انخفاض مقلق لمستوى نهري دجلة والفرات في العراق
انخفاض مقلق لمستوى نهري دجلة والفرات في العراق

يبحث العراق عن حلول "متأخرة" لأزمات شح المياه والتغير المناخي، في ظل تحذيرات من صيف قاس قد تتضرر البلاد فيه على مستويات عدة. 

وفي مؤتمر للمناخ الذي استضافته محافظة البصرة الجنوبية، الأحد، أكدت رئيسة بعثة الأمم المتحدة في العراق، جينين بلاسخارت، أن العراق يعاني من أزمة مياه حقيقية، مؤكدة ضرورة وجود تحرك إقليمي ودولي لوضع الحلول لتلك المعضلة.

العراق يستضيف مؤتمر المناخ بحضور دولي واسع

وعقد المؤتمر في "المحافظة الأكثر تضررا في العراق، حيث تقع ناحية مصب وصول وتدفق المياه"، بحسب عضو لجنة النفط والطاقة النيابية في البرلمان العراقي، علي شداد في حديثه مع موقع "الحرة"، معتبرا أن البذرة الأولى تم زرعها في مؤتمر المناخ. 

وقال مدير عام بيئة الجنوب، وليد الموسوي لموقع "الحرة": "بكل أسف، هناك ألفي حالة إصابة سرطانية يتم اكتشافها كل عام في منطقة البصرة، حيث أن التلوث البيئي يعتبر السبب الرئيسي في هذه الأمراض". 

وأوضح الموسوي: "من الواضح جدا حجم المشاكل البيئية على مختلف الأصعدة، هناك أزمة شح المياه، وتلوث الهواء، وتلوث التربة، فضلا عن الألغام، مشيرا إلى أن العراق يصنف ضمن أكثر خمسة دول الأكثر هشاشة فيما يتعلق بالتأثر من التغيرات المناخية". 

ووفقا لأرقام الأمم المتحدة، فإن العراق الذي تبلغ نسبة الأراضي الصالحة للزراعة فيه نحو 28 بالمئة من مساحته، يخسر سنويا حوالى 25 ألف هكتار بسبب تدهور وضع التربة، إذ أن 39 بالمئة من هذه الأراضي الصالحة للزراعة أصابها التصحر، الذي يهدد أيضا 54 بالمئة منها.

العراق يعاني من تصحر الأراضي

وقال الموسوي: "لدينا أزمة مياه واضحة، وعواصف ترابية خلال حوالي ثلث أيام السنة، وبالتالي كان لابد من عقد هذا المؤتمر لتشخيص المشاكل البيئية وإيجاد الحلول لها". 

وأضاف أن هناك الكثير من الحلول والمشاريع والبرامج التي تم طرحها لحلحلة هذه المشاكل وتصحيح الوضع البيئي. 

مفاوضات جدية مع تركيا وإيران

بالنسبة لأزمة شح المياه، أكد الموسوي أن هناك سعيا لإدارة مفاوضات حقيقية سريعة مع دول المنبع مثل تركيا وإيران، اللذين بنيا سدودا عدة، مما أدى إلى تقليل كمية المياه التي تصل إلى العراق وباتت لا تسد حاجته، في ظل التوقعات التي تشير إلى أن هذا الصيف سيكون قاسيا على المحافظات الجنوبية، وخاصة محافظة البصرة بسبب ارتفاع درجات الحرارة وقلة الأمطار. 

وقال الموسوي "الأسبوع المقبل، سيزور رئيس الوزراء، ووزير الموارد المائية تركيا حاملين هذا الملف للتفاوض حول الحصص المائية والعلاقات المشتركة بين البلدين". 

فيما ينتقد الخبير البيئي، المستشار السابق للجنة الزراعة في مجلس النواب العراقي، عادل المختار، في حديثه مع موقع "الحرة": تعامل الحكومة العراقية مع سد الجزرة التي تعتزم تركيا بناءه، "حتى الآن، لم نقم برفضه بشكل قاطع، بالرغم من أن هذا سيتسبب في خسارة كبيرة جد للعراق". 

ويعاني العراق من انخفاض مقلق لمستوى نهري دجلة والفرات.. وتتهم بغداد مراراً جارتيها تركيا وإيران بالتسبب في خفض كميات المياه الواصلة إلى أراضيها، لا سيما بسبب بنائهما السدود على النهرين.

واعتبر شداد أن هناك حلولا قريبة الأجل، وأخرى متوسطة، وثالثة بعيدة المدى يجب أن يعمل عليها العراق. 

وأكد أن المفاوضات مع دول المنبع، من ضمن الإجراءات قريبة المدى.

وكشف عن أن الحكومة العراقية تعمل على عقد مؤتمر يضم تركيا وإيران في العاصمة بغداد قريبا للتفاوض حول زيادة الإطلاقات المائية. 

وأضاف أن هذا المؤتمر لم يحدد موعده بعد، ومن المقرر أن يعلن العراق خلاله تعهده باللجوء إلى حلول متوسطة الأجل من خلال الاعتماد على التقنيات الحديثة للاستغلال الأمثل للمياه المتدفقة إليه ومن ضمنها الري بالتقطير. 

نهر دجلة في العراق

هل يكفي التشجير؟

والأحد، أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إطلاق مبادرة تشجير لمكافحة التصحر والعواصف الترابية.

وقال السوداني في كلمته بافتتاح المؤتمر إن التغيرات المناخية المتمثلة "بارتفاع معدلات درجات الحرارة، وشُحّ الأمطار، وازدياد العواصف الغبارية، مع نقصان المساحات الخضراء، هددت الأمن الغذائي والصحي والبيئي والأمن المجتمعي". 

وأشار وفق بيان صادر عن مكتبه إلى تضرّر "أكثر من سبعة ملايين مواطن عانت مناطقهم الجفاف، ونزحوا بمئات الألوف لفقدانهم سبل عيشهم المعتمدة على الزراعةِ والصيد". 

وأعلن السوداني عن مبادرة تتضمّن "زراعة خمسة ملايين شجرة ونخلة في عموم محافظات العراق، يرافقها إطلاق دليل وطني للتشجير الحضري ولأوّل مرّة في العراق". 

وشهد العراق خلال ربيع 2022 عشرات العواصف الترابية التي أنتجت مشاكل في التنفس لدى الآلاف ممن اضطروا إلى الذهاب للمستشفيات لتلقي العلاج، وأرغمت السلطات على إغلاق المدارس والإدارات العامة بشكل مؤقت وتعليق الرحلات الجوية. 

وقال مدير عام بيئة الجنوب لموقع "الحرة": "هناك مشاريع تشجير وأحزمة خضراء وللاستدامة البيئية، والذهاب باتجاه الطاقة النظيفة من خلال الطاقة الشمسة والرياح للتقليل من الأعباء الناتجة من الوقود الأحفوري". 

وأضاف أن التشجير على تخوم المدن سيساعد في تثبيت التربة وصد العواصف الترابية، وزيادة كيمات الأكسجين وتقليل نسبة ثاني أكسيد الكربون. 

لكن المستشار السابق للجنة الزراعة في مجلس النواب العراقي، عادل المختار، يتساءل في حديثه مع موقع "الحرة" عن كيفية زراعة خمس ملايين شجرة في ظل الشح المائي الذي تعيشه البلاد قائلا: "هذه خسارة للمياه".  

وأضاف أن التصدي للعواصف الترابية أمر أكبر من زراعة خمسة ملايين شجرة. 

"الحلول لم تنفذ حتى الآن" 

ويرى أن العراق لم يوجد حلولا حتى الآن، "لأن أصل المشكلة هي قلة الخزين المائي وكبر الرقعة الزراعية التي لا تتناسب مع حجم المياه". 

وأوضح أن "الاحتياطي المائي الآن أصبح 7 ونصف مليار متر مكعب، وهو أقل خزين للمياه في العراق منذ ثلاثينيات القرن الماضي، بحسب وزير الموارد المائية". 

ويؤكد أن "الأزمة أننا في العراق، لا نزال نعمل بمنظومات الري القديمة، رغم أننا ننادي منذ 2017 بضرورة إعادة النظر في السياسة الزراعية الموجودة حاليا، التي تم وضعها أيام الفيضانات والوفرة المائية، وأصبحت غير مناسبة في الوقت الحالي". 

وأضاف أن "هناك الكثير من التوصيات التي كان يجب على الحكومة العمل عليها قبل فترة طويلة، أهمها ترشيد استهلاك المياه"، محذرا من أن الخطة الزراعية قد تتوقف بالكامل في الصيف المقبل. 

وحث المختار الحكومة على إعادة جعل الثروة الحيوانية لها الأولوية. 

دعوات للاهتمام بالثروة الحيوانية التي تتأثر بسبب أزمة الدولار وقلة الواردات من الأعلاف

وأوضح أنه "على الحكومة نشر الثقافة والوعي والتدريب على الزراعة الحديثة مثل تقنية الهيدروبونيك (الزراعة من دون تربة)، التي وصلت إلى مرحلة متقدمة، وزراعة الشعير المستنبت الذي يستهلك مياه أقل وينتج كميات وفيرة، وكذلك زراعة البرسيم "الجت"، واستخدامها كأعلاف للحيوانات بدلا من زراعة الحنطة. 

وأكد أن تدريب الفلاحين سيساعد على إيجاد فرص عمل لهم، بدلا من هجرتهم للمدن الحضرية. 

من ضمن الحلول بعيدة المدى، أشار شداد إلى أن العراق يجب عليه العمل على إنشاء ما يسمى بشبه سد في محافظة البصرة، للحفاظ على كميات أكبر من المياه الصالحة للاستخدام. 

وأضاف أن "جزءا من هذه الحلول أن تكون قنواتنا لنقل المياه مغلقة بدلا من أن تكون مكشوفة، حتى نحافظ بشكل أكبر على الكميات الموجودة، فضلا عن إيقاف التجاوزات الحاصلة على القنوات المكشوفة، خلال مرور نهري دجلة من الشمال إلى المناطق الجنوبية، متوقعا أن العراق سيتعهد بالعمل عليها في مؤتمر الدول المتشاطئة الذي سيعقد في بغداد قريبا. 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب
السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب

بدأت طاجيكستان حملة قمع واسعة تستهدف المظاهر الدينية كاللحى الطويلة والحجاب، بعد اتهام عدد من الطاجيكيين بتنفيذ هجوم إرهابي كبير في موسكو، بحسب تقرير مطول لصحيفة "نيويورك تايمز".

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن تنظيم "داعش-خراسان" المتطرف، الذي ينشط في آسيا الوسطى، كان وراء الهجوم، وهو ما سلط الضوء على الدور الذي يلعبه الطاجيك المتطرفون في تنفيذ عمليات إرهابية على مستوى العالم.

وبعد اعتقال رجال طاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي على قاعة حفلات في موسكو في مارس الماضي، أدى إلى مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500، كان المواطنون هناك يتوقعون حملة قمع حكومية.

وتستعرض الصحيفة قصة فتاة طاجيكية في الـ27 من العمر، شاهدت عناصر من السلطات المحلية تحمل مقصا خارج أحد المطاعم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وهي تقص اللحى التي اعتبرت طويلة للغاية.

وتعرضت الفتاة بحسب حديثها للصحيفة إلى الاعتقال عدة مرات حتى قررت التخلي عن الحجاب حتى لا يؤثر على مستقبلها المهني.

 وتفرض الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمن، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كثيرا من القيود ومنها حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007 والمؤسسات العامة في طاجيكستان منذ عام 2009.

واعتمد البرلمان في الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة مسودة تعديلات على قانون "التقاليد والاحتفالات" والتي ستحظر ارتداء "الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية"، وهو مصطلح يستخدمه المسؤولون على نطاق واسع لوصف الملابس الإسلامية، بحسب إذاعة أوروبا الحرة "راديو ليبرتي". 

وتمنع التعديلات أيضا استيراد تلك الملابس وبيعها والإعلان عنها.

وفرضت غرامات مالية كبيرة  تتراوح ما بين 660 إلى 1400 دولار على من يخالف هذه القوانين، ما يزيد الضغط على السكان في بلد يعاني من الفقر والبطالة.

وفي عام 2018، قدمت طاجيكستان دليل الملابس الموصى بها الذي يحدد ألوان الملابس وأشكالها وأطوالها وموادها "المقبولة".

وأنشأت الحكومات المحلية فرق عمل خاصة بينما داهمت الشرطة الأسواق لاعتقال "المخالفين"، بحسب "راديو ليبرتي". 

فرق عمل حكومية في طاجيكستان تغرم النساء اللاتي ترتدين الحجاب في الشوارع

يُظهر مقطع فيديو حديث يُزعم أنه لموظفي مستشفى في جنوب طاجيكستان وهم يساعدون زائرتين ترتديان الحجاب في تنسيق غطاء الرأس "على الطريقة الطاجيكية" بربطه خلف رأسيهما كوشاح، بحسب راديو "ليبرتي". 

 

 

ويبدو أن المنطق وراء هذا هو القضاء على المظاهر العامة للإسلام المحافظ، وهو ما تعتقد الحكومة أن من شأنه أن يساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ والحد من التطرف.

ورغم هذه التدابير، يشير خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية.

ويرى لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لمنظمة "ميليتانت واير" التي تركز على بحث نشاط الجماعات المتطرفة، إن الحملة القمعية التي تقودها الحكومة قد تؤدي إلى زيادة الغضب والاحتقان الاجتماعي، مما يغذي مزيدا من التطرف بدلا من الحد منه.

وأضاف أن ردود الفعل الحكومية على الهجمات الإرهابية قد تكون بالضبط ما يسعى إليه المتطرفون، إذ يرغبون في تأجيج التوترات بين المواطنين والسلطات.

إلى جانب القمع الداخلي، زادت طاجيكستان من تعاونها الأمني مع روسيا بعد الهجوم الإرهابي في موسكو، حيث يُنظر إلى الطاجيكيين المهاجرين في روسيا بريبة متزايدة.

ويعمل حوالي مليون طاجيكي في روسيا، ما يمثل نحو 10 في المئة من سكان البلاد، وهم يرسلون أموالا حيوية لعائلاتهم في الوطن.

ولكن في أعقاب الهجمات، أصبح الطاجيكيون هدفا رئيسيا للمداهمات الأمنية في روسيا، لتفتيش مساكنهم وأوراقهم الثبوتية بانتظام.

هذا الاعتماد الكبير على روسيا لم يمنع طاجيكستان من تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، فقد بدأت أيضاً في تعزيز التعاون مع الصين، رغم التقارير التي تفيد ببناء قاعدة صينية في شمال البلاد، وهي تقارير نفتها بكين.

ووقعت طاجيكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، تهدف إلى تحسين مراقبة الأشخاص الذين يدخلون البلاد ويشتبه في صلتهم بالجماعات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن التركيز على المظاهر الدينية قد لا يكون حلا فعالا لمكافحة الإرهاب، خاصة أن بعض أفراد عائلات المتهمين في الهجوم الإرهابي في موسكو أشاروا إلى أن المتورطين لم يظهروا أي علامات خارجية على التدين أو التطرف، مما يدل على أن هؤلاء المتطرفين قد يحاولون التهرب من التدابير الأمنية من خلال الابتعاد عن المظاهر الإسلامية التقليدية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقالت جولراكات ميرزوييفا (59 عاما)، والدة أحد المتهمين في الهجوم، إن ابنها لم يكن متدينا بشكل علني ولم يظهر أي ميول للتطرف.

وأشارت إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية القاسية هي التي دفعت ابنها إلى السفر مرارا للعمل في روسيا لتوفير احتياجات أسرته.

كان المهاجمون الأربعة المتهمون يعملون في روسيا لعدة أشهر على الأقل، وكان بعضهم يقوم برحلات متكررة للدخول والخروج.

ويشير خبراء في مجال حقوق الإنسان إلى أنه بدلا من أن تعالج الدولة المشاكل الجوهرية مثل الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية، تبحث عن أمور مظهرية قد لا يكون لها علاقة بجذور أزمة التطرف. 

وقال العديد من سكان دوشانبي لراديو ليبرتي إنهم لا يدعمون حظر أنواع معينة من الملابس لأنهم يعتقدون أن الناس يجب أن يكونوا أحرارا في اختيار الملابس التي يريدون ارتدائها.