نظام جديد لضبط المالية العامة في العراق- صورة تعبيرية من بغداد
نظام جديد لضبط المالية العامة في العراق. أرشيفية

تواجه المالية العامة للعراق العديد من التحديات، والتي من أبرزها عدم وجود حساب واضح لإدارة موارد الدولة بشكل واضح، والذي يعرف باسم "حساب الخزينة الموحد".

وأعلن مكتب رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني أن تطبيق نظام "حساب الخزينة الموحد" تم بحثه في اجتماع عقد، الخميس، بحضور مسؤولين عن السياسة النقدية والسياسة المالية.

وأكد السوداني أن تطبيق هذا النظام "سيسهم في الحد من الفساد.. وسيتيح للحكومة الاطلاع على الرصيد الفعلي اليومي لتحديد نفقاتها بدلا من توزيعها على أكثر من حساب.. وتصفية الحسابات وحذف المكررة منها".

وحساب الخزينة الموحد "هو إحدى الممارسات في أنظمة الدفع وتحصيل الإيرادات الضريبية والتحكم بالإنفاق، من خلال التعامل المركزي مع أرصدة الحسابات المصرفية الحكومية.. وهو جزء من حلول أنظمة معلومات الإدارة المالية.. ويتم عادة من قبل الخزينة المركزية أو المحاسب العام في وزارة المالية"، بحسب دراسة عن إدارة التقييم السريع لحساب الخزينة الموحد نشرها البنك الدولي.

لماذا تأخر العراق في تطبيق هذا النظام؟

أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية في الجامعة العراقية، عبدالرحمن نجم المشهداني، يشرح أن "العراق لا يزال يعمل بالنظم المالية التي وضعت منذ أيام الحاكم المدني، بول بريمر، والتي تسمح للدوائر والمؤسسات أن تفتح حسابات منفصلة لها وإدارة شؤونها المالية بشكل منفصل".

وأضاف في حديث لموقع "الحرة" أن عدم وجود حساب الخزينة الموحدة "يشكل عنصر خلل في إيرادات الميزانية العامة، وعلى سبيل المثال، يوجد لمؤسسات مثل الجمارك والضريبة حسابات منفصلة تابعة لها تودع فيها الإيرادات، وتبقى مخصصات نفقاتها من الخزينة".

وأكد صندوق النقد الدولي أن "الإطار المالي السليم" في العراق يعتبر "عنصرا بالغ الأهمية في التغلب على التحديات الاقتصادية"، إذ "ينبغي لراسمي السياسات توخي الدقة في إيجاد التوازن بين أهداف ادخار الأرباح النفطية الاستثنائية غير المتوقعة، وذلك لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة تقلُب أسعار النفط مستقبلا، وزيادة الإنفاق الاجتماعي بالغ الأهمية، والإنفاق على الاستثمارات العامة، مع تخفيض مستوى الاعتماد على النفط بصورة تدريجية".

وأضاف في بيان، أواخر ديسمبر الماضي، أن "تنفيذ إطار المالية العامة.. يجب أن يكون مصحوبا بجهود مستدامة"، والتي تضم "رفع كفاءة إدارة المالية العامة وبخاصة عن طريق تأسيس حساب الخزينة الموحد، وتنفيذ النظام المتكامل لمعلومات الإدارة المالية (IFMIS)، على نحو عاجل، بالإضافة إلى تعزيز الرقابة على الالتزامات والمطلوبات المحتملة الطارئة".

الخبيرة الاقتصادية العراقية، سلام سميسم، عزت تأخر العراق في تطبيق هذا النظام إلى "تعدد جهات صنع القرار في العراق، وتفتت الصلاحيات في بعض السنوات".

وأكدت في رد على استفسارات موقع "الحرة" أنه في بعض السنوات كان هناك "ضعف فني لدى الجهات التي يفترض أنها تشرف على الإدارة المالية، الأمر الذي ساعد بتشتت الموازنات بطريقة تؤثر على سلامتها وأدائها وشفافيتها".

ماذا يعني تطبيق "حساب الخزينة الموحد"؟

وترى سميسم أن إصدار أمر حكومي لتطبيق "حساب الخزينة الموحد، سيبين تدفقات الأموال بصورة موحدة وواضحة، أكانت في جانب الإيرادات المتحققة أو أوجه الإنفاق".

من جانبه يتوقع المشهداني في حال تطبيق هذا النظام، فإن "إيرادات الحكومة الاتحادية سترتفع بنسبة تتجاوز 50 في المئة، وقد تحد من الفساد إذا عدلت الأنظمة الإدارية المختلفة لتصبح مؤتمتة".

وتأتي الدعوة إلى تطبيق هذا النظام تزامنا مع إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين سابقين، الجمعة، باتهامات تخص قضايا فساد مرتبطة بقضية الأمانات الضريبية، التي أصبحت تعرف باسم "سرقة القرن".

وفيما يخص مذكرات الاعتقال الأخيرة، كشفت وثائق الاستيلاء على 2.5 مليار دولار، عبر 247 صكا صرفتها خمس شركات، بين سبتمبر من عام 2021 وأغسطس عام 2022، إلا أن الأموال سحبت نقدا من حسابات هذه الشركات التي يخضع أصحابها لأوامر توقيف.

وأثارت القضية، التي كشفت منتصف أكتوبر الماضي، وتورط بها مسؤولون سابقون كبار ورجال أعمال سخطا شديدا في العراق الغني بالنفط والذي يستشري فيه الفساد.

ويؤكد المشهداني أن "تطبيق حساب الخزينة الموحد أصبح ضرورة، من أجل توضيح الإيرادات التي تصل للخزينة بشكل أفضل، وتحديد إنتاجية المؤسسات ونفقاتها، وضبط الإدارة المالية".

ويرى المشهداني أنه قد تكون هناك عقبات، ولكن "في حال فرض تطبيق هذا النظام ستكون جميع المؤسسات الحكومية ملزمة بتحويل إيراداتها، والكشف عن نفقاتها بشكل واضح، فيما سيتم إغلاق العديد من الحسابات الخاصة التي كانت تودع فيها الإيرادات الحكومية".

المحلل الاقتصادي، علاء الفهد، يوضح أن إقرار "حساب الخزينة الموحد" وتطبيقه يعتبر جزءا هاما من "الاصلاح الاقتصادي الذي تسعى له الحكومة العراقية، والذي يعزز الشفافية ويحد من بعض أوجه القصور".

وأضاف الفهد في حديث لموقع "الحرة" أن "البنية التحتية للإدارة المالية خلال الوقت الحالي، أصبحت أكثر ملائمة لتطبيق هذا النظام، والذي سينعكس على مرتبة العراق في العديد من التقارير الدولية ويعزز من مؤشرات الملاءة المالية".

من جانبه استعرض المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، فوائد إنشاء حساب الخزينة الموحد، مشيرا إلى أنه "أداة أساسية لتوحيد وإدارة الموارد أو التدفقات النقدية للحكومة المركزية"، بحسب ما نقلته عنه وكالة الأنباء العراقية الرسمية "واع".

وأكد أنه لا يمكن "للرقابة الفعالة للإدارة المالية أن تحقق أهدافها في ضبط المال العام ما لم تعتمد على ترتيبات مصرفية حكومية موحدة غير مجتزأة"، ناهيك عن تقليل تكاليف الاقتراض كاشفا " أن الحكومة العراقية اقترضت كثيرا من من المصارف الحكومية في سنوات ماضية لسد العجز في الموازنة السنوية، وكانت مصادر ذلك الاقتراض جلها من ودائع حكومية فائضة في حسابات حكومية مختلفة".

ويبلغ الدين العام الداخلي للعراق حوالي 50 مليار دولار، 63 في المئة منه بحوزة البنك المركزي العراقي ويمثل موجودات محلية في هيكل الميزانية العمومية للبنك المركزي، بحسب تصريحات سابقة لصالح.

ويوضح صالح أن "حساب الخزينة الموحد يأتي كشرط ضروري لاستكمال النظام الرقمي لإدارة المعلومات المالية IFMIS"، مؤكدا أن تكامل هذين المشروعين "سيضبط التدفقات النقدية اليومية للخزينة العامة للدولة في أعلى مستويات الحوكمة والانضباط والمساءلة المالية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أشخاص يزورون المئذنة الحلزونية للجامع الكبير في سامراء، 3 فبراير 2016. الصورة التقطت في 3 فبراير 2016. رويترز/أحمد سعد

بدأ التوسع العربي الإسلامي في الأراضي العراقية في السنة الثانية عشرة للهجرة، وسرعان ما أصبحت أرض الرافدين جزءاً مهماً من دولة الخلافة الإسلامية. شهد العراق عصراً ذهبياً خلال فترة الخلافة العباسية، حيث ازدهرت ميادين الحضارة والثقافة والعمران. في هذا المقال، نسلط الضوء على مجموعة من أهم وأشهر الآثار العباسية التي لا تزال قائمة في العراق.

 

المدرسة المستنصرية


في سنة 631هـ، بُنيت المدرسة المستنصرية على يد الخليفة العباسي المستنصر بالله بمحاذاة نهر دجلة قرب جسر الشهداء في جانب الرصافة من بغداد. أُقيمت المدرسة على مساحة 4836 متراً مربعاً، وضمت 100 غرفة مخصصة للتدريس وسكن الطلاب، موزعة على طابقين.
بحسب المصادر التاريخية، اُفتتحت المدرسة في حفل ضخم "حضره الخليفة والعلماء، والأمراء، وأعيان القوم، ووجوههم. كما حضر نائب الوزارة، وسائر الولاة والحجاب والقضاة، والمدرسون والفقهاء ومشايخ الربط"، وفقاً لما يذكره ناجي معروف في كتابه المدرسة المستنصرية.
تميزت المدرسة المستنصرية بتدريس الفقه على المذاهب السنية الأربعة، بالإضافة إلى علوم النحو والقرآن واللغة،والرياضيات، والفلسفة، والطب.
في سنة 656هـ، تعرضت المدرسة للتخريب خلال الغزو المغولي لبغداد، وتم إحراق المئات من الكتب القيمة التي كانت تحتويها مكتبتها الكبيرة. في أواخر العصر العثماني، أُهملت المدرسة واُستخدمت مبانيها كمخزن للبضائع التجارية القادمة من ميناء البصرة. في سنة 1940م، ضُمت المدرسة إلى دائرة الآثار العراقية، وتم إجراء أول أعمال صيانة لها في عام 1960م. وهي حالياً ضمن قائمة الانتظار في لائحة التراث الإنساني لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

 

القصر العباسي


هو أحد القصور التاريخية في بغداد، يطل على نهر دجلة بمحاذاة المدرسة المستنصرية. وفقاً لدائرة العلاقات الثقافية العامة في وزارة الثقافة العراقية، هناك جدل حول هوية صاحب هذا القصر. يعتقد بعض المؤرخين أنه "دار المسناة" التي شيدها الخليفة العباسي الناصر لدين الله في عام 576هـ، بينما يرى آخرون أن القصر هو مبنى المدرسة الشرابية، الذي اكتمل بناؤه في عهد الخليفة المستنصر بالله سنة 628هـ.
بغض النظر عن الجدل حول هويته، يتميز القصر بطراز معماري إسلامي خاص، حيث يحتوي على باب رئيسي بديع الزخرفة، وأساس قوي، وساحة داخلية تتوسطها نافورة، محاطة برواق يتكون من طابقين. في ثمانينيات القرن الماضي، اُستخدم القصر كمقر لدار الثقافة والفنون العراقية، ثم تحول إلى "بيت الحكمة"، مركز للدراسات والأبحاث.

 

حصن الأخيضر


يُعدّ حصن الأخيضر واحداً من أعظم الآثار الإسلامية الباقية في العراق. يقع الحصن في الصحراء، على بعد 50 كيلومتراً غرب كربلاء. تم اكتشافه لأول مرة في سنة 1626م من قِبل الرحالة الإيطالي بيترو ديلا فالي. لا يزال الحصن يثير تساؤلات حول تاريخه وبانيه.
يرى بعض الباحثين أن الحصن يعود إلى فترة سابقة لدخول المسلمين إلى العراق، بينما يرى آخرون، مثل محمود شكري الآلوسي، أنه يعود لأحد أمراء قبيلة كندة. ويرجح البعض أن الحصن شُيد في القرن الثاني الهجري على يد عيسى بن موسى، والي الكوفة في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. يجمع الحصن في عمارته بين الأساليب الساسانية والبيزنطية والعربية، وتم تشييده بالحجر والجص والآجر. حالياً، يعاني الحصن من الإهمال ويحتاج إلى رعاية مناسبة من الدولة.

 

سور بغداد القديمة


بنى الخليفة العباسي المستظهر بالله هذا السور في أواخر القرن الخامس الهجري لحماية عاصمة الخلافة العباسية من التهديدات الخارجية. ظلت العديد من معالم السور قائمة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما أمر الوالي العثماني مدحت باشا بهدمه واستخدام حجارته لتشييد مبانٍ أخرى في بغداد.
كان السور يحتوي على عدة أبواب، منها باب السلطان أو باب المعظم، وباب خراسان الذي تحول لاحقاً إلى سجن ثم إلى متحف للأسلحة القديمة، وباب الشيخ بالقرب من جامع الجيلاني ومرقده.

 

جامع الإمام الأعظم


جامع الإمام الأعظم، أو جامع أبو حنيفة النعمان، هو من أقدم المساجد في بغداد. يعود إلى الإمام أبو حنيفة النعمان، الذي ولد في الكوفة سنة 80هـ وتوفي سنة 150هـ. بُني المسجد بجوار ضريحه في مقبرة الخيزران، وشهد الجامع تأسيس جامعة دينية في القرن الخامس الهجري.
تعرض الجامع للكثير من التدمير، منها هدمه على يد الصفويين، ثم إعادة تعميره في العهد العثماني. لا تزال تتعالى بعض الأصوات المتطرفة مطالبة بهدم الجامع لأسباب طائفية.

 

مئذنة الملوية


تقع المئذنة في مدينة سامراء، وتعدّ من أشهر المعالم العباسية. بُنيت المئذنة والجامع الكبير في عهد الخليفة المتوكل على الله بين عامي 234 و237هـ. تتميز المئذنة بشكلها الحلزوني الفريد وبارتفاعها البالغ حوالي 52 متراً، مما جعلها أحد أبرز المعالم الأثرية في العراق.

 

جامع الخلفاء


يُعد جامع الخلفاء من المساجد التاريخية في بغداد. بدأ بناؤه في سنة 289هـ بأمر الخليفة العباسي المكتفي بالله. تعرض المسجد للهدم خلال الغزو المغولي لبغداد، وأعيد بناؤه في العهد الإيليخاني.
يحتوي المسجد على مصلى ثماني الشكل، تعلوه قبة مزخرفة بالخط الكوفي، بالإضافة إلى ثلاث أروقة تؤدي إلى المصلى. كما ارتبط بالكثير من الأحداث السياسية في العصر العباسي، وكان يُعد الجامع الرسمي للدولة العباسية.