رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني قال إن أي توتُّر بين أميركا وإيران يؤثر سلبا على العراق.
رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني قال إن أي توتُّر بين أميركا وإيران يؤثر سلبا على العراق.

يبذل العراق جهودا متواصلة من أجل تسوية مُصالحة بين أميركا وإيران، وإعادة العمل بالاتفاق النووي مُجددًا. تأتي هذه المحاولة ضمن محاولات أخرى يقوم بها العراق لتحسين علاقات إيران بعددٍ من دول المنطقة على رأسها السعودية ومصر والأردن.

لماذا يفعل العراق ذلك؟ وكيف يمكن أن تعود هذه المصالحات، إن تمّت، بالنفع على بغداد؟

العراق "حلاّل عُقد" إيران

منذ أيام، أعلن فؤاد حسين، وزير الخارجية العراقية، أن بلاده تقوم بدورٍ نشط لاستئناف المباحثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي الذي انسحبت منه واشنطن عام 2018 في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

هذا الدور رحّبت به وزارة الخارجية الإيرانية، وأعلنت على لسان المُتحدِّث بِاسمها أنها ترحّب بجهود العراق في هذا المجال، وأنها يسعدها تسخير علاقات بغداد مع الولايات المتحدة لاستئناف العمل في تفعيل الاتفاق النووي بين البلدين.

وفي حواره مع موقع "المونيتور"، قال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين: "ليس سراً أنني على اتصال بمسؤولين إيرانيين وأميركيين.. الجانبان يثقان بنا، وهذا أمر جيد"، مضيفًا إن مصلحة العراق تقتضي تقليل التوتر بين واشنطن وطهران.

وأضاف: "سأواصل هذه الاتصالات، الولايات المتحدة حليفٌ مهم، وإيران جارة مهمة نتقاسم معها العديد من المصالح المشتركة.. آمل أن يبدأ الطرفان الحديث مع بعضهما البعض مرةً أخرى".

وخلال العامين الماضيين، لعبت بغداد دور الوسيط بين السعودية وإيران، الدولتين المركزيتين في المنطقة. ومنذ 2021 بدأ الطرفان سلسلة مباحثات في بغداد لمناقشة سُبُل إذابة الخلافات بينهما، لكن لم تحقق تقدمًا ملموسًا حتى الآن.

وقام العراق بجهودٍ مُماثلة لتحسين علاقة إيران بمصر.

هذه الدبلوماسية التصالحية تُوّجت بعقد مؤتمر بغداد في أغسطس 2021، الذي ضمَّ قادة مصر والأردن وقطر والإمارات والكويت، بحضور وزراء خارجية إيران والسعودية وتركيا.

وأكّد المؤتمر ضرورة التركيز على مواجهة التحديات المشتركة، وعكَسَ التمثيلُ الرسمي الرفيع موافقة جميع الأطراف على عودة العراق كعضو فاعل في المنطقة، ما يسمح له بلعب دور الوسيط النزيه بين كافة الأقطاب المتصارعة.

من جانبه، قال إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي العراق، إنه برغم أن العراق لا يمتلك الكثير من الأدوات التي تؤهله للعب دور الوسيط بنجاح، فإن فلسفة بغداد لإنجاح جهودها تقوم على اتّباع سياسة الحياد ومنها استغلال كون أراضيها مساحة للتصادُم بين قوى المنطقة، ما يجعلها مؤهلة لتكون ساحة للتصالح ولمفاوضات لمِّ الشمل أيضا.

من جهته، يوضح مهران كامرافا، أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة جورج تاون قطر، خلال حديثه لـ"ارفع صوتك"، أن هناك أنواعا مختلفة من الوساطات الدولية بدءًا من وضع جدول أعمال للمباحثات وممارسة ضغوط على الأطراف لتقديم تنازلات، أو الاكتفاء بتوفير قناة اتصال بين الفريقين المتصارعين يتبادلان الرسائل عبرها. ويضيف: "العراق يقوم بالنوع الأخير، وهذا لا يتطلّب الكثير من القوة والموارد".

 

لماذا يفعل العراق ذلك؟

 

يعتبر مهند الجنابي، استاذ العلوم السياسية في جامعة جيهان - أربيل، خلال حديثه لـ"ارفع صوتك"، أن المبادرة العراقية تأتي في توقيتٍ امتثل فيه النظام النقدي العراقي للقواعد المصرفية الدولية، الأمر الذي أثّر سلبًا على إيران وعلى نفاذ إيران إلى المال العام العراقي. ويعتقد الجنابي أن إيران ربما شجّعت بغداد على القيام بهذا الدور لتخفيف الضغوطات عليها.

ويتابع أن مثل هذه الخطوات لا تعود بالنفع على طرفيْ معادلة الصُلح وحسب، وإنما على جميع الأطراف في المنطقة وأولهم العراق.

"عندما تتقاتل الأفيال فإن العشب هو الذي يعاني"، كما قال كامرافا لـ"ارفع صوتك". وأكّد أن الولايات المتحدة وإيران منخرطتان بشدة في السياسة العراقية، لذا فإن من مصلحة العراق أن تتصالحا وتكفّا عن التنافس في القضايا الإقليمية.

وهو نفس ما صرّح به رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني نفسه في بداية هذا العام، حين أكّد أن أي توتُّر بين أميركا وإيران ينعكس سلبًا على العراق.

علاوة على ذلك، تسعى بغداد لتلميع صورتها ووضع نفسها في بؤرة الأحداث مُجددًا بعد سنوات من الانكفاء على مشاكلها الداخلية.

وقالت إليزابيث شاكمان، الباحثة السياسية المتخصصة في قضايا الشرق الأوسط لـ"ارفع صوتك" إن بغداد لا تريد أن ترى نفسها مُهمَلة أو مهمشة في المنطقة أكثر من ذلك، لذا تحاول تبنّي مبادرات سياسية واحدة تلو الأخرى تُعيدها إلى الواجهة.

وهو ما أكّده أيضا رينارد منصور، المحلل السياسي المختص بالشأن العراقي، حين قال إن بغداد تسعى لأن تتحوّل من مجرد ساحة لِلَّعب السياسي لقوى المنطقة إلى قوة بارزة ووسيط مُعترف به من الدول المهمة في الشرق الأوسط.

ويشرح قمران بالاني الباحث السياسي في معهد الشرق الأوسط، أنه منذ الانتصار على داعش في 2017، واستعادة الموصل ثم كركوك التي كانت تحت السيطرة الكردية تنامت الدعوة داخل العراق للعب دورٍ أكبر في السياسة الدولية، بلغت هذه الدعوات ذروتها في عهد مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء الأسبق.

وبحسب محللين، فإن دورًا إقليميًّا أكبر للعراق قد يحدُّ من التنافس الكبير بين الولايات المتحدة وإيران، كما أنه سيكون مفيدًا على الوضع الداخلي أيضًا وسيُزيد من استقرار العراق ويرسّخ سيادته.

وبحسب شاكمان، فإن تهدئة الأوضاع داخل إيران ستنعكس إيجابًا على المناطق الحدودية العراقية، وبخاصةً المناطق الشمالية الكردية.

 

تاريخٌ من الوساطات

 

منذ قديم الأزل، تمتّع العراق بمكانة كبيرة في المنطقة بفضل علاقاته القوية بكافة جيرانه، الأمر الذي جعله وسيطًا مثاليًا في أزمات المنطقة.

عام 1936 اشتعلت في فلسطين "الثورة الكبرى"، والتي طالب فيها العرب من الإنجليز الاستقلال والحدَّ من الهجرة اليهودية إلى البلاد. امتنع الفلسطينيون عن دفع الضرائب لحكومة الانتداب وأضرب كافة أصحاب المصالح الاقتصادية عن العمل طيلة 175 يومًا.

يقول عبد الجبار العودة في أطروحته "النضال السياسي والعسكري لعرب القدس"، إن وساطة العراق –بقيادة نوري السعيد- بين "الثوار الفلسطينيين" والإنجليز أنهت ذلك الإضراب. وفي 12 أكتوبر 1936 نشرت اللجنة العربية بيانًا دعت فيه الفلسطينيين إلى السكينة "إنفاذاً للأوامر السامية، التي ليس لها هدف إلا مصلحة العرب".

وطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية- أرشيفية
نوري السعيد.. رجل الهاشميين الأول في العراق
لا يُمكن استحضار تاريخ العراق الملكي دون المرور على شخص السياسي البارز نوري السعيد، ذلك الرجل الذي مثّل حجر الزاوية الأساسي لتلك الفترة دون منازع حتى من الملوك أنفسهم. فلطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية.

في ذات العام، طلبت تركيا من العراق التوسط مع سوريا لبحث حل مشكلة لواء الإسكندرون، الذي تنازع على سيادته البلدان لفترة من الزمن. بذل نوري السعيد جهودًا لإجراء مباحثات بين الطرفين إلا أنها انتهت بالفشل في النهاية، حسبما ورد في كتاب "العلاقات السورية - التركية" لأميرة العبيدي.

أيضًا، عقب إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في 1948 أعلن الأردن ضم الضفة الغربية إلى أراضيه. وبحسب كتاب "الوثائق الهاشمية"، فإن الجامعة العربية رفضت هذا القرار لكونه يتعارض مع قرار سابق يمنع الدول العربية من ضم فلسطين إليها.

كان الأردن مهددًا بالطرد من الجامعة، لكن -العراق الذي كان مملكة هاشمية حينها- قام بوساطة انتهت بالتراجع عن قرار الطرد من المنظمة العربية، وتبنّي المجلس قرارًا أعرب فيه عن أمله في أن يعتبر الأردن "فلسطين العربية أمانة مقدسة" في عنقه.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

بسبب موقفها المعارض لتعديل قانون الأحوال الشخصية، اضطرت الناشطة السياسية والصيدلانية رحمة علاء لغلق حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مؤقت، بعد تعرضها لحملة تشويه سمعة شرسة عزلتها عن محيطها.

تقول "ارفع صوتك": "منذ بداية اعتراضي على موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية بدأت دائرة معارفي تتضاءل بسبب الاختلاف الجذري فكرياً، على الرغم من اعتيادنا أن الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية!".

لكن في هذه الحالة، تضيف علاء فإن "الوضع مختلف" مردفةً "هذا الخلاف ظهر فجأة في المجتمع وأصبح كالفجوة التي ابتلعتنا جميعاً، حتى وصل الخلاف بالرأي بين أفراد العائلة الواحدة والأقارب". 

"هذا الأمر مرعب وحساس جدا وأثار نزعة تكفيرية بين أفراد المجتمع"، تتابع علاء.

الاتهامات التي تعرضت لها الناشطة متعددة كما تقول، بعضها "يتعلق بالطعن بالشرف، أو أنني أريد إلغاء شرع الله، أو أنني على اتصال مع سفارات أجنبية ومدفوع لي من أجل تخريب المجتمع، واتهامات أخرى تصلني عبر مواقع التواصل التي اضطررت إلى إغلاقها مؤقتا".

وكان البرلمان العراقي أحدث ضجة اجتماعية واسعة في أغسطس الماضي بعد تقديمه مسودة قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية في البلاد، يسمح بموجبه للمرجعيات الدينية العراقية بديلا عن قانون الدولة، بتنظيم شؤون الزواج والميراث على حساب الحقوق الأساسية.

وبعد أن أنهى البرلمان القراءة الأولى للمشروع يأمل الناشطون والمتضررون وأغلبهم من النساء، أن يتمكنوا عبر الوقفات الاحتجاجية وتشكيل تكتل داخل وخارج مجلس النواب، من إيقاف التعديل المثير للجدل بعد تأجيل القراءة الثانية للقانون في الرابع من سبتمر الجاري.

 

ضغوطات تحت قبة البرلمان

لا يختلف الوضع كثيراً داخل أروقة البرلمان العراقي، فالنائبة نور نافع أقرت في حديثها لـ"ارفع صوتك" أنها تعرضت لـ"مختلف أنواع الضغوطات بعد إعلانها تشكيل كتلة داخل البرلمان لمعارضة التعديل على قانون الأحوال الشخصية".

من تلك الضغوطات، تشرح نافع "حملات التسقيط على مواقع التواصل الاجتماعي، ومواضيع أخرى شخصية مباشرة، بهدف التراجع عن رفض تعديل قانون الأحوال الشخصية". 

وتؤكد أنه وبالرغم من ذلك "لن يتراجع النواب المعارضون عن قرارهم"، مشيرة إلى أنها شخصياً "رفعت قضية للطعن بجلسة البرلمان التي خُصصت للقراءة الأولى لتعديل القانون، بسبب وجود مخالفات عديدة، منها النصاب وآلية الطرح والتصويت على إضافة الفقرة وغيرها من المجريات". 

وتقول نافع "القضية أخذت مجراها في المحكمة الاتحادية ونحن بانتظار نتائج المحكمة وقراراتها".

وكانت النائبة النائبة العراقية انضمت إلى كتلة نسوية برلمانية هدفها "الإعلان الواضح لرفض تعديل قانون الأحوال الشخصية المطروح أمام البرلمان، من أجل الحفاظ على نسيج الأسرة وصيانة حقوق أفرادها (الرجل والمرأة والأطفال)"،  بحسب بيان نشرته نافع على حسابها الرسمي في مواقع التواصل.

تبيّن: "إضافة لهذه الكتلة، تم أيضاً تشكيل تحالف المادة (188) الداعم لقضيتنا داخل مجلس النواب لرفض قانون التعديل".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

"تحالف 188"

عزز الإعلان عن تعديل قانون الأحوال الشخصية الانقسام داخل المجتمع العراقي، كما تقول الناشطة المدنية وعضوة "تحالف المادة 188" في محافظة النجف، شيماء المعموري.

تبيّن لـ"ارفع صوتك": "أقوى الهجمات كانت على مواقع التواصل الاجتماعي عبر حسابات وهمية، يتم اتهامنا من خلالها بأننا خارجون عن الدين والملّة والمرجعية، كما يتم وصفنا بأولاد السفارات. وهو كلام يتم توجيهه لجميع معارضي التعديل، خصوصاً النساء".

بعض تلك الرسائل، بحسب المعموري، تصل على شكل "تهديد بالتسليم إلى إحدى المليشيات لمعاقبتنا، أو إصدار حكم شرعي بالقتل لخروجنا عن الدين وغيرها الكثير".

وفي مجتمع محافظ مثل المجتمع العراقي وخصوصاً في مدينة دينية كالنجف "فإنه أمر يؤثر بشدة على السمعة عشائرياً واجتماعياً خصوصاً حين يتم رفع صورنا وانتقادنا عبر منشوراتنا المعارضة و توجيه الاتهامات، فيكون الأمر صعب جداً على عوائلنا"، تتابع المعموري.

وتقول إن كل ذلك "لم يؤثر على المعارضين. لكنه، انعكس سلبياً على المجتمع وأحدث انقساماً في بنيته بين الرافضين والراغبين في التعديل، وكثير منهم يخشون أن يتم اتهامهم بأنهم ضد الدين وهو السلاح الذي يحاولون (أنصار التعديل) به كسب آراء الناس".

تهديدات

التربوي والناشط المدني حيدر حسن هو أحد المشاركين في تظاهرات تتبنى إيقاف التعديل، يرى أن ما يحصل من جذب وشد في الرأي حول التعديل "جعل المجتمع منقسماً على نفسه، ووضع السلم الأهلي على شفا حفرة".

يقول حسن لـ"ارفع صوتك": "على المستوى الشخصي، أتعرض إلى أسوأ وأقذر حملة.. فقد تعرضت للتهديد بالقتل والطعن بالشرف وسب والدي المتوفي ووالدتي وتبليغات على حسابي، كما تردني تهديدات من حسابات وهمية".

كل هذه الأحداث تحصل "رغم أننا لا نملك سوى سلاح الكلمة التي نرفعها رفضاً لتعديل قانون نجد أنه لا يحقق مصلحة المرأة والطفل في العراق"، يتابع حسن.

في المقابل، اتخذ حسن إجراءات قانونية بحق من قام بتهديده، يقول "لجأت إلى القضاء الذي يريدون إسكات صوته عبر التعديل".

في السياق ذاته، يعتبر المحلل السياسي محمد نعناع أن الاتهامات التي يواجهها المعترضون على تعديل قانون الأحوال الشخصية، هي جزء من "نسق دائم يقوم به أفراد وجماعات ضد كل من يختلف معهم في أية جزئية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو ثقافية".

ركزت الحملة التي يتم شنها ضد المعترضين على التعديل كما يشرح نعناع لـ"ارفع صوتك" على أمور ثلاث: "ضمان عدم وجود أصوات معارضة كبيرة عبر توجيه اتهامات تتعلق بمعارضة الدين أو المذهب، وعدم الاحترام في ردود الأفعال مهما كان الحوار جاداً وشفافاً وبناءً، والثالث خطر جداً لأنه يعتمد على تشويه السمعة".

ويبيّن نعناع "أما كيفية تعامل المعارضين للتعديل مع هذه الاتهامات فكانت متنوعة، لكنها اتفقت بأخذ الحرية في التعبير عن آرائنا ولا يمكن قمعنا، لأننا جميعا نعيش في ظل التعددية، كما نجح المعترضون في تثبيت خطابهم تجاه لاعقلانية من كَال لهم التهم".

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

حقوق المرأة

تحدث فريق "ارفع صوتك" مع ثلاث نساء عراقيات تعرضن إلى انتقادات حادة بعد حضورهن وقفات احتجاجية تمت الدعوة لها وإقامتها تحت نصب الحرية وسط العاصمة بغداد.

امرأتان فضلتا عدم الكشف عن اسميهما بعد اتهامات وُجهت لهما عبر مواقع التواصل، وبعد طلب العائلة التوقف عن إعلان موقفهما من تعديل قانون الأحوال الشخصية.

تقول نعمة (اسم مستعار)، إن سبب معارضتها للقانون يتعلق بوضع اجتماعي تعيشه منذ سنوات؛ فهي مطلقة وحاضنة لطفلتها: "تلقيت تهديدات من زوجي بأخذ ابنتي ما إن يتم إقرار القانون، فشعرتُ بالرعب".

تضيف "القانون الحالي منصف للمرأة، وتمكنتُ عبره من إعادة ابنتي التي خطفها زوجي ولم أعرف مكانها لعام كامل. وحين عثرت عليها وجدتها قد تعرضت إلى التعنيف، رغم أنها لم تتجاوز العامين من عمرها آنذاك، بعد أن تزوج طليقي بأخرى أساءت معاملتها".

من جهتها، تقول آية (اسم مستعار) وهي حاضنة لطفلتين، إن تعديل قانون الأحوال الشخصية "من شأنه حرمان الأم من أطفالها وحقوقها وإجبارها على العيش في ظروف سيئة يفرضها عليها بعض الرجال الذين يسيئون لزوجاتهم، ولا يعاملونهن كما أوصى الشرع".

تساند الناشطة في حقوق الإنسان مريم الأسدي المعارضين للتعديل، معللةً "أنا أنظر للمستقبل، فالقرار الذي يُتخذ اليوم سيؤثر على بناتي مستقبلاً. الأمر يتعلق بحقوق النساء في الزواج والطلاق والميراث وغيرها، وهي من الأمور التي لا أتمنى أن تتعرض للظلم بسببها أي فتاة".

تعرضت الأسدي إلى هجمة اضطرت بعدها إلى تبديل رقم هاتفها حين بدأت مكالمات مجهولة تهددها إذا استمرت بمساندة النساء في الوقفات المطالبة بإلغاء التعديل. توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يسكت هاتفي عن الرنين بعد نشره من شخص مجهول على أحد المجاميع المساندة للتعديل، وجميع الاتصالات كانت عبارة عن تهديدات مباشرة".

من الاتهامات التي وصلتها بأنها "ضد الشريعة"، وتمت مطالبتها بأن "تبقى في منزلها وتسكت، وإلا فان النتائج ستكون وخيمة" على حدّ تعبيرها.

نتيجة لذلك، تقول الأسدي "تأثرت عائلتي وتمت مطالبتي بالتوقف، لكنني قررت الاستمرار، فلا يمكن الخضوع لمجهولين يخشون مجرد الحديث بأسمائهم الصريحة، ولن نساوم على حقوق بناتنا في المستقبل".