تماثيل الثيران المجنحة في مدينة نمرود القديمة، بالقرب من الموصل، العراق. أزال مسلحو تنظيم داعش هذه الثيران في أوائل عام 2015 عندما دمروا الموقع الأثري بأكمله.
تماثيل الثيران المجنحة في مدينة نمرود القديمة، بالقرب من الموصل، العراق. أزال مسلحو تنظيم داعش هذه الثيران في أوائل عام 2015 عندما دمروا الموقع الأثري بأكمله.

نينوى واحدة من أبرز المُدن التي عرفها العالم القديم، فهي ثالث عاصمة للإمبراطورية الآشورية بعد "آشور" و"كالح". لذا كثر الحديث عنها، بدايةً من النصوص المسمارية وانتهاءً بروايات الرحالة العرب والأوروبيين الذين زاروا الشرق في العصور الوسطى، ولا تزال حتى الآن محطُّ اهتمام علماء الآثار بحركة تنقيبات تكاد لا تنقطع.

 

مسكن صاحب الحوت

 

حسبما ذكرت ياسمين صالح في بحثها "مدينة نينوى الأثرية بين الماضي والحاضر"، فقد اشتقَّ اسم المدينة من اللفظة السومرية Ninu-a، والتي تعني "إلهة السمكة". في المقابل، تذهب هيفاء أحمد إلى معنى قريب في بحثها "مؤشرات من تاريخ مدينة نينوى"، حيث تقول إن تسمية المدينة حرفيًا تعني "مسكن الحوت".

وبحسب هيفاء، فإن العراقيين القدماء كانوا يعتقدون أن هذه المدينة كانت مسكنا للآلهة نينا، التي كان يُرمز لها بالسمكة.

الباعوثة كلمة كلدانية – آرامية تعني الطلب والتضرع.
النبي يونان ونينوى.. قصة صوم الباعوثة في العراق
الباعوثة كلمة كلدانية – آرامية تعني الطلب والتضرع. ويرتبط هذا الصيام بقصة النبي يونان أو يونس، كما هو معروف في المصادر الإسلامية، وذهابه إلى مدينة نينوى العظيمة عاصمة الإمبراطورية الآشورية القديمة. ما هي قصة النبي يونان؟ وماذا فعل في نينوى؟ ولماذا يوجد اختلاف بين الكلدان والآشوريين حول تحديد أصل الباعوثة؟ وما هي الطقوس العراقية المرتبطة بذلك الصوم؟

الإلهة "نينا" كانت مشهورة عند البابلين في مدن جنوب العراق، وكان لها معبد في مدينة الوركاء وفي كثيرٍ من المدن العراقية القديمة. لكن في عهد الآشوريين أصبحت هي الإلهة "عشتار" التي نالت مركزًا مرموقًا بين الآلهة الآشورية.

ارتباط المدينة برمز السمكة، يذكرنا بالنبي يونس (يونان\ ذي النون)، صاحب الحوت، المبعوث إلى مدينة نينوى. لذا يعتقد الباحثون أن لهذه القصة جذورا فراتية.

 

عاصمة السومريين

 

بحسب هيفاء أحمد، فلقد سكن العراقيون القدامى هذه المنطقة منذ آلاف السنين. نمت المدينة تدريجيًا، حتى تحوّلت من قرية صغيرة إلى مدينة كبيرة لفتت انتباه الملك الآشوري تجلاتبليزر الأول فجعلها عاصمة للإمبراطورية الآشورية عام 1080 ق.م.

أكبر دلالة على عراقة المدينة هو ورود ذِكرها في عديدٍ من النصوص بالغة القِدم مثل كتابات حمورابي، وتعرّض لها العهد القديم واصفًا إياها بـ"المدينة العظيمة"، كما تطرّق لها مؤرخون قدامى مثل هيرودوت وزينوفون.

المؤرخ الإغريقي زينوفون كان قادة حملة عسكرية مرت ببلاد الرافدين، وسجّل مشاهدته لخرائب ما تبقى من حصون نينوى وأسوارها.

أيضًا، تعرّض لها القرآن بشكلٍ غير مباشر في الآية: "فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس"، وتطرّق لها عددٌ من المؤرخين العرب مثل المسعودي وابن الأثير وياقوت الحموي في كتاباتهم.

وفي عهد الخليفة العباسي المقتفي بالله (1160م - 1170م)، قام الرحالة اليهودي بنيامين التُطيلي بزيارة لأطلال المدينة وتباحث مع أعرابٍ أقاموا حولها عن تاريخ تلك الأطلال.

عقب عودته، ألّف التُطيلي كتابًا حوى مذكراته بشأن الرحلة.

لاحقًا، ازداد اهتمام المؤسسات العلمية الأوروبية بالمدينة السومرية القديمة، وبدءًا من القرن الـ19 نظّمت فرنسا وإنجلترا بعثات استكشافية للتنقيب عن آثار نينوى.

 

أبرز منشآت نينوى

 

تقول هيفاء إن نينوى احتلّت مكانة كبيرة عند الملوك الأكاديين فأنشأوا فيها العديد من الأبنية، أبرزها معبد الآلهة عشتار، الذي أنشأه الملك مانشتوسو من الطين اللبن على مساحة تقترب من 8 أمتار عرضا و23 مترا طولا، وامتازت عمارته باستخدام الآشوريين نظام العقود في تطريز المباني لأول مرة.

وتكشف النقوش المسمارية اهتمام الملوك الآشوريين بهذا المعبد، وحرصهم على ترميمه والحفاظ عليه من الانهيار.

وفي عهد الملك سنحاريب، اهتمَّ هذا الملك بتحصين المدينة حتى تتمكن من صدِّ أي هجوم، فأحاطها بسورٍ كبير من الطوب اللبن المغلّف بحجارة الجبال المُحيطة بالمدينة. بلغ طول هذا السور 15 كم، واحتوى 15 بوابة سُميت كل واحدة منها بأسماء أحد الآلهة. 

ووفقًا لما رواه بعيطيش عبد الحميد في بحثه "التنقيب عن الآثار الآشورية في مدينة نينوى"، فإن النقوش الآشورية منحتنا أخبارا مفصلة عن كيفية إعمار المدينة عبر تسخير آلاف الأسرى في تزويد المدينة بالماء وتدعيم تحصيناتها الدفاعية وزراعة أراضيها.

فجر تنظيم داعش مسجد النبي يونس في 24 يوليو 2014، أي بعد شهر فقط من احتلاله للموصل  في يونيو 2014.
تل التوبة..الناجي من بطش داعش يثري العالم بمكتشفات تُرى للمرة الأولى
من هذه الآثار، أربعة ثيران مجنحة كبيرة متضررة، وتحتاج إلى عناية خاصة، وثلاثة ثيران مجنحة أصغر حجما. بعض هذه الثيران يتم رصفها على شكل مكعبات ليتكون منها الثور المجنح، وهي طريقة جديدة لم يتم التعرف على مثيل لها سابقا.

أيضًا، نفّذ سنحاريب مشروعًا رائدًا لجلب المياه من العيون التي تقع بالقرب من المدينة وتزويد السكان بالماء. وعندما لم تكفِ مياه العيون، أمر بشقِّ قناة مائية من أحد روافد نهر الخوصر، بطول 80 كيلومترا، تنتهي بسدٍّ يسيطر على حجم الماء المتدفق إلى داخل العاصمة الآشورية.

وخلّف سنحاريب نقشًا على لسانه تحدّث فيه عن مدينته قائلاً: "نينوى الحصن العزيز، المدينة التي تحبّها عشتار، حيث مارس فيها الملوك آبائي الذي جاؤوا من قبلي حُكم مملكة آشور، وحكموا رعايا الإله، وتسلموا هنا سنة بعد سنة جزية الأمراء من جهات الأرض الأربع".

وبحسب كتاب "نينوى"، الذي نشرته مديرية الآثار العراقية عام 1971، فإن سنحاريب شيّد فيها قصرًا عملاقًا منحه اسم "القصر الذي لا مثيل له"، والذي دلّت التنقيبات الأثرية على حجم البذخ في بنائه وزخرفته واتساعه.

بُني هذا القصر من الطوب اللبن ثم كُسي لاحقًا بالرسوم الجدارية الملونة بالذهب والفضة والنحاس. أيضًا، استعان سنحاريب بأفخر المواد الخام المتوفرة وقتها لبناء قصره مثل الرخام والعاج والأخشاب والبلوط.

يقول عبد الستار أحمد في بحثه "تاريخ التنقيبات الأثرية في مدينة نينوى"، إن المدينة بلغت أوج عظمتها في عهد الملك سنحاريب وابنه "أسرحدون"، إذ إن أغلب الأبينة المكتشفة تعود إلى عصريهما.

وشكّل عام 612 ق.م النهاية السياسية للمدينة، بعدما نجح تحالف الجيوش الميديّة والكلدية في احتلالها.

ووفقًا لما ورد في كتاب "نينوى"، فإن كافة هذه الجيوش المتحالفة ضد الآشوريين عجزت عن اقتحام المدينة بسبب مناعة أسوارها، فضربت حولها حصارًا حتى باغت المدينة فيضان لم تحتمله الأسوار المشيدة من الطوب اللبن فانهار أمام جيوش الميديين التي استباحت المدينة.

بعدها أُهملت المدينة تدريجيًا، فتحوّلت نينوى إلى مدينة صغيرة يقطنها عدد قليل من السكان، كما تحوّلت عمائرها وقصورها ومعابدها إلى خرائب لا حياة فيها.

رغم ذلك، ظلّت تحتفظ بسُمعتها كمدينة ذات ماضٍ عريق، لذا وصفتها التوراة بـ"المدينة العظيمة"، كما حرص أبرز رحّالة العالم القديم على زيارتها ومعاينة أطلالها والتنقيب فيها بحثًا عن الآثار.

وبحسب عبد الستار، فإن عمليات التنقيب الأولى التي شهدتها المدينة كانت ذات أبعاد دينية بسبب ورود اسم نينوى في العهد القديم، لذا فإن أغلب المنقّبين الأوائل كانوا من رجال الدين أو السياسيين الغربيين.

 

تدمير داعش للمدينة

 

في يونيو 2014 سقطت نينوى بيد تنظيم داعش، وجعل من أهم مدنها، الموصل، عاصمة له.

في أبريل 2016، نفّذ التنظيم المتطرف عملية تدمير واسعة بحق آثار المدينة، واستخدم الآليات الضخمة لهدم سورها الكبير، وحطّم بوابة المسقى، إحدى بوابات سور نينوى الغربية، وجعل من بوابة "شمش" (تقع شرقي السور) مكبًّا للنفايات.

وهدم مقاتلو داعش بعض تماثيل الثيران المجنحة "لاماسو"، التي كنت تقف عند مداخل بوابات المدينة ودمّروها بالمطارق.

ويضيف عبد الستار، أن إرهابيي داعش حفروا أنفاق عشوائية تحت المدينة من أجل استخراج الآثار ثم تهريبها إلى الخارج من أجل الاتجار بها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".