تشكل الخلافات بين الأطراف السياسية إلى جانب شروط الدستور العراقي لتعديل أي مادة فيه، أبرز التحديات التي تواجهها الحكومة، لإجراء تعديلات دستورية، من شأنها تجنب الانسدادات السياسية مستقبلاً.
ورغم عدم وجود أي إشارة واضحة إلى اجراء تعديلات دستورية ضمن الاتفاق السياسي بين أطراف "تحالف إدارة الدولة"، إلا أن "الإطار التنسيقي"، لا يخفي دعمه وتأييده لأي خطوة باتجاه ذلك.
وقرر رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، في 29 يناير الماضي، تكليف حسن نعمة الياسري مستشاراً له للشؤون الدستورية.
وأعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، في بيان أن "الياسري سيبدأ مهام عمله بعقد اجتماعاتٍ ولقاءاتٍ وتباحث مع ممثلي الرئاسات التنفيذية والتشريعية، فضلاً عن التداول مع السلطة القضائية بغية رسم ملامح خارطة طريق لإجراء التعديلات الدستورية المطلوبة".
وأشار البيان إلى أن القرار جاء التزاماً من الحكومة لتنفيذ بعض مضامين المنهاج الوزاري، وعملاً باتفاق الكتل السياسية حول الحاجة إلى إجراء تعديلاتٍ دستوريةٍ يُتفق عليها، لتجنب تكرار حالات الانسداد السياسي التي حصلت بمراحل مختلفة من العملية السياسية.
وفي أول رد على خطوة السوداني لتعديل الدستور، كشف علي الفتلاوي، القيادي في تحالف الفتح (أحد أطراف الإطار التنسيقي)، أن تحرك رئيس الوزراء لتعديل بعض فقرات الدستور "يحظى بدعم سياسي"، مؤكدا "التعديل يحتاج إلى توافق سياسي".
وأوضح في تصريح لمواقع صحافية محلية، أن توجه السوداني لتعديل بعض فقرات الدستور "ضروري" خلال المرحلة المقبلة، لافتاً إلى أن "رئاسة الوزراء ستقدم مقترحات بشأن تعديل بعض فقرات الدستور، ثم سيكون هناك اتفاق عليها للمضي بذلك حسب صلاحيات مجلس النواب، والتصويت عليها من خلال الاستفتاء الشعبي، بالنسبة لبعض التعديلات التي تحتاج إلى استفتاء".
شروط التعديل
خلال السنوات الماضية التي أعقبت إقرار الدستور العراقي الذي صوت عليه العراقيون في استفتاء شعبي عام 2005، لم تنجح محاولات الأطراف والكتل السياسية وحتى الضغوطات الشعبية لإجراء تعديلات على الدستور إثر الصراعات السياسية، التي تحول في كل مرة عن توصل الأطراف السياسية الى توافق سياسي بشأن تعديله.
ولعل المحاولة الأبرز لتعديل الدستور كانت في أكتوبر 2019 بالتزامن مع الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدتها بغداد ومدن جنوب العراق وكان تعديل الدستور مطلبا رئيسيا من مطالب المحتجين، لكنه ورغم قرار رئاسة مجلس النواب لتشكيل لجنة نيابية لتعديل الدستور لم تنجح اللجنة من إتمام عملها وانضمت المحاولة إلى سابقتها.
وخصص الدستور العراقي المادتين (126) و(142) لعرض الخطوات المطلوبة لإجراء أي تعديلات على الدستور.
وتنص المادة (١٢٦) على "أولا: لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو لخمس (1/5) اعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور.
ثانيا: لا يجوز تعديل المبادئ الاساسية الواردة في الباب الاول والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام.
ثالثا: لا يجوز تعديل المواد الاخرى غير المنصوص عليها في البند (ثانيا) من هذه المادة الا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام.
بينما أكدت المادة (١٤٢) أولا : يشكّل مجلس النواب في بداية عمله لجنة من أعضائه تكون ممثلة للمكونات الرئيسية في المجتمع العراقي مهمتها تقديم تقرير إلى مجلس النواب، خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر، يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن إجراؤها على الدستور. وتحلّ اللجنة بعد البت في مقترحاتها.
"أشبه بالمستحيل"
من جهته، يعتبر الخبير في القانون الدستوري، قائد الصافي، الدستور العراقي "جامداً"، بحيث يكون إجراء أي تعديل عملية "صعبة وأشبه بالمستحيل".
ويقول لـ"ارفع صوتك": "يحتاج التعديل بالإضافة لتصويت أعضاء مجلس النواب بالأغلبية المطلقة، طرح المواد المعدلة على الشعب للاستفتاء عليها، وهذا الاستفتاء يكون ناجحاً إذا وافقت عليه أغلبية المصوتين، ولم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات، وهذه النسبة المعطلة من المصوتين تمتلكها المكونات الرئيسة، لذلك يجب أن يكون هناك توافق بينها على التعديلات".
ويؤكد الصافي، أن التعديل "إذا شمل المواد الخلافية بين مكونات الشعب الرئيسية، فإجراؤه حاليا غير ممكن، بينما إجراء تعديلات في المواد غير الخلافية ممكن، خاصة أن الظروف التي شهدتها البلاد خلال السنوات السابقة أكدت الحاجة إلى تعديلها لإعاقتها سير العملية السياسية".
والساعون لإجراء التعديلات، يستهدفون شكل النظام السياسي، إذ يؤيدون تغييره إلى نظام رئاسي بدلاً من برلماني، كما هو حالياً.
وتعديل المادة (73) المتعلقة بصلاحيات رئيس الجمهورية وشكل البرلمان، وعدد المقاعد النيابية، ومسألة الكتلة البرلمانية الأكبر التي منحها الدستور حق تشكيل الحكومة، إلى جانب العديد من المواد الخلافية الأخرى، بحسب مراقبين، قد يعمق الخلافات السياسية، إذا لم يكن متفقا عليها من جميع الأطراف.
