سيدة عراقية تنتظر دورها لتلقي استشارة طبية في مركز الصحة النفسية في مخيم باجيت كندالا للنازحين الأيزيديين بالقرب من دهوك.
سيدة عراقية تنتظر دورها لتلقي استشارة طبية في مركز الصحة النفسية في مخيم باجيت كندالا للنازحين الأيزيديين بالقرب من دهوك.

لسنواتٍ طويلة عاش العراقيون ظروفاً استثنائية تركت آثاراً عميقة في نفسياتهم؛ فمن حربٍ مع إيران إلى أخرى مع الكويت، ثم سنواتٍ طويلة من حصار اقتصادي خانق انتهت بحربٍ ثالثة أسقطت نظام صدام حسين. أعقبت ذلك حالة من الفوضى والتردّي الأمني لم يتخلص العراق منها حتى اليوم.

في هذه الأجواء، لا يكاد يوجد عراقي لم يتأذ بأعمال العنف التي عرفتها بلاد الرافدين؛ أصيب في انفجار أو خسر قريباً أو عاش في خوفٍ كبير بسبب غياب الأمن ونشاط الميليشيات، أو حُوصر في منزله يُعاني قِلة الرزق بسبب اجتياح الوباء مدينته.

هذه الأوضاع ازدادت سوءاً مع انتشار فيروس كورونا، الذي فرض قيوداً على الحركة وقتل الآلاف من الناس ما ضاعف من الضغوط النفسية على العراقيين. بسببه زادت معدلات الانتحار والعنف ضد الزوجات، وهو ما أدّى لحدوث ارتفاعات كبيرة في معدلات الطلاق هذا العام لتبلغ 10 حالات كل ساعة تقريباً.

ظروف قاسية دفعت الباحث سفيان صائب في أطروحته "البناء النفسي للشخصية العراقية" إلى القول بأن نفسية العراقيين تعرضت لـ"التخريب" على مدى عشرات السنوات.

 

أعوام المعاناة

 

شهد عام 1922 إنشاء مستشفى دار الشفاء، ليكون أول مشفى للعلاج النفسي في العراق، بعدها اهتمّت الحكومة بتوفير الكوادر المؤهلة في الخارج. وبحلول 1940، كان في البلاد 15 طبيباً نفسياً متخصصاً.

في السنوات التالية جرت جهود لتحسين خدمات الطب النفسي في البلاد، فأنشئ مستشفى الرشاد عام 1953، ثم مستشفى ابن رشد سنة 1968.

شكّلت الحرب مع إيران بداية تدهور الرعاية الصحية في العراق، بعدما تم تعليق البرامج الحكومية لتأهيل الأطباء العراقيين، كما قلّت الحاجة إلى التخصّص في العلاج النفسي بسبب التركيز على علاج الإصابات التي تنتج عن الحرب. بعدها مرّ العراق بحرب الخليج الثانية وما تلاها من عقوبات اقتصادية قاسية زادت من أوضاع الرعاية الصحية النفسية سوءاً.

في 1990، قدّرت إحصائيات تقريبية أعداد العراقيين المصابين بأمراضٍ نفسية بـ197 ألف شخص، ليرتفع العدد إلى 220 ألفاً خلال أربع سنوات. وبعدها بأربع سنوات أخرى قفز العدد إلى ما يزيد عن نصف مليون فرد.

وعقب إسقاط نظام صدام حسين في 2003، وانتشار أعمال العنف في بلاد الرافدين زادت نسبة المعاناة النفسية إلى رقمٍ قياسي، قدّرته منظمة الصحة العالمية بـ10% من إجمالي عدد السكان.

 

مستويات عالية من المرض

 

بحسب دراسة تقصّت معدلات الانتحار في العراق خلال عاميْ 2015 و2016، فإن بلاد الرافدين شهدت 290 حالة عام 2015 زادت إلى 357 حالة في السنة التالية، واحتلّت بغداد والبصرة مركز الصدارة في معدلات الانتحار.

بهذه الأرقام، احتلَّ العراق المركز الخامس في قائمة أكثر الدول العربية التي يقدم مواطنوها على الانتحار. هذا النزيف استمرَّ في الارتفاع حتى بلغ العام الماضي معدل حالتيْ انتحار كل يوم.

وفي 2017، كشفت ميليسا روبيكون، الأخصائية النفسية في منظمة أطباء بلا حدود، أن كثيراً من الذكور العراقيين اشتكوا لها أنهم يشعرون بـ"عدم الفائدة وعدم الأهمية، وأنهم غير قادرين على تأمين معيشة عائلاتهم"، وهو ما يدفعهم للتعبير عن "توترهم النفسي من خلال التصرف بعدوانية".

أما الفئات "الهشة" من الأطفال واليافعين فتلك التجارب القاسية تترك فيهم أذى نفسيا أكبر، قد يتسبب في الإصابة بصعوبات التعلم أو إدمان سلوكيات تشكّل خطراً على صحتهم.

وفي 2020، نشرت منظمة أطباء بلا حدود تقريراً عن الحالة النفسية للعراقيين أكدت فيه أنها رصدت "مستويات عالية جدا من القلق والاكتئاب والوسواس بين المرضى الذين كانوا يحاولون التعافي من آثار الحرب والنزوح".

وبحسب التقرير، فإن معدلات القلق زادت من 45% إلى 68%، فيما زادت نسبة الإصابة بالاكتئاب من 10% لـ20%.

في نفس العام، أصدر مركز "البارومتر العربي" دراسة بحثية توصلت إلى أن العراقيين هم أكثر الشعوب العربية إصابة بالاكتئاب. وهو ما علّقت عليه صايمة زايي، مديرة نشاط الصحة النفسية لأطباء بلا حدود في الموصل، بأن العراقيين الذين يجاهدون للتكيُّف مع ظروف الحرب شعروا باليأس بعدما زادت أوضاعهم صعوبة بسبب انتشار فيروس كورونا.

هذه الأرقام المفزعة أكّدتها منظمة الصحة العالمية في تقريرٍ أصدرته في نفس العام، أوضحت فيه أن ازدواجية الحرب وكورونا أدّت إلى "تزايد الطلب على الخدمات النفسية" في العراق.

ووفقاً لدراسة "الطب النفسي العراق: التحديات والنتائج"، فإن تلك الإحصائيات تعكس فقط ما أمكن رصده من نسب المرضى، فقد تكون أعداد المصابين أكثر من ذلك، لأن العراقيين لا يزالون يشعرون بالعار من زيارة الطبيب النفسي، لذا فإنهم في بعض الأحيان يرفضون اللجوء إليه ويقاومون الاعتراف بأمراضهم.

 

مستشفيات تعاني

 

رغم تزايد أعداد المرضى النفسيين في العراق، فإن البلاد لا تملك إلا عددًا محدودًا من المستشفيات لمعالجة الأمراض النفسية، أشهرها: "الرشاد" و"ابن رشد" في بغداد، ومستشفى "سوز" في السليمانية.

وفرضت قِلة مؤسسات الرعاية الصحية النفسية ضغوطاً كبيرة على المستشفيات. فبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية فإن مستشفى الرشاد التدريبي، أكبر منشأة للصحة النفسية بالعراق، عدد مرضاه زاد عن 1440 برغم أنه طاقته القصوى لا تزيد عن 1200 سرير.

بالمثل، فإن مستشفى ابن رشد يشكو نقص الإمكانيات. يقول تقرير لـ"رويترز"، عن مستشفى ابن رشد للأمراض النفسية في بغداد، إنه رصد "عنابر المستشفى الكئيبة الخالية من الأثاث، والنقص في أدوية علاج الاكتئاب والذهان".

في عام 2016، بلغ حجم الإقبال على المستشفى 100 مريض يومياً، وهو ما يزيد كثيراً عن قُدرته الاستيعابية، فاضطر المرضى للوقوف في طوابير أمام الأبواب لتلقّي فرصة الدعم النفسي الذي يحتاجونه.

وإضافة إلى هذه المشاكل، فإن الحالة الأمنية المتردّية نالت من سلامة هؤلاء الأطباء بعدما تعرّضوا لتهديدات متواصلة من جماعات مُسلّحة تتوعّدهم بالقتل.

مثل هذه التهديدات أجبرت 6 منظمات غير حكومية مهتمة بالدعم النفسي على قفل أبوابها بسبب خوفها على سلامة أعضائها من الهجمات.

على جانبٍ آخر، يصطدم بعض الأطباء النفسيين بعدم الاهتمام من المرضى وأهلهم بسبب إيمانهم بأن أعراض الاكتئاب وغيرها تقع بسبب الحسد أو التعويذات الدينية، لذا فإنهم يفضّلون اللجوء إلى العرّافين أو الشيوخ بدلاً من الإنصات إلى الأطباء.

بسبب هذه الأوضاع، تقلّصت أعداد الأطباء النفسيين في "الرشاد" أكثر، ففي 2014 صرّح قاسم عبد الهادي دايخ، مدير إعلام دائرة صحة بغداد، بأن مستشفى الرشاد لم يعد يعمل فيه إلا 11 طبيباً.

وبحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية، فإن العراق يوفّر أقل من شخصين يعملان في مجال العناية بالصحة النفسية لكل 100 ألف فرد. ثلث هؤلاء العاملين بالصحة النفسية ليسوا من المتخصصين، وهو ما يزيد من أوجاع الطب النفسي في بلاد الرافدين.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.