لوح جلجامش، وعمره 3500 عام، والذي يعتقد أنه هُرِّب من العراق عام 1991 بشكل غير قانوني إلى الولايات المتحدة، يظهر هنا خلال حفل إعادة اللوح إلى العراق، في متحف سميثسونيان الوطني في واشنطن العاصمة.
لوح جلجامش، وعمره 3500 عام، والذي يعتقد أنه هُرِّب من العراق عام 1991 بشكل غير قانوني إلى الولايات المتحدة، يظهر هنا خلال حفل إعادة اللوح إلى العراق، في متحف سميثسونيان الوطني في واشنطن العاصمة.

على الرغم من أن رحالة القرنين السابع عشر والثامن عشر الأوربيين أشاروا إلى بعض المواقع الأثرية في العراق، إلا أن التأريخ الفعلي للتنقيبات الأثرية التي كشفت عن حضارة بلاد ما بين النهرين لم يبدأ علمياً إلا مع الرحالة والآثاري الفرنسي بول إميل بوتا (1802- 1870) الذي استغل تعيينه قنصلاً في مدينة الموصل عام 1842 ليبدأ عمليات التنقيب في أهم مدن الآشوريين.

وفي تلك الفترة ظهر البريطانيون كمنافسين في عمليات التنقيب والاستكشاف مستغلين علاقتهم الوثيقة مع السلطنة العثمانية، ليلحق بهم فيما بعد الألمان مستفيدين من علاقتهم الناشئة مطلع القرن العشرين مع السلطان عبد الحميد ثم ضباط جميعة الاتحاد والترقي.

وكان الهاجس الذي يسيطر على منقبي تلك الحقب هو العثور على المدن المذكورة في الكتاب المقدس، بغية إثبات الوجود التاريخي لقصص التوراة. لكن مع تقدم الزمن أصبح العثور على الآثار لتعرض في متاحف عواصم تلك البلدان هو الهاجس الذي كانت تسعى وراءه البعثات الآثارية المختلفة.

في هذه الجولة نستعرض أهم مواقع مدن العراق القديم والتي تعد مواقع للتراث العالمي.

بين كالح ونينوى

بدأ الآثاري الفرنسي بوتا، صاحب الخبرة السابقة في التنقيب الأثري عن الآثار المصرية القديمة، بالبحث عن مدينة نينوى، إحدى عواصم المملكة الآشورية. فهذه المدينة مذكورة بكثافة في الكتاب المقدس، وتدور حولها الأساطير.

والغريب أن بوتا بدأ مسيرة بحثه في موقع كوي سنجق عام 1843، ثم سرعان ما تخلى عنه وتوجه إلى خورس أباد أو تل نمرود في تسمية أخرى، لاعتقاده أنه الموقع الصحيح لنينوى. ولكن الحقيقة كانت في عكس اعتقاده، إذ أن كوي سنجق هي نينوى، بينما خورس آباد الحالية هي مدينة كالح الآشورية.

عمل بوتا مع رسام ومساح فرنسي شهير يدعى إيوجين فلاندان (1809- 1889) استطاع رسم جميع المواقع والآثار التي عثر عليها في الموقع، بينما قام بوتا باستنساخ المسلات الآشورية بشكل كامل، وأغلق المواقع التي نقبها في العام 1844، معتقداً أنه أنهى مهمته، ليتبين لاحقاً أنه لم ينقب إلا في القطاع الشمالي من القصر الملكي.

وبسبب صعوبة نقل جميع موجودات القصر إلى بارس لضخامتها، قام بقص بعض الكتابات المسمارية والثيران المجنحة لتخفيف الوزن، وشحنها في زوارق لإرسالها إلى المتحف الآشوري المستحدث ضمن متحف اللوفر في بارس.

وتتويجاً لكشوفاته، نشر كتابه المعنون بـ "معالم نينوى" وهو عنوان خاطئ لأنه كان يتحدث في حقيقة الأمر عن مدينة كالح.

في أثناء وجود بوتا في موقع كوي سنجق عام 1843 زاره الرحالة وعالم الآثار البريطاني وستن هنري لايارد (1817 - 1894) وأبدى حماساً للدخول في تجربة التنقيب الأثري بعد أن عاين بعينيه بعض الآثار المكتشفة.

وبتمويل من بريطانيا، حيث كشفت تنقيبات لايارد في موقع خورس آباد (تل نمرود) عن ألواح جداية ضخمة وقصر أسرحدون ولوحات جدارية لمعارك أشور ناصر بال الثاني.

وتواصلت تنقيبات الآثاري البريطاني حتى عام 1847 في موقع كوي سنجق وتوصل إلى أنها نينوى. وقد حصل خلال ذلك على منح حكومية بهدف تزويد المتحف البريطاني بآثار آشورية مهمة أبرزها الثيران المجنحة.

وفي عام 1848 أصدر كتابه "نينوى وأثارها" قبل أن يعود ليكتشف مكتبة أشور بانيبال الملكية في قصر سنحاريب، والتي تضم 22 ألف لوح طيني بالكتابة المسمارية، وليصدر بعدها كتابه الثاني "اكتشافات في خرائب نينوى وبابل".

تواصلت التنقيبات في الموقعين من جانب البعثات البريطانية بمشاركة الآثاري العراقي هرمز رسام (1826- 1910) وآخرين، ونُقِلت كميات كبيرة من الآثار إلى المتاحف الأوربية.

وخلال الفترة ما بين 1929 و1932 تواصلت التنقيبات وأسفرت عن اكتشاف موقع قصر آشور ناصربال الثاني. وتناوب على الاكتشافات علماء الآثار البريطانيون والأميركيون إلى وقتنا الحاضر.

وفي العام 1988 اكتشفت مجموعة كبيرة زادت على 600 قطعة ذهبية وأحجار، أطلق عليها كنز نمرود. واختفت لفترة من الزمن ثم عثر عليها مخبأة في قبو عام 2003. وحالياً تتوزع آثار هذه المدينة على عدد من المتاحف العالمية، خصوصاً المتاحف البريطانية.

 

آشور العاصمة

 

تعد مدينة آشور العاصمة الأولى للمملكة الآشورية، وبقيت كذلك حتى نقلها الملك آشور ناصربال الثاني (حكم  من 883 إلى 859 قبل الميلاد) وتقوم عليها حالياً قلعة الشرقاط على مسافة 110 كم جنوبي الموصل، وهي تشكل القطب الثالث من مثلت العواصم الآشورية الثلاث إلى جانب كالح ونينوى.

ومنذ العام 612 قبل الميلاد اندثرت هذه المدينة ولم تقم لها قائمة حتى أعاد الآثاري البريطاني أوستن لايارد اكتشافها في عام 1847، حيث عثر فيها على أول تمثال للملك الآشوري شلمنصر الثالث.

وفي عام 1849 كشف عن كتابات مسمارية تعود للملك أداد نيراري الأول (1305-1274ق.م). وفي مطلع القرن العشرين تمكن المنقبون الألمان برئاسة روبرت كولدفاي (1855- 1925) من رسم مخطَط لمنطقة بوابة تابيرا، وقصر الأواوين المميز.

 

أهملت المدينة بعد تنقيبات البعثة الألمانية وأعيد الاعتبار لها في العام 1978 على يد بعثات وطنية عراقية أطلقت مشروع الإحياء الأثري الذي تضمن أعمال التنقيب، والصيانة، والترميم للمعالِم الأثرية في المدينة، مثل: الأبواب، والقصور، والشوارع.

وخلال هذه الفترة عثر على غرف، وساحات، وبقايا بوابات، وعدد كبير من الكؤوس، والجِرار، بالإضافة إلى رقيم طينيّ عليه كتابة مسماريّة.

أما المعالم الرئيسية في مدينة آشور؛ فهي الأسوار التي تحيط بالمدينة من الداخل، والخارج، وزقُّورة كبيرة مخصصة للعبادة، ما تزال قائمة إلى اليوم بحالة جيّدة، وبحجمها الكامل عدا الجزء السُّفلي منه. وإلى الغرب منها بقايا زقورتين أُخريين، إلّا أنَّهما أصغر حجماً.

وضمت المدينة أيضا خمسة وثلاثين معبداً، من أهمها: معبد آشور، ومعبد شمش، ومعبد عشتار، ومعبد مردوخ، ومعبد نبو، وكذلك عدد من القصور الملكية. وتتوزع آثار مدينة آشور اليوم على العديد من المتاحف البريطانية والألمانية خصوصاً.

 

أور.. مدينة إبراهيم!

حظيت مدينة أور باهتمام كبير من جانب الرحالة والآثاريين الغربيين منذ القرن السادس عشر بسبب ارتباطها بالنبي إبراهيم. وكان العثور عليها وبدء التنقيب في خرائبها عام 1922 حدثاً عالمياً، تصدى له كل من المتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا الأميركية.

وحين اكتشف السير ليونارد وولي (1880-1960) المقبرة الملكية، عدَّ الإعلام ذلك الحدث نظيراً ومنافساً لاكتشاف قبر توت عنخ آمون الشهير الذي ضج به العالم قبل ذلك بأشهر قليلة.

وكان وولي بأمل باكتشاف مثير مماثل. وحين عثر على المقبرة الملكية التي تضم قبور ستة عشر ملكا وملكة منها قبر الملكة بو آبي وكنوزها، المعروفة إعلامياً باسم الملكة شبعاد، ظن أنه تفوق على مكتشفي قبر توت عنخ آمون!

وعثر وولي أيضا على مجمع كبير من المقابر أطلق عليه اسم "حفرة الموت العظمى"، حيث وجد فيها ستة حراس مدججين بالسلاح وستة وثمانين خادمة، ارتدين أشرطة من الذهب والفضة جمعن بها شعورهن ما عدا واحدة منهن كانت ما تزال تحمل بين يديها شريطها الفضي الملتف الذي لم تستطع ربطه قبل أن تسقط بتأثير الجرعة المنوِّمة التي حملتها دون ألم إلى العالم الآخر برفقة سيدتها.

ولكن الكشف الأهم بحسب اعتقاد وولي كان آثار الطوفان الذي تحدث عنه الكتاب المقدس. غير أن الملاحظات التي سجلها مساعده ماكس مالوان (1904 - 1978) أظهرت أن الأمر لا يتجاوز فيضانات نهرية عادية، وليس فيضاناً عالمياً مثل الذي يذكر في الكتاب المقدس.

أما أشهر آثار أور فهي الزقورات، وهي معابد للآلهة السومرية تبنى بطريقة مدرجة، وتتألف الزقورة من عدة طبقات. وأهمها في تلك المناطق زقورة أور في الناحية الشمالية الغربية من حي المعابد. وتتوزع آثار أور المنقولة حالياً على عدد من متاحف العالم.

 

بابل 

 

تعد مدينة بابل واحدة من المدن التي كانت تحظى باهتمام كبير من جانب الرحالة على مر التاريخ، وكان ثمة إجماع على موقعها، نظراً لأن أبناء البلاد كانوا يسمونها بابل أيضاً. وأول من اهتم بها علمياً، كان الباحث البريطاني كلوديوس جيمس ريتش (1808- 1836) الذي عني برسم خرائط الموقع.

لكن التنقيب الأثري الفعلي بدأ على يد أوستن هنري لايارد عام 1850. غير أن لايارد سرعان ما شعر بالملل من هذا الموقع الذي لا يفصح كثيراً عن آثاره، فغادر إلى شمال العراق ليواصل أعماله في المدن الآشورية الغنية باللقى، الأمر الذي أتاح لعالم الآثار الفرنسي فلجانس فرينل (1795- 1855) مواصلة التنقيب والعثور على اكتشافات ضئيلة في المقابر على وجه التحديد. وقد فشل الفريق الفرنسي في نقل الآثار التي عثر عليها إلى باريس بسبب هجوم قبائل بدوية عليها وغرقها بالقرب من قضاء القرنة في البصرة عام 1855.

وفي سبعينات القرن التاسع عشر استؤنفت التنقيبات البريطانية تحت إشراف عالم الآثار العراقي العامل لصالح البريطانيين هرمز رسام، والذي نجح في استعادة العديد من القطع إلى المتحف البريطاني. وقد توقفت الحفريات البريطانية بسبب شكوك تتعلق بتورط هرمز رسام في عمليات تنقيب سرية، قبل أن يبدأ اهتمام الألمان ببابل لاحقا، حيث وصل عالم الآثار الألماني روبرت يوهان كولدوي إلى بابل وقرر تولي زمام أعمال التنقيب على نطاق غير مسبوق.

مائة عام على تأسيس المتحف العراقي.. "البحث عن مساحة"
تحل هذا الأيام الذكرى الـ 100 على تأسيس المتحف العراقي، الذي يعود تاريخ إنشائة إلى العام 1923، حين افتتح داخل غرفة لا تتجاوز مساحتها 27 متراً مربعاً. وهي الغرفة التي شكلت النواة الأوّلى لعمليات التحديث المستمرة، وصولاً إلى المتحف الحالي الذي يعد من أهم المتاحف العالمية نظراً لما يحتويه من قطع فريدة تُمثل حضارات العراق المتعاقبة.

بدأت البعثة الألمانية في بابل بالتنقيب في عدة مواقع في الوقت نفسه، وبلغ عدد العاملين فيها حوالي 250 منقباً وخبيراً. وكان الفريق الألماني يهدف أيضاً إلى التنقيب في المواقع المجاورة، وتحديداً في بورسيبا وشاروباك ثم آشور، وقد تواصلت العمليات حتى العام 1917، أي عام انسحاب العثمانيين من العراق.

ومن أهم المكتشفات الألمانية إعادة بناء وتجميع جدران شارع الموكب وبوابة عشتار في متحف بيرغامون في برلين.

لم تستأنف أعمال التنقيب الأثرية في بابل إلا في عام 1962 ثم بين عامي 1967 و1973، حيث نقبت الفرق الألمانية في منطقة الزقورة وغيرها من المباني، لا سيما في المجمع الديني الذي توافقت صفاته مع صفات معبد بابل الكبير، وكان مخصصاً لمهرجان الأكيتو البابلي.

وفي عام 1974 دخلت بعثة إيطالية مدينة بابل، وكان هدفها إجراء مسوحات طبوغرافية تهدف إلى تصحيح واستكمال أعمال التنقيب ما بعد فترة كولدوي، لاسيما تسليط الضوء على الارتفاع الحقيقي الذي وصلت إليه المدينة، وما يتعلق بالمشاكل الهيدروغرافية لموقعها. وفي عامي 1979 و1980 نقب فريق آثار عراقي داخل معبد نابو، وعثر على كمية كبيرة من الألواح الطينية. توقفت أعمالُ التنقيب في بَابِل نهائيًا عام 1990 نتيجةً لحَرب الخليج الأولى.

 

نيبور وإيسن

 

من المدن المهمة جداً في تاريخ حضارات بلاد الرافدين مدينة نيبور، أو نفر بتسمية آخر، وموقعها حالياً إلى الجنوب من بغداد على مسافة 170 كم. خضعت نيبور لحكم سلالات السومريين والآكديين والآشوريين. وقد بدأت عمليات التنقيب فيها ابتداء من عام 1888 من جانب جامعة بنسلفانيا الأميركية.

أسفرت تنقيبات ذلك الزمن عن التعرف على المدينة وتاريخها، وما قدمته للحضارة البشرية من حيث وجود ما يدل على المكتبة الأولى في التاريخ البشري، والصيدلية الأولى، وتم التعرف على مخطط المدينة وطبقاتها الأثرية، كما عثر على نصوص اقتصادية ورياضية وفلكية وأدبية ودينية أهمها أقدم تقويم زراعي فيه أقدم المعلومات عن طرق الزراعة والري التي كان يمارسها سكان العراق القديم.

ويوضح التقويم الزراعي أن طرق الري والزراعة التي كانت تمارس في تلك الأزمنة لاتختلف في شيء عن طرق الري والزراعة التي يتبعها الفلاح العراقي المعاصر. ولعل أشهر آثار نيبور زقورتها الشهيرة الموجودة فوق تل ترابي، وترى من مسافة بعيدة.

وإلى الجنوب من نيبور على مسافة 24 كم اكتشفت بقايا مدينة إيسن التي تعاقب على حكمها سلالات مثل سلالة إيسن الأولى، وسلالات سومرية وبابلية. وقد عملت في المنطقة بعثتان استكشافيتان من جامعة بنسلفانيا وفيلادلفيا الأميركيتين في نهاية القرن التاسع عشر، وكذلك بعثة ألمانية بين سنتي 1902 و1903.

وفي زمن الحرب العالمية الأولى اكتشفت في إيسن ألواح مسمارية تحمل إحداها اسم مدينة إيسن، وقطع تعود إلى حقبة الملك نبوخذ نصر الثاني. وقد اكتملت أهم عمليات استكشاف المنطقة سنة 1980 عن طريق فريق علماء آثار ألمان.

 

أوروك

 

تعد مدينة أوروك أو الوركاء أهم مدن حضارة بلاد ما بين النهرين وأقدمها، إذ تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد. تبعد هذه المدينة حوالي 30 كم شرق مدينة السماوة في محافظة المثنى العراقية حالياً. وفيها عرف العالم النماذج الأولى للكتابة الصورية التي تطورت إلى الكتابة المسمارية المقطعية المعروفة.

ظهرت ملحمة جلجامش الشهيرة في هذه المدينة، وبقيت محافظة على مكانتها الدينية ومركزاً لعبادة الآلهة عشتار لقرون طويلة، إلى أن فقدت أهميتها قبل أربعة آلاف عام من الوقت الراهن، بعد أن احتلها البابليون والعيلاميون.

تم تحديد موقع أوروك جغرافيا عام 1849 من جانب عالم الآثار البريطاني ويليام لوفتس (1821- 1858)، ولكن عمليات التنقيب الجدية فيها كانت على يد البعثة الألمانية بقيادة الآثاري كولدوي منذ مطلع القرن العشرين وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى تقريباً.

استؤنفت عمليات التنقيب في المدينة قبيل الحرب العالمية الثانية وتواصلت إلى العام 1954 حيث اكتشف فيها الكثير من الوثائق التاريخية المكتوبة.

وتغلب على آثار أوروك المشغولات الفخارية والأوعية المعدنية، ووجد فيها بقايا زقورات، ومعبد "إي أنا" الأبيض ومعبد آنو إله السماء، وتتوزع آثارها بين ألمانيا وفرنسا حيث يحتفظ متحف اللوفر ببعض قطعها الأثرية.

 

لكش

 

أما مدينة لكش التي حظيت اكتشافاتها قبل فترة بتغطية إعلامية كبيرة، فهي واحدة من أهم وأقدم المدن السومرية. تقع حالياً في محافظة ذي قار في قضاء الدواية، وتحيط بها الأهوار من ثلاث جهات.

اكتشفت المدينة من جانب بعثة أثرية فرنسية بقيادة أرنست دي سارزك (1832–1901) عام 1877، والذي كان يومها قنصلاً لبلده في ميناء البصرة. وقد تفرغ دي سارزك لهذه المدينة حتى وفاته عام 1901، ليكمل المهمة من بعده الفرنسي كاستون كروس.

تمثال لجوديا أمير مملكة لكش المستقلة في أواخر الألفية الثالثة قبل الميلاد.
عمرها 4700.. اكتشاف حانة في العراق يكشف جوانب مخفية من الحياة القديمة
كشف علماء آثار من جامعتي بنسلفانيا الأميركية وبيزا الإيطالية النقاب عن اكتشاف أثري هام، في مدينة لكش السومرية (موقع "تلول العباء" جنوبي العراق)، يشكل الدليل المادي الأهم على وجود حانة عمومية قبل 4700 عام. ويتكامل هذا الاكتشاف مع اكتشاف آثاري سابق قبل خمس سنوات في موقع "كاني ماسي" في محافظة دهوك (إقليم كردستان العراق) ليلقيا مزيداً من الأضواء على مجتمع بلاد ما بين النهرين، بوصفه واحداً من أقدم المجتمعات الحضرية في العالم.

وقد بلغ عدد الألواح الطينية بالكتابة المسمارية التي اكتشفت فيها حوالي 30 ألف لوح، تضمنت معاملات تجارية، ووسائل إيضاح لزراعة الأرض وتربية المواشي.

عانت المدينة من الإهمال عقوداً طويلة، وسرقت الكثير من وثائقها إلى أن عادت إليها بعثات التنقيب عام 2019 كجزء من مشروع مشترك بين متحف الآثار والأنثروبولوجيا في جامعة بنسلفانيا، وجامعة كامبريدج، ومجلس الدولة للآثار والتراث العراقي.

وباستخدام تقنيات حديثة كالتصوير الفوتوغرافي، عبر الطائرات المسيرة والتحليل الجيني، تم الكشف عن مجموعة من الأواني الفخارية و6 أفران، وحانة عمرها 5000 سنة، ونظام تبريد لحفظ الأطعمة والمشروبات باردة بتقنية تعتمد على امتصاص الرطوبة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".