يمنح الكريستال متعاطيه جرعة عالية من النشاط الفكري والجنسي، ويمكنه من البقاء متيقظا لعدة أيام في أول جرعاته.
يمنح الكريستال متعاطيه جرعة عالية من النشاط الفكري والجنسي، ويمكنه من البقاء متيقظا لعدة أيام في أول جرعاته.

يمنح الكريستال متعاطيه جرعة عالية من النشاط الفكري والجنسي، ويمكنه من البقاء مستيقظا لعدة أيام في أول جرعاته. هذا هو سر الانتشار السريع لهذا النوع من العقاقير بين الشباب في العراق. هذه "الميزات" التي تجذب الشباب لاستهلاكه هي ذاتها التي تؤدي بعدد منهم إلى الهلوسة وارتكاب جرائم خطيرة مثل زنا المحارم والقتل والانتحار.

مع ذلك، لا توجد احصائيات دقيقة لعدد متعاطي الكريستال في العراق. فالمخدرات "قاتل صامت غزا المجتمع العراقي دون أن ينتبه له أحد"، كما يقول العقيد بلال صبحي جبر مدير قسم العلاقات والإعلام في المديرية العامة لمكافحة المخدرات.

الأرقام التي كشف عنها العقيد لـ"ارفع صوتك" لعدد المقبوض عليهم من تجار ومتعاطي المخدرات منذ تأسيس المديرية عام 2019 حتى اليوم بدت صادمة. فخلال العشرة أشهر الأولى من العام الحالي فقط، "تم إلقاء القبض على 13.6 ألف متهم بين تاجر وموزع ومتعاط، منهم 350 حدثاً و190 امرأة"، كما تم "ضبط 360 كيلوغراماً من المواد المخدرة  و14.5  مليون حبة مخدرة".

مدمنون عراقيون يختارون العلاج

ناجون من الإدمان يتحدثون في لقاءات خاصة مع ارفع صوتك عن تجاربهم في اختيار حياة بلا مخدرات

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Saturday, November 19, 2022

وتوضح إحصاءات المديرية أن عدد من تم إلقاء القبض عليهم زاد إلى أكثر من الضعف خلال ثلاثة أعوام فقط. ففي العام 2019 تم إلقاء القبض على 6074 تاجرا ومتعاطيا، ليرتفع العدد عام 2020 إلى 7514، ثم إلى 12.8 ألف موقوف عام 2021 مع ضبط نحو نصف طن من المواد المخدرة.

هذه الزيادات الكبيرة، كما يقول العقيد بلال، "مؤشر خطير على حجم انتشار المواد المخدرة في العراق" التي تنقسم في تهريبها إلى "الكريستال والحشيشة، التي تأتي أغلبها من الحدود عبر محافظتي البصرة وميسان"، فيما تأتي "أغلب حبوب الكبتاغون والمؤثرات العقلية من الحدود الغربية".

وكان مجلس القضاء أصدر بياناً أواسط العام الماضي، نقل فيه عن قاضي محكمة تحقيق المسيب في بابل (وسط العراق) نبيل الطائي قوله إن "نسبة الإدمان قد تصل إلى 50 بالمئة بين الشباب، لكن هذا الأمر غير مكتشف بشكل رسمي".

 

ما هو الكريستال؟

 

يُعتبر الكريستال من المواد المنشطة، وهو من عائلة الأمفيتامين المادة الأساسية لتصنيع حبوب الكبتاغون والميثامفيتامين الذي يُطلق عليه شعبيا اسم "الكريستال" كونه يشبه في الشكل حبيبات الكريستال أو قطع الزجاج المكسورة.

ويؤدي تناول الكريستال إلى ارتفاع سريع في مستويات الدوبامين بشكل خاص، وهي مادة كيمياوية يفرزها الدماغ تؤثر على التركيز والتعلم. ويؤدي نقصها إلى الإصابة بأمراض عديدة مثل الباركنسون والاكتئاب. في حال استُخدم بجرعات قليلة جداً، فإن من شأنه زيادة اليقظة والتركيز والتغلب على الإرهاق والمساعدة في إنقاص الوزن لمن يعانون من السُمنة. أما الجرعات العالية منه فتسبب الهلوسة والنشوة والميل إلى العنف وارتكاب الجرائم.

هناك عدة طرق لتعاطي الكريستال، أكثرها شيوعاً تتم عبر أنبوب زجاجي شفاف منتفخ من الأسفل يسمى "البايب" يتم وضع الكريستال عبر الأنبوب لتستقر في الجزء المنتفخ منه. ويتم إسالة الحبيبات عبر تسليط نار مستمرة من قداحة على الجزء السفلي من الانبوب، بهدف تسييل الكريستال ليصبح قابلا للتبخر ومن ثم استنشاق البخار عبر الأنبوب.

وينتشر الكريستال بحسب مدير قسم العلاقات بمكافحة المخدرات "في وسط وجنوب العراق. أما المناطق الغربية والشمالية فتنتشر حبوب الكبتاغون فيها، ولها مفعول مشابه للكريستال إلا أن طريقة تعاطيها مختلفة".

ويكفي الكيلو غرام الواحد من الكريستال "في المتوسط لنحو 2500 شخص حيث يتم تقطيعه إلى غرامات ويصل سعره النهائي إلى ما بين 80 و90 مليون دينار للكيلو (نحو 60 ألف دولار أميركي)".

ولا يحتاج الشخص لإدمان الكريستال سوى إلى جرعة واحدة فقط، بحسب الطبيب النفسي أرجان طوقاتلي.

 

العراق.. من مَعبَر إلى مستهلك ثم منتج!

 

"قبل العام 2003 كان العراق معبراً لتجارة المخدرات وما يزال كذلك حتى الآن"، يقول العقيد بلال لـ"ارفع صوتك"، لكن البلد "خلال العقد الماضي بدأ بالتحول إلى مستهلك وبدأت العصابات المُنظمة تنشر المخدرات بين أوساط الشباب". وبسبب هذا الانتشار، "تم إقرار قانون رقم 50 لسنة 2017 والذي تأسست بموجبه مديرية مكافحة المخدرات و بدأت بعملها عام 2019".

لكن هذه المديرية، يقول بلال، "تفتقد حتى الآن إلى الأجهزة المتخصصة والكوادر البشرية الكافية لمكافحة الظاهرة وتعتمد على الجهد الاستخباري في عملها".

أما أهم أسباب انتشار المخدرات، فتعود إلى "عصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي تمكنت من نشر المخدرات في جميع محافظات العراق بلا استثناء، بفضل انفتاح الحدود والارهاب وانتشار البطالة وقلة التوعية"، حيث أشَرنا في المديرية إن أغلب المتهمين "لم يكن لديهم عِلم في البداية أنهم كانوا يتناولون مواد مخدرة" يقول العقيد بلال.

ويضيف أن هذه العصابات المنظمة "تستهدف المناطق الفقيرة والشباب الكسبة" الهدف من ذلك "تحويلهم أولا إلى مدمنين عبر منحهم المواد المخدرة مجاناً بعلمهم أحيانا وفي أوقات أخرى يتم دس المواد لهم أو إيهامهم إنها لأغراض أُخرى"، وحين تتأكد العصابة من إدمان الشخص "تبدأ عملية بيع المواد المخدرة لهم ثم تجنيدهم كمروجين مقابل جرعات مجانية".

 

انتحار وجرائم قتل

 

أكثر حالات القتل العائلية الوحشية التي شهدها المجتمع العراقي في السنوات القليلة الماضية، كان أهم أسبابها الإدمان على الكريستال. تنوعت هذه الجرائم بين القتل والانتحار و"زنا المحارم".

يعود السبب في حالات القتل تلك إلى "الهلاوس التي تحصل للمدمن ما إن يبدأ بالتعاطي" إحدى هذه الحالات كانت "قتل متعاط لزوجته أمام أبنائه الصغار، ثم دفنها في حديقة المنزل وحين انتهاء تأثير الجرعة، كان غير مدرك لجريمته ولا يعي أنه قتل زوجته"، يقول العقيد بلال.

لكن العراق لم يعد معبراً ومستهلكا للكريستال فحسب، فقد أعلنت السلطة القضائية من خلال بيان على موقعها الإلكتروني عام 2016 عن رصدها  وجود أوراش أو معامل صغيرة للإنتاج. وفي العام ذاته أيضا، جرى تفكيك معمل لإنتاج الكريستال في محافظة البصرة يعمل فيه أربعة أشخاص منهم اثنان من جنسية أجنبية لم يُعلن عنها.

ويعتقد الطبيب النفسي أرجان طوقاتلي أنه من غير المستبعد "تصنيع الكريستال في العراق" مشيرا إلى وجود "محاولات بدائية في محافظة البصرة". أما سبب اعتقاده بإمكانية تصنيع الكريستال محلياً، فيعود "إلى طبيعة المادة نفسها فهي من الصناعات التحويلية، حيث يتم فصل المواد الموجودة أصلا في مواد وعقاقير وبشكل خاص عقاقير علاج أمراض الحساسية".

 

كيف يستحوذ الكريستال على الجسم؟

 

بحسب الطبيب النفسي، فإن متعاطي الكريستال يمكن أن يصل إلى الإدمان "من أول جرعة". يعتمد الأمر على "الشخص نفسه وتقبله الجسدي لنوع المخدرات سواء كانت تثبيطية مثل الكوكايين، أو منشطة مثل الكريستال الذي يؤدي إلى زيادة الطاقة"، فلا يشعر المتعاطي "بحاجة للنوم أو الأكل ويعتقد أن لديه عزيمة لا يمكن أن تقهر".

لكن الإشكال الحقيقي "يبدأ عندما يتعود الجسم على نمط معين من التناول اليومي للجرعات في ساعة معينة"، فجسم الإنسان لديه "وسائل دفاعية يهيئ على أساسها مواد معاكسة لتأثير الكريستال للحفاظ على التوازن مثل تقليل دقات القلب والضغط". هدف الجسم من ذلك "الوصول إلى حالة من التوازن في موعد تناول الجرعة في الساعة المحددة"، وهي مشابهة لأعراض "الانسحاب مثل النعاس وفراغ الجسم من الطاقة والمزاج المتعكر".

ويبدأ تدخين الكريستال في العادة بكمية غرام واحد فقط، لكن بعد فترة من التعاطي تصبح الجرعة غير كافية ولا تحقق النشوة التي تحققت في الجرعة الأولى، عندها يبدأ المتعاطي بزيادة الجرعة وصولاً إلى عشرة غرامات هي الحد الأعلى للجرعة الواحدة.

ويعاني متعاطي الكريستال من أعراض واضحة مثل "فقدان الوزن السريع، وحالة ذهان قد تصل الى الجنون، إضافة إلى تسوس وسقوط الأسنان". ويمكن أن يؤدي الأمر "إلى مشكلة تغذية طويلة الأمد، وإذا كان الشخص متشردا مثلا يمكن أن تصل الحالة إلى الوفاة" يقول الطبيب النفسي.

أما الإقلاع عن تناول الكريستال، "فيعتمد على الأسباب التي أدت إلى الإدمان نفسه"، فإذا كان المتعاطي "يعاني من مشاكل عائلية أو اقتصادية، فإنه على الأغلب إذا لم تنته تلك المشكلات فسوف يعود إلى التعاطي مرة أخرى. وهنا تكون العلاقة مع المحفز نفسية".

 

الوقوع في الفخ

 

سقط أحمد محسن (اسم مستعار) في فخ الإدمان بعد استهدافه من قبل عصابة مُنظمة، كما يقول، كونه ينتمي لعائلة ثرية ومعروفة، وكان مسؤولاً عن مخازن والده التجارية. يقول لـ"ارفع صوتك": "أرسلوا أحد عناصرهم وأوهمني إنه صديق حقيقي ثم عرفني إلى باقي أفراد العصابة دون أي علم مني بنواياهم".

لفترة من الزمن كانت اللقاءات "بريئة وعادية"، وبدأت المجموعة "بالخروج للنزهة أو السهر في المطاعم وغيرها "وخلال تلك الفترة "عرضوا عليَ الكريستال مجاناً ودون أي ضغط منهم وتناولته لمجاراتهم". في البداية كان كل شيء يتم "دون أي مقابل مادي". لاحقاً، بدأت العصابة بابتزازه للحصول على الأموال، وخلال أشهر قليلة وصل المبلغ إلى 100 دولار، كما يقول.

وحين اكتشف الأب غياب الأموال من المخازن "طردني من البيت، فبدأت باللجوء إلى الأصدقاء والأقارب دون علم عائلتي وطلب الأموال بحجة حاجة العمل لها بالاعتماد على سمعة العائلة". وعندما لم يتمكن من التسديد توجه الدائنون نحو والده "لتبدأ سلسلة من القضايا العشائرية والقضائية تسببت بفضيحة كبيرة للعائلة" يقول أحمد.

ويضيف أحمد أن والده تعامل معه "بقسوة بالغة" قبل أن يقتاده إلى "عيادة خاصة للطب النفسي". أنهى أحمد علاجه وعاد إلى وضعه الطبيعي منذ عدة أشهر، لكنه يقول لـ"ارفع صوتك" إن التجربة "لم تؤثر بي فحسب، فالعائلة بأكملها تدمرت.

كانت لنور صباح (اسم مستعار) طالب الدكتوراه تجربة وحيدة مريرة مع الكريستال. يقول لـ"ارفع صوتك" إنه تعاطى الكريستال "قبل يومين من مناقشة رسالة الماجستير، وكان ذلك بسبب ضغط الوقت وحاجتي إلى المزيد من النشاط والتركيز". كان الحل موجوداً لدى أحد الأصدقاء الذي عرض الكريستال "تحت بند منشط للجسم، وفعلاً بقيت مستيقظاً لثلاثة أيام متتالية أنهيت خلالها الكثير من العمل".

وبعد تلك الأيام الثلاثة، "ظهرت أعراض انسحابية مؤلمة، وانهيار كامل للطاقة مع نعاس شديد ونوم لساعات طويلة أضعاف حاجة الإنسان الطبيعي". ومنذ ذلك اليوم، "وأنا أنبه الجميع من تعاطي مثل هذه المواد تحت أي بند أو حجة لأن إدمانه لا يحتاج سوى جرعة واحدة فقط".

ويقول الشاب مصطفى نوري (اسم مستعار) والذي يسكن شرق القناة، المنطقة الأقل حظاً في جهة الرصافة ببغداد، لـ"ارفع صوتك" إن الحصول على المخدرات وخصوصا الكريستال لا يعتبر أمراً صعباً فلا يكاد زقاق في شرق القناة يخلوا من تاجر رئيسي لا يتعاطى العقاقير في الغالب، ومجموعة من المروجين المدمنين الذي يتولون عملية البيع للمتعاطين.

 

السجون ومراكز الإقلاع

 

يفتقر العراق إلى "أرقام واحصاءات حقيقية لعدد التجار والمتعاطين والمروجين في العراق، كما لا يتوفر لمن يرغب بالإقلاع عن الإدمان مراكز إدمان حقيقية قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من المدمنين" يقول الطبيب النفسي طوقاتلي.

ويضيف أنه "حتى المراكز القليلة التي نمتلكها في العاصمة وبعض المحافظات غير متخصصة وليس فيها كادر متكامل"، فالعناية بالمرضى تحتاج "مراكز مجهزة بأسرة ومتخصصين"، فأعراض انسحاب المواد المخدرة وخصوصاً الكريستال "يمكن أن تصل  إلى حالات صرع وفقدان سوائل وجفاف". لذلك يتطلب مركز العلاج "توفير ردهة طوارئ واختصاصات عصبية وباطنية وهذا غير متوفر في العراق بشكل متكامل".

وكما لا تتوفر أسرة كافية لعلاج المدمنين في وزارة الصحة، يقول مدير إعلام مديرية مكافحة المخدرات لـ"ارفع صوتك" أيضا إنه "لا تتوفر مراكز وسجون كافية لأعداد المتورطين في تجارة وتعاطي المخدرات الذين يتم القبض عليهم، وتصل أعدادهم إلى الآلاف سنوياً".

يتعامل القضاء العراقي مع تجار ومروجي المخدرات استناداً الى فقرات القانون رقم 50 لسنة 2017، والمرقمة 28 و29 وبدلالة مواد الاشتراك 47 و48 و49 من قانون العقوبات، وتصل فيها الأحكام إلى الإعدام والحبس المؤبد.

تبقى فرصة أخيرة منحها القانون للمتعاطي الذي يقوم بتسليم نفسه إلى السلطات "دون أن يتم إقامة دعوى جزائية ضده، وتقديم الدعم لهم لتلقي العلاج" من خلال المادة التي تحمل الرقم 40 من قانون مكافحة المخدرات. لكن، في حال إلقاء القبض على المتعاطي يتم التعامل معه بموجب المادة 23 التي تنص على أن "يعاقب بالحبس لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات مع فرض غرامة لا تزيد عن عشرة ملايين دينار".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.