تتواجد أغلبية العمال الأجانب في قطاع النفط بحسب تقديرات غير رسمية- تعبيرية
يسند مشروع قانون النفط والغاز مسؤولية إدارة الحقول النفطية إلى شركة وطنية للنفط- تعبيرية

ما زال مشروع قانون النفط والغاز في العراق ينتظر التشريع في مجلس النواب بعد مرور 18 عاما على صياغته، إذ تم ترحيله مرات عديدة خلال الدورات البرلمانية السابقة، لكنّ الخلافات السياسية حالت دون تمريره.

ويسند مشروع قانون النفط والغاز مسؤولية إدارة الحقول النفطية إلى شركة وطنية للنفط يشرف عليها المجلس الاتحادي للنفط والغاز. 

وتنص المادة الخامسة من المشروع على تأسيس المجلس الاتحادي للنفط والغاز يرأسه رئيس مجلس الوزراء أو من يخوّله، ويضم في عضويته وزراء المالية والنفط والتخطيط ومحافظ البنك المركزي وممثل عن إقليم كردستان بدرجة وزير وممثل عن المحافظات غير المنتظمة في إقليم، إلى جانب رئيس شركة النفط الوطنية وشركة تسويق النفط وخبراء مختصين في مجالات النفط والغاز والاقتصاد والمال.

ويأمل الشارع العراقي من خلال تشريع القانون، إيجاد حل جذري حلا جذريا لمشاكل النفط والغاز وتوزيع الثروات في العراق وحسم ملف النفط والغاز بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، التي تمثل إحدى المشاكل العالقة بين الجانبين.

 

"فراغ قانوني"

يقول الخبير العراقي في قطاع النفط، كوفند شيرواني، إن الحكومتين (اتحادية وإقليم) اتفقتا بعد جولات من المحادثات، على بعض الخطوط العامة من القانون المقترح.

ولكن أبرز العوائق في طريقه، كما يوضح شيرواني لـ"ارفع صوتك": "التفسير المتباين في تفسير المواد الدستورية التي تخص النفط وتسويقه وإدارة العائدات، والاختلاف بين العقود النفطية التي تعتمدها كل حكومة مع الشركات الأجنبية".

ويؤكد أهمية إقراره، مبيناً "وجود فراغ قانوني في إدارة قطاع النفط والغاز مستمر منذ أكثر من عقد ونصف، وهو غريب وغير مقبول في بلد يمتلك رابع أكبر احتياطي في العالم، ويمثل ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة الأوبك، كما أن احتياطات الغاز فيه تجعله في المرتبة 11 أو 12 عالمياً".

ويحذر شيرواني من أن "الإخفاق في تمرير هذا القانون سيؤثر سلبا على الملفات الأخرى العالقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، وهي ملفات المالية والبيشمركة والمادة 140"، بينما إقراره سيشكل تأثيراً "إيجابياً".

 

"غموض وتناقض"

ويعتبر تشريع قانون النفط والغاز جزءا رئيسا من الاتفاق السياسي الذي أبرمته الأطراف المشاركة في تحالف "إدارة الدولة" المشكل للحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني.

وفي إطار المفاوضات الجارية بين بغداد وأربيل منذ خمسة أشهر لحل المشاكل العالقة بينهما، أُنيطت مهمة حسم النقاط الشائكة في ملف النفط والغاز إلى اللجان التفاوضية المختصة به، التي تشير مصادر حكومية من الجانبين إلى قرب انتهاء عملها، بالتالي عرض قانون النفط والغاز على البرلمان لقراءته ثم التصويت عليه قريباً.

من جهته، يرى الحقوقي هاني البصري "ضرورة تأجيل هذه القوانين لحين إتمام التعديلات الدستورية المقترحة"، معتبراً أن "قانون النفط والغاز أحد القوانين الصعبة".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "لأن المواد 111 و112 من الدستور التي من المؤمل أن يرتكز عليها تشريع القانون، يشوبها الغموض والتناقض. ففي حين تنص الأولى على أن النفط والغاز ملك لجميع أفراد الشعب العراقي في جميع الأقاليم والمحافظات، تفرق الثانية بين الحقول الحالية واللاحقة، فأعطت حق إدارة الحقول الحالية فقط إدارة مشتركة بين الأقاليم والمحافظات المنتجة وبين الحكومة المركزية. وهذا يعني عدم أحقية الحكومة المركزية بالمشاركة بإدارة كل الحقول التي اكتشفت بعد إقرار الدستور في كل أنحاء العراق".

"ويضع ذلك الحكومة المركزية في حرج كبير، فإذا أعطت هذا الحق لإقليم كردستان يتوجب عليها إعطاءه لبقية المحافظات المنتجة، وإن أعطته كردستان دون المحافظات الأخرى يكون القانون مخالفاً للدستور، ومن السهل الطعن بعدم دستوريته أمام المحكمة الاتحادية ثم إلغاؤه".

وكان ملف النفط والغاز في مقدمة الملفات التي بحثها السوداني مع حكومة كردستان، خلال زيارته إلى أربيل في 14 مارس الحالي.

في السياق، يستبعد الناشط القانوني عمار سرحان، تمرير القانون بسهولة، لأن "تأخير تشريع قانون ينظم إدارة النفط والغاز بعد هذه المدة الطويلة، ترتبت عليها تعاقد إقليم كردستان وجولات تراخيص وبيع نفط الإقليم سنوات طويلة". 

ويقول سرحان لـ"ارفع صوتك": "لا أعتقد أن هذا القانون سينهي مشاكل العراق في مجال النفط والغاز، لأن الدولة ما زالت تتعامل بقوانين مجلس قيادة الثورة المركزية السابق، إلا إذا تحملت الحكومة الاتحادية مسؤوليتها وطبقت الدستور وأعطت حق الإدارة المطلقة للحقول الجديدة بعد كتابة الدستور، للإقليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز، حينها يمكن أن تُحل المشكلة".

الكاتب والمحلل السياسي علي البيدر، يقول إن " تمرير مشروع قانون النفط والغاز يحتاج رؤية اقتصادية لا سياسية، تكون نابعة من التطورات الأخيرة على المستوى العالمي".

ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن تشريع القانون "سيخفف الكثير من الأزمات وسيمنح السلطات المحلية سلطات أكثر، وإمكانية إقراره من قبل الحكومة الحالية متوقفة على التوافقات السياسية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.