دعت فرنسا وأطراف إقليميون في القمة التي اختتمت أعمالها في الأردن، الثلاثاء، العراق إلى الابتعاد عن المحور الإيراني من أجل حل أزماته المتعددة، بينما يرى يشكك خبراء تحدث معهم موقع الحرة في جدوى هذه الدعوات ويتحدثون عن "شروط" لإنجاحها.
وعقد مؤتمر "بغداد 2"، الثلاثاء، في مركز الملك حسين بن طلال للمؤتمرات على ساحل البحر الميت والتي تقع على بعد 50 كيلومترا غرب العاصمة الأردنية عمان بعد دورة أولى أقيمت في العاصمة العراقية بأغسطس 2021 بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعراق.
وكان الاجتماع متابعة لتجمع في بغداد العام الماضي يهدف إلى إظهار الدعم للعراق الذي تعصف به الأزمات من مسلحي "داعش" وتغير المناخ والفساد وعدم الاستقرار منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003.
وفي المؤتمر، قال رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني إن العراق يرفض التدخل في شؤونه الداخلية أو النيل من سيادته أو الاعتداء على أراضيه، مضيفا أنه "يرفض في الوقت نفسه أي تهديد ينطلق من أراضيه على أي من دول الجوار أو المنطقة".
ونص بيان ختامي على أن المشاركين استعرضوا تداعيات الأزمات الدولية على العراق والمنطقة، وقالوا إن التغلب عليها يتطلب تعاونا إقليميا دون تحديد إجراءات بعينها، وفقا لـ"رويترز".
وأكد المشاركون في بيانهم الختامي أنهم سيواصلون "التعاون مع العراق لدعم استقراره وسيادته والعملية الديمقراطية في هذا البلد" الذي خرج من أزمة سياسية استمرت أكثر من عام، حسب "فرانس برس".
وأعرب المشاركون عن دعمهم "لجهود العراق في تكريس الحوار كوسيلة لحل الأزمات الإقليمية".
وفي كلمته خلال المؤتمر، دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، العراق إلى اتباع مسار آخر بعيد "عن نموذج يملى من الخارج"، في إشارة الى إيران التي تتمتع بنفوذ كبير في هذا البلد، حسب "فرانس برس".
وقال ماكرون "أريد أن أؤكد لكم تمسك فرنسا عبر تاريخها وعملها الدبلوماسي (...) باستقرار المنطقة"، داعيا الى اتباع "مسار بعيد عن أشكال الهيمنة والإمبريالية، وعن نموذج يُملى من الخارج".
وأضاف أن "العراق اليوم مسرح لتأثيرات وتوغلات وزعزعة ترتبط بالمنطقة بأسرها" بدون ذكر إيران التي يحضر وزير خارجيتها المؤتمر.
هيمنة إيرانية؟
مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل حسين، يرى أن الدعوة جاءت "منطقية ومشروعة لتحرير العراق من الهيمنة الإيرانية بعد احتكار طهران للسوق الاقتصادي والتجاري والتحكم بمصادر الطاقة وتهميش الصناعة والزراعة والخدمات واستخدام المليشيات لتحقيق أهدافها".
وتأتي الدعوة "لحث العراق على الابتعاد عن محور الحروب الإيرانية المرتبطة بإحكام الهيمنة الأيديولوجية والعسكرية على سوريا ولبنان واليمن،" وفقا لحديث حسين.
وتشارك طهران عسكريا في سوريا حيث تدعم نظام الرئيس، بشار الأسد، وتساند المتمردين الحوثيين في اليمن وتتمتع بنفوذ في لبنان الغارق في أزمة سياسية من خلال حزب الله، وفقا لـ"فرانس برس".
من جانبه يشير المحلل السياسي العراقي، عمر الناصر، إلى أن العراق بحاجة إلى الابتعاد عن "سياسة المحاور" وعدم الاصطفاف لجانب أي دولة على حساب أخرى.
وفي حديثه لموقع "الحرة"، يؤكد أن العراق بحاجة لأن تكون لديه سياسة خارجية قوية بمساعدة جميع "الدول الإقليمية وبدعم دولي من الأمم المتحدة والجامعة العربية لتمكين السيادة العراقية ومنع الخروقات والاعتداءات المتكررة والانفتاح على العالم وإعادة التوازن للبلاد".
ولدى بغداد القدرة على "لعب دور الوسيط الإقليمي، لتذويب الجليد والخلافات بين السعودية وإيران، لتكون العلاقات الدولية بمنطقة الشرق الأوسط قائمة على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وحسن الجوار"، وفقا لحديث الناصر.
وتساند كل من السعودية وإيران أطرافا متقابلة في صراعات بأنحاء المنطقة من بينها في سوريا واليمن، واستضاف العراق خمسة اجتماعات بين مسؤولين سعوديين وإيرانيين منذ العام الماضي في محاولة لتهدئة التوترات، وفقا لـ"رويترز".
وبدأ الخصمان الإقليميان عقد حوار في بغداد اعتبارا من أبريل 2021، سعيا لتحسين العلاقات المقطوعة بينهما منذ مطلع 2016، لكن الحوار دخل في حال من المراوحة في الأشهر الماضية، وأجريت آخر جولة معلنة منه في أبريل 2022، حسب "فرانس برس".
ويقول الناصر إن "العراق لا يتحمل تبعات الخلافات المتجذرة بين الدول وهو ليس طرفا فيها"، على حد قوله.
الخروج من قبضة إيران؟
يشكل المؤتمر اختبارا لرئيس الوزراء العراقي الجديد، محمد شياع السوداني، الذي جاء تعيينه بعد جمود سياسي أستمر لأكثر من عام ويُعتبر أقرب إلى إيران من سلفه مصطفى الكاظمي، وفقا لـ"فرانس برس".
ويتجلى النفوذ الإيراني خصوصاً في الروابط الوثيقة التي تجمع طهران مع الحشد الشعبي تحالف فصائل شيعية مسلحة ضمّت إلى القوات الرسمية بعد الحرب ضد تنظيم "داعش" وبات لها الآن دور سياسي أساسي، حسب المصدر نفسه.
ومع سيطرة الأحزاب الموالية لإيران على البرلمان في العراق وقيام حكومة من هذه الأغلبية، فإن إيران التي زارها السوداني في نهاية نوفمبر، تعزز قبضتها على هذا البلد.
ويملك تحالف الإطار التنسيقي الذي يمثل تلك القوى، 138 نائبا في البرلمان العراقي من أصل 329، ليكون بذلك أكبر قوة فيه، ويضم التحالف العديد من الفصائل الموالية لإيران، وكذلك كتلة نوري المالكي.
وبعد الغزو الأميركي الذي أطاح بنظام صدام حسين في 2003، نما النفوذ الإيراني في العراق بشكل تدريجي، لا سيما بفضل الروابط مع القيادات الشيعية التي تدير الآن الحياة السياسية العراقية، حسب "فرانس برس".
ويرى حسين أن السياسات الإيرانية منذ عام 2003 أدت للهيمنة على العراق من خلال "عسكرة المجتمع العراقي عن طريق الحرس الثوري وفيلق القدس".
لكن عمر الناصر يعتبر أن "لجميع الدول كإيران والسعودية وتركيا وبقية دول المنطقة مصالح ومشاريع في العراق".
ويشير إلى أنه "ينبغي أن تكون لدى إيران أيضا الأولوية في تحقيق مشروعها بالاستقرار السياسي كخطوة لتحقيق الازدهار الاقتصادي".
ويقول إن "التحالفات الاقتصادية مع دول المنطقة أهم من التحالفات السياسية".
هل تنجح الدعوة؟
يتحدث الناصر عن "شروط لإنجاح الدعوة"، ويقول "إذا تضافرت الجهود وكانت هناك نوايا صادقة وجادة لدعم العراق بصورة مطلقة، والالتزام بالعهود والمواثيق التي تقطع له سيكون هناك تحول حقيقي، وبذلك يمكن تحقيق أهداف المؤتمر".
من جانبه يشير حسين إلى "ضرورة إنجاح الدعوة لتحرير العراق من النفوذ والهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الإيرانية".
وفي العراق البالغ عدد سكانه 42 مليون نسمة والغني بالنفط، أربعة من كل عشرة شباب عاطلون عن العمل، ويقبع ثلث السكان في الفقر، وفق الأمم المتحدة.
وينخر الفساد كافة مؤسسات الدولة والإدارات العامة في العراق، ورغم صدور إدانات قضائية إلا أنها نادرا ما تستهدف مسؤولين كبارا.
وفي كلمتها أمام مجلس الأمن في أكتوبر، قالت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جنين بلاسخارت، إنه "في حين أن العراق ليس بأي حال من الأحوال بلدا فقيرا، فإن المصالح الخاصة والحزبية تتآمر لتحويل الموارد بعيدا عن الاستثمار المهم في التنمية الوطنية".
وأضافت أن "النظام السياسي ومنظومة الحكم في العراق يتجاهلان احتياجات الشعب العراقي، أو حتى أسوأ من ذلك، يعملان بنشاط ضدها"، معتبرة أن "الفساد المستشري يمثل سببا جذريا رئيسا للاختلال الوظيفي في العراق. وبصراحة، لا يمكن لأي زعيم أن يدعي أنه محمي منه"، وفقا لـ"فرانس برس".
