صورة أرشيفية لجندي عراقي- تعبيرية
صورة أرشيفية لجندي عراقي- تعبيرية

وسط تحديات كبيرة تهدد العراق على المستويين السيادي والداخل الأمني، تمر الذكرى الثانية بعد المئة لتأسيس الجيش العراقي، الذي كان حاضراً على مر السنين في صناعة  وكتابة الكثير من الأحداث المهمة والمنعطفات المفصلية، التي أسهمت لاحقاً في توجيه البوصلة المؤسساتية وطبيعة القوى الحاكمة.

ويأتي الجيش العراقي بوصفه أحد أقدم القوات العسكرية الضاربة بين دول المنطقة، فضلاً عن تمتعه خلال العقد الثمانيني بقدرات تسليحية وتدريبية عالية جعلته مصنفاً بين طليعة الجيوش العالمية.

وخلال قرن من الزمان، مرّ الجيش بتغييرات كبيرة وجوهرية، تبعاً للتقلبات السياسية في البلاد، تمثلت بداياتها بالانقلابات العسكرية، ثم الحروب على المستويين الإقليمي والدولي، وقبل سنوات في الحرب على الإرهاب.

 

"عُرضة للتدخلات"

يقول المحلل الأمني رحيم الشمري، لـ"ارفع صوتك"، إن "طبيعة ومهام الجيش في عقيدته العسكرية الدفاع عن أرض البلاد وسمائها ومجابهة أي اعتداءات خارجية تهدد سيادة الدولة ومؤسساتها، لكنّ الجيش العراقي ورغم مسيرته العريقة، كان عُرضة للتدخلات السياسية والأهواء السلطوية".

ويستعيد تاريخ الجيش بقوله "يمكننا تتبّع طبيعة التسليح له خلال الحقب المختلفة، فمثلاً في فترة الحكم الملكي، كانت المؤسسة العسكرية تتبع في مسألة التجهيز بريطانيا العظمى، وانتقلت بعد عام 1958 إلى الدول الشرقية، وتنوعت بين الاثنين بعد سقوط نظام صدام حسين".

 

الصناعات الحربية

اعتمد العراق إبان الحرب مع إيران منشآت محلية لأغراض التصنيع العسكري، وتزويد الجيش بالذخائر والصواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى.

هذه المنشآت، تم تعطيلها بشكل قسري بعد غزو العراق للكويت، وبعد عام  2003 برزت محاولات عدة لإعادة تشغيلها، لكنها باءت بالفشل، لتتحوّل مع مرور الزمن إلى مبان مهجورة متهالكة.

وعقب اجتياح داعش لمدن العراق والكلفة التسليحية التي فرضتها الحرب على الإرهاب، بدأ العراق محاولاته لتفعيل صناعاته العسكرية بشكلٍ محدود؛ فتأسست شركة للصناعات الحربية في بغداد، التي صنّعت عدداً من صواريخ "اليقين" قصيرة المدى وقنابل طائرات "السوخوي".

وفي عام 2019، صادَق البرلمان العراقي على إعادة إنشاء هيئة الصناعات الحربية.

وحسب تصريحات محمد الدراجي رئيس هيئة الصناعات الحربية، في أغسطس 2022، فإن الهيئة باتت تمتلك مصانع قادرة على إنتاج المدافع والطائرات المسيرة بغرض المراقبة، وأيضاً خطاً انتاجياً من بندقية "الرافدين"، ومسدس "بابل".

 

تحديّات السيادة

يقول المحلل السياسي علي الكاتب، إن "قوة المؤسسة العسكرية تقع في نقاء قراراها المهني وابتعاد القرار السياسي والسلطوي عن توجيه مهامها واختيار قادتها ومسؤوليها".

ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن "الجيش العراقي كان عرضة لتلك التدخلات ولكن بمستويات متباينة على مر الفترات السابقة ولكلٍ ميولها ومزاجها، إلا أن أقساها كان ما بعد 2003، حين دخلت الطائفة والمحاصصة كجزء رئيس في منظومة تشكيل الدولة، ما أفضى إلى نتائج وخيمة وضعت العراق لقمة سائغة أمام تدخلات دول الجوار".

وكان العراق فشل في أكثر من مرة في تمرير قانون الخدمة الإلزامية بعد قرار حل الجيش العراقي من قبل الحاكم المدني في العراق ما بعد الغزو الأميركي في أبريل 2003.

ويعتمد الجيش العراقي في تغذية موارده البشرية من الجنود وبعض المراتب عبر آليات التطوع والتعاقد مع الخبراء العسكريين.

من جانبه، يقول رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية خالد العبيدي، لـ"ارفع صوتك"، إن "الحفاظ على السيادة عسكرياً لا يمكن أن يتحق دون وجود قدرة تسليحية على مستوى الدفاع الجوي والمضادات الأرضية، إضافة إلى بقية الصنوف الأخرى من قوات برية وبحرية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.