحقيقي "يبدأ عندما يتعود الجسم على نمط معين من التناول اليومي للجرعات في ساعة معينة"، فجسم الإنسان لديه "وسائل دفاعية يهيئ على أساسها مواد معاكسة لتأثير الكريستال للحفاظ على التوازن مثل تقليل دقات القلب والضغط". هدف الجسم من ذلك "الوصول إلى حالة من التوازن في موعد تناول الجرعة في الساعة المحددة"، وهي مشابهة لأعراض "الانسحاب مثل النعاس وفراغ الجسم من الطاقة والمزاج المتعكر".

ويبدأ تدخين الكريستال في العادة بكمية غرام واحد فقط، لكن بعد فترة من التعاطي تصبح الجرعة غير كافية ولا تحقق النشوة التي تحققت في الجرعة الأولى، عندها يبدأ المتعاطي بزيادة الجرعة وصولاً إلى عشرة غرامات هي الحد الأعلى للجرعة الواحدة.

ويعاني متعاطي الكريستال من أعراض واضحة مثل "فقدان الوزن السريع، وحالة ذهان قد تصل الى الجنون، إضافة إلى تسوس وسقوط الأسنان". ويمكن أن يؤدي الأمر "إلى مشكلة تغذية طويلة الأمد، وإذا كان الشخص متشردا مثلا يمكن أن تصل الحالة إلى الوفاة" يقول الطبيب النفسي.

أما الإقلاع عن تناول الكريستال، "فيعتمد على الأسباب التي أدت إلى الإدمان نفسه"، فإذا كان المتعاطي "يعاني من مشاكل عائلية أو اقتصادية، فإنه على الأغلب إذا لم تنته تلك المشكلات فسوف يعود إلى التعاطي مرة أخرى. وهنا تكون العلاقة مع المحفز نفسية".

 

الوقوع في الفخ

 

سقط أحمد محسن (اسم مستعار) في فخ الإدمان بعد استهدافه من قبل عصابة مُنظمة، كما يقول، كونه ينتمي لعائلة ثرية ومعروفة، وكان مسؤولاً عن مخازن والده التجارية. يقول لـ"ارفع صوتك": "أرسلوا أحد عناصرهم وأوهمني إنه صديق حقيقي ثم عرفني إلى باقي أفراد العصابة دون أي علم مني بنواياهم".

لفترة من الزمن كانت اللقاءات "بريئة وعادية"، وبدأت المجموعة "بالخروج للنزهة أو السهر في المطاعم وغيرها "وخلال تلك الفترة "عرضوا عليَ الكريستال مجاناً ودون أي ضغط منهم وتناولته لمجاراتهم". في البداية كان كل شيء يتم "دون أي مقابل مادي". لاحقاً، بدأت العصابة بابتزازه للحصول على الأموال، وخلال أشهر قليلة وصل المبلغ إلى 100 دولار، كما يقول.

وحين اكتشف الأب غياب الأموال من المخازن "طردني من البيت، فبدأت باللجوء إلى الأصدقاء والأقارب دون علم عائلتي وطلب الأموال بحجة حاجة العمل لها بالاعتماد على سمعة العائلة". وعندما لم يتمكن من التسديد توجه الدائنون نحو والده "لتبدأ سلسلة من القضايا العشائرية والقضائية تسببت بفضيحة كبيرة للعائلة" يقول أحمد.

ويضيف أحمد أن والده تعامل معه "بقسوة بالغة" قبل أن يقتاده إلى "عيادة خاصة للطب النفسي". أنهى أحمد علاجه وعاد إلى وضعه الطبيعي منذ عدة أشهر، لكنه يقول لـ"ارفع صوتك" إن التجربة "لم تؤثر بي فحسب، فالعائلة بأكملها تدمرت.

كانت لنور صباح (اسم مستعار) طالب الدكتوراه تجربة وحيدة مريرة مع الكريستال. يقول لـ"ارفع صوتك" إنه تعاطى الكريستال "قبل يومين من مناقشة رسالة الماجستير، وكان ذلك بسبب ضغط الوقت وحاجتي إلى المزيد من النشاط والتركيز". كان الحل موجوداً لدى أحد الأصدقاء الذي عرض الكريستال "تحت بند منشط للجسم، وفعلاً بقيت مستيقظاً لثلاثة أيام متتالية أنهيت خلالها الكثير من العمل".

وبعد تلك الأيام الثلاثة، "ظهرت أعراض انسحابية مؤلمة، وانهيار كامل للطاقة مع نعاس شديد ونوم لساعات طويلة أضعاف حاجة الإنسان الطبيعي". ومنذ ذلك اليوم، "وأنا أنبه الجميع من تعاطي مثل هذه المواد تحت أي بند أو حجة لأن إدمانه لا يحتاج سوى جرعة واحدة فقط".

ويقول الشاب مصطفى نوري (اسم مستعار) والذي يسكن شرق القناة، المنطقة الأقل حظاً في جهة الرصافة ببغداد، لـ"ارفع صوتك" إن الحصول على المخدرات وخصوصا الكريستال لا يعتبر أمراً صعباً فلا يكاد زقاق في شرق القناة يخلوا من تاجر رئيسي لا يتعاطى العقاقير في الغالب، ومجموعة من المروجين المدمنين الذي يتولون عملية البيع للمتعاطين.

 

السجون ومراكز الإقلاع

 

يفتقر العراق إلى "أرقام واحصاءات حقيقية لعدد التجار والمتعاطين والمروجين في العراق، كما لا يتوفر لمن يرغب بالإقلاع عن الإدمان مراكز إدمان حقيقية قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من المدمنين" يقول الطبيب النفسي طوقاتلي.

ويضيف أنه "حتى المراكز القليلة التي نمتلكها في العاصمة وبعض المحافظات غير متخصصة وليس فيها كادر متكامل"، فالعناية بالمرضى تحتاج "مراكز مجهزة بأسرة ومتخصصين"، فأعراض انسحاب المواد المخدرة وخصوصاً الكريستال "يمكن أن تصل  إلى حالات صرع وفقدان سوائل وجفاف". لذلك يتطلب مركز العلاج "توفير ردهة طوارئ واختصاصات عصبية وباطنية وهذا غير متوفر في العراق بشكل متكامل".

وكما لا تتوفر أسرة كافية لعلاج المدمنين في وزارة الصحة، يقول مدير إعلام مديرية مكافحة المخدرات لـ"ارفع صوتك" أيضا إنه "لا تتوفر مراكز وسجون كافية لأعداد المتورطين في تجارة وتعاطي المخدرات الذين يتم القبض عليهم، وتصل أعدادهم إلى الآلاف سنوياً".

يتعامل القضاء العراقي مع تجار ومروجي المخدرات استناداً الى فقرات القانون رقم 50 لسنة 2017، والمرقمة 28 و29 وبدلالة مواد الاشتراك 47 و48 و49 من قانون العقوبات، وتصل فيها الأحكام إلى الإعدام والحبس المؤبد.

تبقى فرصة أخيرة منحها القانون للمتعاطي الذي يقوم بتسليم نفسه إلى السلطات "دون أن يتم إقامة دعوى جزائية ضده، وتقديم الدعم لهم لتلقي العلاج" من خلال المادة التي تحمل الرقم 40 من قانون مكافحة المخدرات. لكن، في حال إلقاء القبض على المتعاطي يتم التعامل معه بموجب المادة 23 التي تنص على أن "يعاقب بالحبس لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات مع فرض غرامة لا تزيد عن عشرة ملايين دينار".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

ناقلات نفط تسير في قافلة على طول الطريق السريع بالقرب من مصفاة الدورة للنفط جنوبي بغداد في 2 نوفمبر 2008.
يشمل القرار أيضا تقليص الاستهلاك المحلي للنفط

كشفت وزارة النفط العراقية، الخميس، أنها قامت بتخفيض صادرات البلاد النفطية إلى 3.3 مليون برميل يومياً، بدءاً من 27 أغسطس عام 2024. 

وكشف بيانٌ للوزارة، أن القرار جاء في إطار التزام العراق بقرارات مجموعة "أوبك بلس"، "وتماشياً مع ما تم الاتفاق عليه خلال زيارة الأمين العام لمنظمة أوبك الأخيرة إلى بغداد". 

ويشمل القرار أيضا تقليص الاستهلاك المحلي للنفط.

وفي خطوة إضافية، وافق العراق على تمديد تخفيض الإنتاج الإضافي البالغ 2.2 مليون برميل يومياً حتى نهاية نوفمبر 2024، بالتعاون مع الدول السبع الأخرى الأعضاء في مجموعة أوبك بلس.  

ووفقاً للاتفاق، ستبدأ العودة التدريجية للإنتاج من 1 ديسمبر 2024، وستستمر حتى نوفمبر 2025، مع إمكانية تعديل هذه التعديلات حسب الضرورة.

يهدف هذا الإجراء إلى تحقيق التوازن والاستقرار في سوق النفط العالمية.