تظاهرات أمام البنك المركزي العراقي بسبب انخفاض الدينار
تظاهرات أمام البنك المركزي العراقي بسبب انخفاض الدينار

مع استمرار أزمة الدولار في العراق، وانخفاض سعر العملة المحلية، تظاهر مئات العراقيين، الأربعاء، أمام مقر البنك المركزي في بغداد مطالبين بتخفيض سعر الدولار، ويحمولونه مسؤولية ما آلت إليه الأمور.

ويتم تداول الدولار الأميركي بمستويات أسعار تصل إلى 1600 دينار، رغم أن البنك المركزي حدد سعره في نطاق 1460 دينار.

وتزامن تراجع قيمة العملة العراقية  مع فرض ضوابط جديدة على الحوالات، وحرمان بعض البنوك من المشاركة في مزادات بيع العملة.

وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك قد أقر ضوابط أكثر صرامة على المعاملات الدولية بالدولار للبنوك التجارية العراقية في نوفمبر.

وأشارت وكالة رويترز في تقرير، الأربعاء، إلى أن مجمل الخطوات التي اتخذت، والتي ترتبط بالدولار هدفها "وقف تهريب العملة الأجنبية إلى إيران".

كيف يتم تهريب الدولار من العراق؟

أزمة تهريب العملة الأجنبية تضر بالدينار العراقي

أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية في الجامعة العراقية، عبدالرحمن نجم المشهداني، يشرح في حديث لموقع "الحرة"، أساليب "تهريب العملة الأجنبية من العراق"، موضحا أن السيناريو الأكثر شيوعا يرتبط في "استيراد بضائع من إيران ودول مجاورة، بفواتير إما لصفقات سلع وهمية، أو بفواتير مزورة يتم تضخيم الأسعار فيها بمستويات كبيرة".

وأضاف أن بعض التجار والمستوردين يخفون أسماءهم من تعاملاتهم التجارية حتى لا تظهر ضمن قوائم "البنك المركزي، أو الضريبة والجمارك"، وبعضهم لا يمتلك شهادة مستورد تتيح له بالإصل إجراءات تبادلات تجارية.

وبين المشهداني أنه بعد الإجراءات التي فرضها المركزي بتتبع مصادر الحوالات سواء المستقبل أو المرسل، والتدقيق على "شحن البضائع ووصولها للعراق" دفعت التجار وناشطين في تهريب العملة بالجوء للسوق النقدي، بحيث يتم "تهريب دولار الكاش"، وهذا السيناريو الأكثر نشاطا خلال الأيام الحالية.

ويوضح المشهداني أن البعض يقوم بشراء "الدولار الكاش" من السوق العراقية، "ليتم نقلها عبر المنافذ الحدودية بحيث يتم تهريبها إلى دول مجاورة مثل إيران وتركيا وسوريا".

وتحتاج إيران إلى عملة الدولار من أجل استقرار اقتصادها المتدهور، الذي تضرر بشدة من العقوبات الأميركية المفروضة منذ 2018 بعد أن أعلن الرئيس الأميركي آنذاك، دونالد ترامب، الانسحاب من اتفاق طهران النووي مع القوى العالمية الست.

وفقدت العملة الإيرانية المضطربة حوالي 30 في المئة من قيمتها منذ الاحتجاجات التي عمت البلاد في أعقاب وفاة الإيرانية الكردية، مهسا أميني، (22 عاما) في 16 سبتمبر، مما زاد من عزلة البلاد.

وتستخدم المؤسسة الدينية الإيرانية منذ سنوات شركات صورية من العراق إلى تركيا للحصول على الدولارات التي تحتاجها للمعاملات الدولية ولتمويل وكلائها في أنحاء الشرق الأوسط.

عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، النائب جمال كوجر، أوضح أن عمليات تهريب العملة الأجنبية من العراق ليست محصورة بنقلها إلى إيران، إذ يتم تهريبها إلى "سوريا ولبنان وتركيا واليمن وبعض الدول الأوروبية أحيانا"، مؤكدا أنها تعتمد على التاجر الذي يقوم بعملية التهرب بحسب ولائه لـ"قوى إقليمية" تحركه من بعيد.

ويشرح كوجر في حديث لموقع "الحرة" آليات تهريب الدولار والتي تتم بثلاث طرق، الأولى عن طريق "الحوالات التي تتم عبر البنوك، والتي قد تكون مدعومة بفواتير مزورة وتكاليف مبالغ فيها لأسعار البضائع، ناهيك عن التلاعب في شهادات الإنتاج ومنشأ هذه البضائع".

أما الطريقة الثانية، تكون عبر ما وصفه بـ"الحوالات السوداء"، والتي تتم بطريقة مشابهة للطريقة الأولى، ولكن عملية التحويل تتم عبر محلات صرافة موجودة في عدة محافظات.

والطريقة الثالثة، بالتهريب النقدي المباشر، بحيث يتم نقل الأموال بشكل مباشر عن طريق المنافذ العراقية، مشيرا إلى أن بعض المنافذ الحدودية تسيطر عليها أحزاب وقوى سياسية تسمح بمرور سيارات خاصة قد تكون تحمل "نقودا" تتجاوز ما هو مسموح وفق الأنظمة العراقية، والتي تمنع حمل أكثر من 10 آلاف دولار مع الأشخاص عند المرور عبر الحدود، مشيرا إلى أن بعض المعلومات تكشف "أنه يتم نقل بعض الأموال النقدية بشكل مباشر عبر طائرات تهبط في بغداد، ومن ثم تغادر إلى دول مجاورة من دون تفتيشها".

تقديرات "تهريب الأموال"

حدد مجلس الوزراء العراقي الأول من يونيو 2023 موعداً لتفعيل نظام الدفع الإلكتروني

ويؤكد النائب كوجر "أنه لا توجد إحصاءات دقيقة لحجم الأموال التي يتم تهريبها من العراق"، مشيرا إلى وجود "حلقة مفقودة داخل المؤسسات الرسمية" التي عليها تتبع الحوالات.

وأضاف أن "البنك المركزي كان يستلم فواتير الاستيراد من دون تدقيقها، والمنفذ الحدودي يستلم البضائع من دون تدقيقها"، في حين أنه كان من الأجدى وجود شعبة خاصة في وزارة الداخلية لـ"فلترة هذه الفواتير، وفرز المزور منها".

بدوره يقدر أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية، المشهداني حجم تهريب عملة الدولار بـ"10 إلى 15 مليار دولار سنويا"، وذلك اعتمادا على قيمة حوالات مزادات بيع العملة والتي بلغت حوالي 45 مليار دولار في 2021، فيما يبلغ متوسط مستوردات العراق 35 مليار دولار.

وأعاد التذكير بما كشفت عنه الأرقام الرسمية، والتي تشير إلى أن العراق استورد "طماطم بنحو 4.25 مليار دولار وبطيخ بنحو 1.78 مليار دولار من إيران خلال العام الذي سبق جائحة كورونا".

ويؤكد المشهداني، أن هذه الكميات المستوردة لا تكفي احتياجات العراق فقط من الطماطم والبطيخ، إنما تكفي "قارة بأكملها"، وهو ما يعد مؤشرا على أن الأرقام غير حقيقية، والتي قد تكون "نافذة لتهريب الأموال من العراق إلى إيران".

وكان برنامج "الحرة تتحرى" الذي تبثه قناة الحرة قد أجرى تحقيقا استقصائيا عن تجارة "الطماطم والبطيخ" بين العراق وإيران.

إجراءات المركزي.. هل تحل المشكلة؟

الدينار العراقي خسر 25 في المئة من قيمته

ويرى المشهداني أنه بالإجراءات التي فرضت أخيرا، والعقوبات التي وقعت على بعض المصارف العراقية وحرمانها من المشاركة في مزادات العملة، قد "يخفض عمليات التهريب، ولكن لن توقفها بالكامل".

وتابع أنه خلال الفترة المقبلة سنشهد زيادة في عمليات تهريب النقد بشكل مباشر، بحيث يقوم البعض بشرائها من السوق الموزاية من عند الصرافين، ونقلها إلى دول مجاورة.

وبموجب القيود الجديدة، يتعين على البنوك العراقية استخدام منصة إلكترونية للإفصاح عن تعاملاتها وعن تفاصيل المرسل والمستفيدين. ويمكن للمسؤولين الأميركيين الاعتراض على طلبات الحوالات المشبوهة.

ومنذ إنشاء هذه الآلية رفض الاحتياطي الفيدرالي "80 في المئة" من طلبات التحويلات من البنوك العراقية، بسبب شكوكه في المستلمين النهائيين للمبالغ التي سيتم تحويلها، بحسب مصدر حكومي عراقي تحدث لفرانس برس.

ويتفق النائب كوجر مع هذا الرأي، ويقول إن "الآليات الجديدة ستحد نوعا ما من تهريب العملة، ولكنها لن تمنعها بالكامل"، مشيرا إلى أن "تهريب العملة من العراق أصبح يعمل ضمن نظام قائم بحد ذاته، ترعاه قوى وجهات متنفذة"، ولن يتم السيطرة عليه من دون فرض الدولة للقوانين وإقناع المتنفذين بوضع مصلحة العراق قبل مصالحهم الخاصة.

وكان المركزي العراقي قد أقر بضعة إجراءات للدفع باستقرار أسعار الصرف منها "توسيع عرض النقد الأجنبي لتلبية طلب الجمهور على الدولار النقدي، كما تم توجيه إدارة النافذة لتلبية طلبات المصارف للأيام القادمة بشكل أسرع من خلال تنفيذ طلبات مضاعفة كما تم إعطاء سعر تفضيلي لتنفيذ الاعتمادات المستندية، ولغرض تغطية الطلب المحلي ".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.