صورة بعدسة عمار عبد ربه التقطها في الأيام الأولى لسقوط نظام صدام حسين في بغداد
صورة بعدسة عمار عبد ربه التقطها في الأيام الأولى لسقوط نظام صدام حسين في بغداد

قبل أسابيع من دخول الجيش الأميركي إلى بغداد وإسقاط نظام صدام حسين، كان المصوّر السوري- الفرنسي عمّار عبد ربه قد وصل إلى العاصمة العراقية لتغطية أحداث الحرب التي انطلقت في العشرين من آذار/مارس من العام 2003.

كان من المفترض أنه يغطي الأجواء هناك، لكن إذا وقعت الحرب، كان الاتفاق مع وكالة الأنباء الفرنسية "أباكا برس" التي يعمل لصالحها، أن يغادر عمار فوراً حفاظاً على سلامته.

"لكن "شعرتُ بعد أسابيع من الاحتكاك بالعراقيين أنه من الصعب علي المغادرة ومتابعة الحرب من بعيد"، يقول لـ(ارفع صوتك)، فقرر حينها البقاء في بغداد، "في البداية كنت في فندق ميليا منصور ثم انتقلت إلى فندق فلسطين الشهير، وبعد استهدافه انتقلت إلى فندق أصغر في حي الكرادة".

فور وصوله بدأ عبد ربه بالتقاط الصور للشارع العراقي الذي كان يستعد للحرب في ظل سطوة النظام السابق الذي كانت استخباراته تعمل على تعزيز صورة الزعيم وتلميعها في الشوارع. بدا أن أولوية القبضة الاستخبارية للنظام البعثي، قبل الغزو، هي تثبيت رمزية قيادة صدام حسين والتسويق لـ"صموده"، كما يظهر من الصور التي التقطها عبد ربه، لأشخاص ينظّفون صور صدام، وآخرون يقومون بتنظيف تمثاله الشهير الذي أسقط لاحقاً، باستخدام خراطيم المياه.

رشّ تمثال صدّام حسين بالمياه قبل سقوط النظام

هذه الصور التي بدأ عبد ربه بنشرها على حسابه على إنستغرام، بمناسبة مرور عشرين عاماً على تحرير العراق، يستعيد معها المصور المحترف ذكريات ومشاهدات، ويخص "ارفع صوتك" بصور من أرشيفه وبانطباعاته من تلك الفترة التي يعتبرها أساسية من سيرته المهنية كمصوّر محترف.

كان الخوف، كما يتذكر عبر ربه، "جزءاً أساسياً من جمهورية البعث"، نظراً إلى "الجرائم التي ارتبطت بنظام صدام حسين من خطف وقتل وتعذيب"، وكان العراقيون ، يتابع عبد ربه، "حذرون جداً في التعامل مع أي أجنبي، غير عراقي، وما يمكن أن يكلفهم هذا التواصل، إذا عاقبهم عليه النظام".

يقول عبد ربه إنه لمس أملاً كبيراً لدى عدد من "الأصدقاء العراقيين" في الأيام الأولى لسقوط بغداد، بـ"التخلص من صدام، لكنهم كانوا يخافون من أن الآلاف من عناصر استخباراته لا تزال بين الناس، فضلاً عن خوفهم من المستقبل وضبابية ما سيحدث لهم في ظل الحرب ونتائجها". كما كان هناك أمل، بحسب عبد ربه، بتحسن الوضع الإقتصادي بعد الحصار الذي دام سنوات طويلة: "قبل أسابيع من سقوط صدام كانت الرواتب مخيفة لجهة ضآلتها، بعض الرواتب لا تزيد عن عشرين دولاراً أميركياً حتى لبعض الأطباء".

نصب تذكاري لصدام حسين وقد كتب عليه عراقيون "السفاح" بعد سقوط النظام

يتذكر عبد ربه أن الممنوعات المتعلقة بالتصوير في العراق كانت كثيرة جداً، وكان صعباً على المصوّرين التحرك في ظل الحضور المخابراتي الكثيف في الشوارع، لكن كان الحل يكمن بـ"الرشوة" كما يقول، حيث "يمكن عبر دفع دولارات قليلة لعناصر أمنية الحصول على أذونات تصوير لأماكن تعتبر حساسة".

قبل سقوط بغداد، التقط عبد ربه صوراً لعراقيات يحملن السلاح ويعبّرن عن رغبتهن بالدفاع عن النظام. لكنه للمفارقة يتذكر أنه شاهد إحدى السيدات كانت تهتف قبل سقوط النظام "بالروح بالدم نفديك يا صدام"، وبعد انهيار جيش صدّام، سمعها تؤكد على ضرورة إلقاء القبض على الرئيس العراقي واولاده بأسرع وقت ممكن. تفسير ذلك، بحسب عبد ربه، يعود إلى "الخوف الذي كان يتحكم بالناس ويمنعهم من التعبير عن مشاعرهم وآرائهم".

ومن الصور التي التقطها عبد ربه، والتي تظهر الفارق بين بغداد ما قبل سقوط النظام وما بعده، تماثيل وصور صدام حسين، التي بدا أن هناك حرصاً على تلميعها وتنظيفها وتعزيزها قبل الغزو.

عراقي ينظّف لوحة عملاقة لصدّام حسين

فيما تظهر جميع الصور التي التقطها عبد ربه لاحقاً لتماثيل وصور صدّام، عمليات تلطيخها وتمزيقها وتحطيمها من قبل مواطنين عراقيين، اطمأنوا إلى سقوط النظام وشعروا بحرية التعبير عن كراهيتهم لرمزه الأوحد صدّام.

صورة ملطخة بالأسود لـ"المطلوب" صدّام حسين

"أحبها كثيراً"، يقول عبد ربه عن صورة التقطها في تلك الفترة، تظهر تمثال مؤسس حزب البعث ميشال عفلق وقد حمّله جنود أميركيون راية لفصيلة عسكرية، بعد انتشارها مع آلياتها العسكرية في المكان. ولهذه الصورة، بعناصرها، رمزة كبيرة عن سقوط البعث.

آلية عسكرية أميركية قرب تمثال ميشال عفلق مؤسس حزب البعث

كما أنه يتذكر دخوله إلى متحف بغداد حيث وجد مواطنين عراقيين تركوا عائلاتهم وعرضوا أنفسهم للخطر للحفاظ على ما تبقى من آثار داخل المتحف بعد ان تعرض لموجة من السرقة والنهب.

أما الانطباع الأوضح الذي شكّله عبد ربه عن صدّام حسين وشخصيته، فقد رآها من خلال قصوره وقصور أبنائه بعد الدخول إليها والتقاط الصور لها.

جندي أميركي يجلس أسفل لوحة لعدي صدام حسين وهو يلاعب نمراً!

واحدة من الصور تظهر جندياً أميركياً يجلس على مقعد فخم ومذهّب أسفل صورة لعدي صدام حسين مع أبيه وأمه وهو يلاعب نمراً: "ما رأيته هناك كان قمّة في الذوق القبيح، أو انعدام الذوق حتى، والنرجسية وحداثة النعمة، حيث يظهر صدام في كثير من التفاصيل، ورأسه منحوت حتى على الأعمدة والمداخل في بعض القصور، ومعظم اللوحات والصور المعلقة على جدران هذه القصور تتمحور حول صدام حسين وعائلته وأولاده".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".