أثار مسلسل "معاوية" وفيلم "أبو لؤلؤة" جدلا حادا في العراق، وتعرض لانتقادات شديدة.
أثار مسلسل "معاوية" وفيلم "أبو لؤلؤة" جدلا حادا في العراق، وتعرضا لانتقادات شديدة.

أعلنت قناة الشعائر الفضائية منذ أيام نيتها إنتاج فيلم سينمائي بعنوان "شجاعة أبو لؤلؤة"، فيما يبدو كرد عن استعداد قناة "إم بي سي" عرض مسلسل عن معاوية بن أبي سفيان. كما هو متوقع، أثار هذا الخبر عاصفة من الجدل والنقاش داخل العراق وخارجه. اعتبر الكثيرون أن إنتاج هذا العمل من شأنه أن يتسبب في حدوث حالة من الاحتقان الطائفي والمذهبي في أرض الرافدين. لماذا أبو لؤلؤة؟ وما علاقة المرجعية الشيرازية بالفيلم؟ وكيف تطورت الأحداث حتى تقرر وقف عرض الفيلم في نهاية المطاف؟

 

لماذا شخصية أبي لؤلؤة؟

 

وردت قصة أبي لؤلؤة في العديد من المصادر التاريخية الإسلامية. منها على سبيل المثال كل من "تاريخ الرسل والملوك" للطبري، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير، و"البداية والنهاية" لابن كثير. تسميه هذه المصادر بفيروز النهاوندي، وتكنيه بأبي لؤلؤة. كان فيروز بحسب السردية السنية التقليدية رجلاً فارسياً تم أسره على يد المسلمين "الفاتحين" لبلاد فارس في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. تختلف المصادر في تحديد دين أبي لؤلؤة: تذكر بعض الكتب أنه كان مجوسياً، بينما تذكر مصادر أخرى أنه كان مسيحيا تربى في إحدى المدن التي يسيطر عليها الروم البيزنطيون.

كان أبو لؤلؤة غلاماً عند الصحابي المغيرة بن شعبة، وكان يمتهن مجموعة من المهن والحرف كالنجارة والحدادة. جاء أبو لؤلؤة إلى المدينة المنورة وقابل الخليفة عمر، واشتكى له من المغارم الثقيلة التي فرضها عليه سيده المغيرة. سمع له عمر وسأله عن عمله، وقال له إن تلك المغارم ليست كبيرة بالنظر إلى تعدد الحرف والصناعات التي يشتغل بها. أضمر أبو لؤلؤة ذلك في نفسه وعزم على اغتيال الخليفة. وبالفعل كمن له في المسجد النبوي في إحدى الليالي وباغته أثناء إقامة الصلاة ليلاً فطعنه عدة طعنات قاتلة، قبل أن يُقتل فيروز بعدها على يد بعض الصحابة في السادس والعشرين من ذي الحجة في سنة 23ه.

تختلف القصة في المصادر الشيعية الإمامية الإثني عشرية. على سبيل المثال، يذكر محمد باقر المجلسي في كتابه الموسوعي "بحار الأنوار" أن فيروز كان رجلاً مسلماً من أصحاب علي بن أبي طالب، وأنه كان يعتقد في حق ابن عم النبي في تولي منصب الإمامة والخلافة. يذكر ابن المطهر الحلي في كتابه منهاج الكرامة في معرفة الإمامة أن قتل أبي لؤلؤة لعمر لم يقع بسبب الحقد أو الغضب، بل كان نوعاً من الانتقام لفاطمة بنت النبي التي "سُلب حقّها" في ميراثها من أبيها. من هنا، يحتفي الكثير من الشيعة بفيروز النهاوندي، ويعرفونه ببابا شجاع الدين. ويعتادون على زيارة المقام المنسوب له في مدينة كاشان الإيرانية. في هذا السياق وُصف أبو لؤلؤة على لسان الشيخ الشيعي عبد الله الأفندي في كتابه "رياض العلماء وحياض الفضلاء" بأنه "كان من أكابر المسلمين والمجاهدين، بل من خُلّص أتباع أمير المؤمنين عليه السلام".

 

ما علاقة المرجعية الشيرازية بالفيلم؟

 

تُعدّ المرجعية الشيرازية واحدة من أهم المرجعيات الشيعية الاثني عشرية الموجودة في العالم، وهي الممول الرئيسي لقناة "الشعائر" الفضائية التي أعلنت نيتها إذاعة فيلم "شجاعة أبو لؤلؤة". وقد دعمت هذه المرجعية العديد من الإنتاجات التلفزيونية والسينمائية التي أثارت الجدل.

تُنسب المرجعية الشيرازية إلى المرجع التاريخي آية الله محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي الذي لعب دوراً مهماً في الثورة الإيرانية في سبعينات القرن العشرين. وكان أحد رجال الدين المقربين من زعيم الثورة الخميني. اختلف الشيرازي مع الخميني بخصوص نظرية ولاية الفقيه، اعتقد الأول أن الولاية يجب أن تكون لكافة العلماء (شورى الفقهاء) وأنها لا يجب أن تنحصر في يد الخميني وحده (ولاية الفقيه). أدى ذلك الخلاف للتضييق على المرجع الشيرازي حتى توفي سنة 2001م، وخلفه أخوه صادق الحسيني الشيرازي في منصب المرجعية.

بشكل عام، لا يتردد الشيرازيون في الصدام مع أهل السنة، وينتقدون رموزهم في كل فرصة مواتية. على سبيل المثال سافر مجتبى الحسيني الشيرازي -وهو الأخ الأصغر لصادق الشيرازي- إلى إنجلترا سنة 1994م، واستقر في لندن واشتهر بنقده اللاذع للرموز التاريخية السنية في محاضراته ودروسه. ينطبق الأمر ذاته على الشيخ الكويتي الأصل ياسر الحبيب والذي ينتمي هو الآخر للمرجعية الشيرازية. عُرف الحبيب بإقامته لعدد كبير من الاحتفالات في ذكرى وفاة الصحابة وأمهات المؤمنين، بما في ذلك الاحتفال بذكرى وفاة زوجة النبي عائشة. وتسبب ياسر الحبيب في إشعال الجدل بين السنة والشيعة في الكثير من الحالات حتى اتخذت السلطات الكويتية قراراً بحرمانه من الجنسية الكويتية.

وأطلق ياسر الحبيب قناة "فدك" في شهر سبتمبر عام 2010م، على قمر أتلانتيك بيرد 4. ثم أطلق بعدها قناة "صوت العترة"، وبدأ بثها عبر القمر الصناعي نايل سات سنة 2013م. سار الشيخ الشيعي الأفغاني حسن الله ياري على الدرب نفسه عندما أسس قناة "أهل البيت" والتي تبث من كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية، واعتادت أن تتعرض بالسب واللعن لرموز المذهب السني.

أنتج الشيرازيون أفلاما تاريخية مثيرة للجدل، من أشهرها فيلم "سيدة الجنة" والذي عُرض على شاشات العرض السينمائية في الولايات المتحدة للمرة الأولى في العاشر من ديسمبر سنة 2021م. وبلغت ميزانيته خمسة عشر مليون دولار أميركي تم جمعها من حصيلة التبرعات على قناتي صوت العترة وفدك. تعرض الفيلم وقتها للكثير من الانتقادات من جانب السنة والشيعة على حد سواء. وأعلن أربعة من كبار مراجع الشيعة -وهم ناصر مكارم الشيرازي، وحسين نوري الهمداني وجعفر سبحاني ولطف الله صافي الكلبايكاني- رفضهم الواضح لهذا الفيلم.

 

بين فيلم أبي لؤلؤة ومسلسل معاوية

 

كان من الطبيعي أن يتصاعد الجدل في الأيام الماضية حول فيلم "شجاعة أبو لؤلؤة". تعرض الفيلم للهجوم من قِبل الشخصيات السنية والشيعية. على سبيل المثال ربط زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، بين مسلسلي "معاوية" -والذي سيُعرض في شهر رمضان المُقبل- وفيلم "أبو لؤلؤة" وقال إن: "كلاهما باطل ومثير للفتنة، ولا تمثل (الشخصيتان) السنة والشيعة".

الصدر دعا إلى إيقاف مسلسل "معاوية" تداركاً لـ"الفتنة"
الصدر منتقدا "معاوية"… كيف يمكن إنهاء الحساسيات بين السنة والشيعة؟
لمعاوية بن ابي سفيان قول شهير، لا يزال متداولاً إلى أيامنا هذه: "لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا اذا شدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها شددتها".
هي الشعرة نفسها، "شعرة معاوية"، تُنازع بين السنة والشيعة، ويحاول المعتدلون الحفاظ عليها، فيما يجنح المتطرفون إلى محاولات قطعها.

بعدها، أرسل المدير العام لقناة الشعائر الفضائية خطاباً رسمياً لهيئة الإعلام والاتصالات العراقية. جاء في هذا الخطاب "إننا سوف نلتزم بعدم إذاعة فيلم شجاعة أبو لؤلؤة الذي روجنا إليه في وقت سابق احتراماً وتنفيذاً لقرار هيئة الإعلام والاتصالات، بمقابل التزام قناة mbc بعدم بث مسلسل معاوية والذي ينتقص من المعتقدات الدينية لطائفة كبيرة من المسلمين لا سيما مع الرفض الديني والشعبي لعرض هذا المسلسل...".

بعد ساعات قليلة من التشاور قررت هيئة الإعلام والاتصالات في العراق منع بث مسلسل "معاوية" وفيلم "أبو لؤلؤة" وذكرت وكالة الأنباء العراقية "أن التوجيه يأتي في إطار الرغبة في عدم بث أي أعمال فنية تتناول موضوعات تاريخية جدلية ومنها العملان الفنيان المذكوران".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".