"تزور العديد من النساء المقبرة بين حين وآخر، تجلس الواحدة منهن عند قبر ثم تغادر سريعا"، يقول حارس مقبرة "مجهولي الهوية" في محافظة السليمانية بكردستان العراق.
على بعد نحو ثلاثة كيلومترات شرق مركز مدينة السليمانية، تقع مقبرة "مجهولي الهوية" في أسفل تل سيوان، وتضم بحسب إحصائيات غير رسمية أكثر من ثلاثة آلاف قبر لرجال ونساء وأطفال مجهولي الهوية، دفنوا من قبل دائرة البلدية بالتنسيق مع الشرطة والقضاء.
وما يحصل هو أن الجثث التي تعثر عليها الشرطة في مناطق متفرقة من المحافظة، تبقى في ثلاجات المشرحة الرئيسية مدة محدودة زمنياً بالقانون، حتى يطالب بها أحد ذوي المتوفى أو معارفه، وإن لم يحصل ذلك مع انقضاء المدة، يتم تسليمها إلى البلدية لدفنها في مقبرة "مجهولي الهوية"، التي تختلف عن المقابر الأخرى في كون شواهدها لا تحمل اسم المتوفى أو تاريخ وفاته، إنما أرقاماً فقط.
يوضح حارس المقبرة الذي رفض الكشف عن اسمه، لـ"ارفع صوتك": "زائرات المقبرة يأتين بشكل سري وخاطف، خشية اكتشاف أمرهن من قبل أزواجهن أو أشقائهن وحتى من أبنائهن، لأن غالبيتهن من ذوي النساء والفتيات اللائي قتلن من قبل الاب والاخ والزوج بدواعي غسل العار وجرائم الشرف، وتحاول هذه العائلات قدر المستطاع التخفي وتجنب المجتمع كي لا ينكشف امرهم".
ضحايا العنف الأسري
يعود تاريخ المقابر الخاصة بمجهولي الهوية في كردستان العراق إلى عهد النظام البعثي، وكانت تنتشر في محافظات الإقليم الرئيسة: أربيل والسليمانية ودهوك. ويحمل كل قبر منها قصة ضحية من ضحايا العنف الأسري.
تمكن موقع "ارفع صوتك" بعد محاولات عديدة وعبر وسطاء من أقارب الضحايا من الحصول على قصة فتاة قتلت من قبل والدها قبل نحو أربعة أعوام، حيث شك الأخير بوجود علاقة بين ابنته وأحد الشبان، وكان مصدر شكوكه ورود مكالمة هاتفية لابنته من قبل شاب.
ورغم إنكارها وجود أي علاقة بينها وبينه وأن الاتصال وردها بالخطأ، إلا أن الأب سرعان ما أخرج مسدسه وأطلق النار عليها، فأرداها قتيلة.
يمضي والد الفتاة عقوبة السجن بجريمة القتل العمد في سجون الإقليم، وكان يظن أن ذلك لن يحصل بعد تبريره قتل ابنته بأنه "غسل للعار". فالقانون في إقليم كردستان يتعامل مع الجرائم التي تقترف بحجة "غسل العار" كجرائم قتل جنائية، ولا يتم تخفيف العقوبة كما ينص عليه قانون العقوبات العراقي (111 لسنة 1969).
والدة الفتاة المقتولة تخشى زيارة قبر ابنتها حتى الآن، خوفا من أبنائها الأربعة، ومن أن يشي بها أحدهم عند زوجها فتلاقي هي الأخرى نفس المصير، لذلك تكتفي بالبكاء على ابنتها.
فينا كمال، صحافية وناشطة كردية مختصة بحقوق المرأة، تابعت خلال السنوات الماضية ملف قتل النساء في كردستان ووثقت غالبية جرائم القتل التي تتعرض لها نساء السليمانية ومناطق أخرى في الإقليم.
تؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن "الكثير من جثث النساء تشوّه من قبل الجناة بعد قتلهن كي لا يتعرف أحد على هوياتهن، حتى هذه القبور تختفي أماكنها بعد فترة معينة".
"وتدفن النساء المقتولات من دون إجراء أي مراسم تليق بهن ودون حضور أي شخص، رغم أن لدينا العديد من المنظمات الخاصة بالدفاع عن حقوق المرأة، لكنها لا تتحرك لدفنهن بشكل لائق"، تقول كمال.
وتضيف أن الجثث التي يُعثر عليها، يتم تسجيلها في سجلات الطب العدلي تحت أرقام مخصصة لكل جثة، سواء إذا كانت معروفة أو مجهولة الهوية.
ولم تغادر مخيلة كمال صورة الجثة رقم (27)، التي عثرت عليها الشرطة قبل سنوات في أطراف محافظة السليمانية بين الجبال، تبين "كانت الجثة لفتاة مقتولة تعرضت للحرق بعد موتها، كما هشم القاتل جمجمتها كي تفقد كافة الملامح التي من الممكن أن تؤدي إلى الكشف عن هويتها".
وبحسب مختصين بالقضايا الجنائية، فإن غالبية النساء المدفونات في المقبرة "قتلن على أيدي أقارب من الدرجة الأولى (أب أو أخ أو زوج). ويسلم قسم من الجناة أنفسهم إلى الشرطة، فيما يسعى الآخرون عبر تشويه الجثة ورميها في مناطق نائية إلى الاستفادة من الوقت للهروب من الإقليم، حيث يهرب بعضهم إلى إيران، وآخرون إلى محافظات عراقية أخرى".
تعديل قانوني "مرفوض"
في نفس السياق، تقول روناك فرج، ممثلة المجلس الأعلى لشؤون المرأة في كردستان التابع لمجلس وزراء الإقليم، إن مقبرة المجهولين في السليمانية "لا تشمل النساء فقط، بل تحتضن قبور الأطفال والرجال غير معروفي الهوية أو الذين لا يطالب أحد من ذويهم بجثثهم".
وتضيف فرج لـ"ارفع صوتك": "حالياً قلّ (رمي) هذه الجثث من أجل دفنها من قبل الطب العدلي، وتحوز قضية الجثث المجهولة على اهتمام حكومة الإقليم والمنظمات النسوية".
وحاول برلمان الإقليم في سبتمبر 2022 تعديل قانون مناهضة العنف الأسري والعنف ضد المرأة في الإقليم، لكن ذلك لم يتم، حتى بعد أن أجريت قراءتان للمشروع في البرلمان، وذلك بسبب اعتراض الأحزاب الإسلامية ورجال الدين في الإقليم على مشروع القانون خاصة على الفقرة الثانية منه، التي نصت على تجريم "جماع الزوج مع زوجته بالإكراه".
ودعا اتحاد علماء الدين الإسلامي في إقليم كردستان البرلمان إلى "عدم تشريع القوانين التي تخالف الشريعة ولا تناسب المجتمع".
وخلال جلسة القراءة الثانية لمشروع تعديل القانون، أكد وزير الداخلية في حكومة إقليم كردستان، ريبر أحمد، أن "التعديل جاء بناء على وجود خلل في القوانين النافذة، وسينظم بدوره ويحمي الأسرة في المجتمع الكردستاني".
"ولا تؤيد حكومة إقليم كردستان أية مادة أو فقرة من هذا المشروع تعارض الأصول الشرعية للدين الإسلامي"، أضاف أحمد في حينه.
