عراقيون يشاهدون التلفاز في أحد مقاهي العاصمة..أرشيف
عراقيون يشاهدون التلفاز في أحد مقاهي العاصمة..أرشيف

يحتدم الجدل في العراق، على وسائل التواصل الاجتماعي وحتى داخل البرلمان، حول ما يوصف بالإساءات التي تنطوي عليها أعمال تلفزيونية رمضانية. فبالإضافة إلى مسلسل "معاوية" الذي حظر العراق عرضه، أثار مسلسلان آخران ضجة مع بدء عرضهما بداية رمضان الحالي.

المسلسل الأول "دفعة لندن" هو إنتاج قناة MBC السعودية عن قصة كاتبة كويتية، يتحدث عن يوميات طالبات من دول عربية مختلفة في العاصمة البريطانية.

المشهد الذي أثار الجدل كان ظهور طالبة عراقية على أنها "خادمة" لزميلاتها الخليجيات، ما دفع عراقيين إلى الاعتراض على أساس أن المسلسل "ينتقص" من العراقيات.

وتصاعد الجدل ليتحول إلى ما يشبه أزمة علاقات عامة بين العراقيين والكويتيين، واتهم عراقيون الدراما الكويتية بأنها "تتعمد" الانتقاص من العراقيين بشكل ممنهج.

 ويطالب هذا المدون العراقي "الجهات المسؤولة" بإدانة العمل الكويتي "السافر".

"حساسية العراقيين"

يقول الباحث الاجتماعي، د. علي المعموري، إن "الحساسية بين العراقيين والكويتيين تعود إلى فترة الغزو العراقي للكويت عام 1990، حيث بقي نوع من العداء والتحسس بين الشعبين".

ويضيف المعموري لموقع "الحرة" أنه "نتيجة لهذه الحساسية، تتحكم النخب الثقافية بالحوار بين الشعبين، ويمكن أن تسبب تغريدة أو مشهد فني إساءات متبادلة".

يقول المعموري إن "أحد العوامل التي تزيد التوتر أيضا هو حالة الإحباط التي يعيشها العراقيون، مع تفاقم المشاكل التي يمر بها الناس على الصعد الاقتصادية والسياسية، والتي غالبا ما يتخوف كثيرون من التعبير عنها من الحساسية المفرطة، كما أن وجود موضوع مثل هذا يمكن أن يكون قناة تفريغ للإحباط والغضب الحقيقي الذي يتعذر الحديث عنه بسبب المخاوف من الملاحقة أو من التعرض للانتقام".

وفي الكويت، كانت أغلب ردود الفعل رافضة لما اعتبر "إيحاءات مسيئة للعراقيين" على الرغم من أن بعض المغردين تساءلوا عن المشكلة في وجود عراقية فقيرة أو خادمة في مشهد درامي.

 ويقول هذا المغرد الكويتي إن "الهدف من المسلسل هو الفرقة والقطيعة.

وتعبر هذه المغردة عن استغرابها زعل "اخوانا العراقيين"، مشيرة إلى أن "العمل الشريف ليس عيبا أو حراما".

وعاد مغردون آخرون ليتبرأوا من نسبة العمل إلى الكويت، وقالوا إن المسلسل إنتاج سعودي، وأن الكاتبة "ممنوعة من الكتابة في بلدها".

البرلمان العراقي يدخل على الخط

المسلسل الآخر هو مسلسل درامي عراقي عنوانه "الكاسر" أثار عرضه ضجة بعد أن صور نجل شيخ قبيلة من جنوب العراق في جلسة رقص.

وأثار المسلسل ردود فعل وصلت إلى البرلمان العراقي حيث طالب نواب هيئة الإعلام والاتصالات بوقف عرضه، ما دفع الهيئة إلى إصدار أمر لقناة UTV المحلية بوقف المسلسل.

ويقول المعموري لموقع "الحرة" إن كون "القناة مملوكة لسياسي سني أثار حساسيات مشابهة للمسلسل الخليجي إذ أدى بالمشاهدين إلى احتساب أنفسهم في المعسكر المقابل مما يرفع نسبة التحسس من كل ما يعرض".

ووفقا للمعموري "لو كانت القناة لمالك شيعي أو من الجنوب لكانت الحساسية أقل بكثير".

وأثار عرض المسلسل انتقادات من جهات شيعية غالبا، منها ميليشيا "عصائب أهل الحق"، وحتى رجال دين.

"الترند هو السبب"

ويقول خبير التسويق الإلكتروني الصحفي أحمد حيدر إن "الترند" هو أحيانا سبب في زيادة اللغط بشأن موضوع.

ويضيف حيدر لموقع "الحرة" أن "انتشار موضوع ما يدفع كثيرين للحديث عنه، والبعض يحاول البروز من خلال تبني لهجة أكثر حدة أو تطرفا مما يزيد الوضع سوءا".

لكن حيدر يقول إن "حظر الأعمال الفنية أو حظر النقاش غير مجد، حيث إن الحظر أو الاستجابة للطلبات المتطرفة يشجع على ملاحقة الأعمال الفنية والمطالبة بحظرها ويخلق سوابق يتحكم بها الرأي العام بالمادة الفنية بينما يفترض أن تفتح الأعمال الفنية النقاش داخل المجتمع".

ويتساءل حيدر عن جدوى إنتاج أعمال فنية لا تسبب الجدل أو تثير النقاش".

ويعتقد مصطفى بهجت، وهو كاتب سيناريو مشارك في عدد من الأعمال الفنية في العراق إن "الافضل هو النقاش والتحليل والمقارنة والربط التاريخي وتقديم الدلائل التي تجعل من الفرضية الدرامية للعمل المرفوض في محل سخرية بسبب المخالفات الفنية والتاريخية والاجتماعية والمنطقية كذلك".

ويقول بهجت لموقع "الحرة" إن "الحظر يقدم دعاية غير مقصودة للعمل المطلوب توقيفه وبهكذا فعل يقدم المعترض خدمة تسويقية للعمل المرفوض من قبله".

ويضيف أن "النقاش يجعل صانع العمل تحت وطأة النقد المنهجي الذي يشذب العمل من الهالة المحيطة به".

ويوضح بهجت أن هذه المواقف تتكرر في العراق مع الأعمال العربية بسبب أن العراقيين غير قادرين على سرد جانبهم من القصة فنيا، بسبب عدة عوامل منها نقص التجربة وشحة الإمكانيات والاعتماد على مشاهير السوشل ميديا بدلا من الممثلين الموهوبين.

وأعلنت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية، السبت، وقف عرض مسلسل "الكاسر" الذي بدأ عرضه مع رمضان، وذلك بعد "مطالبات نيابية وعشائرية"، بحسب تقرير نشرته وكالة الأنباء العراقية "واع".

وقال رئيس الهيئة، علي المؤيد، إنه تم إبلاغ "قناة (يو تي في) بضرورة إيقاف مسلسل الكاسر"، مؤكدا أن الهيئة "تقدر المطالبات العشائرية الحقة لأبناء شعبنا في جنوب العراق.. وسيتخذ كافة الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على مكانة المواطن الجنوبي الكريم".

وكان المتحدث باسم المكتب السياسي لميليشيا العصائب، محمود الربيعي، قد طالب في تغريدة عبر حسابه في تويتر بضرورة وقف بث المسلسل ومحاسبة إدارة القناة التي تعرضه.

وقال الربيعي وهو عضو مجلس المفوضين لهيئة الإعلام والاتصالات في تغريدته: "كنت قد حذرت من الإساءة  لأهلنا في الجنوب، ونبهت لضرورة التصدي لأي عمل درامي يمكن أن يثير غضب العراقيين في هذا الشهر الفضيل وكان جواب إدارة القناة التي تعرض المسلسل المسيء قبل العرض أن مسلسل الكاسر ليست فيه إساءة، والآن وقد تبينت الحقيقة فيجب إيقافه ومنع بثه ومحاسبة إدارة القناة".

في المقابل، نشرت قناة "يو تي في" العراقية بيانا قالت فيه: "تلقينا بدهشة واستغراب قيام بعض الجهات والشخصيات بشن حملة ضد قناتنا من خلال تشويه مضامين الكاسر".

وأكدت أن المسلسل "لم ينتج إلا في إطار أهدافه وغاياته المهنية والدرامية بعيدا عن أي أغراض أخرى"، مشيرة إلى أنها تؤكد التزامها بثوابتها الأخلاقية والوطنية.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- ا ف ب
صورة أرشيفية لفرقة لبنانية مختصة بالموسيقى والغناء الصوفي- تعبيرية

عرفت الحضارة العربية الإسلامية تنوعاً فريداً من نوعه، إذ حظي معظم الفنون برعاية السلاطين والأمراء في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وأثبتت الموسيقى حضورها كأحد الفنون المهمة في بلاطات الحكام والأوساط الشعبية على السواء.

وتمكن الموسيقيون -رغم النظرة الفقهية السائدة المحرمة للموسيقى- من ممارسة فنهم أغلب الأحيان. فعلى ماذا استند الفقهاء في تحريمهم للموسيقى والغناء؟ وكيف انتشرت الموسيقى رغم ذلك؟ وما أبرز الفتاوى التي أباحت الموسيقى قديماً وحديثاً؟

 

التحريم والمنع

وقف أغلب الفقهاء المسلمين موقفاً متشدداً من الموسيقى والغناء، مستندين إلى مجموعة من الأدلة والشواهد، منها "الآية السادسة من سورة لقمان" ونصها "...وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...".

قال بعض الصحابة -منهم عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن العباس- إن "لهو الحديث الوارد في الآية هو الغناء" كما ذكر محمد بن جرير الطبري في تفسيره.

أيضاً، استند الفقهاء لبعض الأحاديث والآثار التي رفضت إجازة الغناء والألحان، من ذلك ما ورد في "صحيح البخاري" منسوباً للرسول محمد "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر (الزنا) والحرير والخمر والمعازف"، و"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عن مصيبة". فضلاً عن الأثر المنسوب لعبد الله بن مسعود "الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقل".

اعتماداً على تلك الأدلة، ذهب عدد كبير من الفقهاء إلى تحريم الموسيقى والغناء بشكل قاطع، أمثال شمس الدين القرطبي، وابن الصلاح، وابن القيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر الهيثمي وابن تيمية.

كما ذكر محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" أن المذاهب الفقهية السنية الأربعة "اتفقت على تحريم آلات الطرب كلها".

لم يقتصر هذا التحريم على علماء أهل السنة والجماعة وحدهم، بل شاركهم فيه أغلب الفقهاء المنتمين إلى المذهب الشيعي الإمامي. على سبيل المثال، أجاب السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق على سؤال حول حكم الغناء بأن "...الغناء حرام كله وهو الكلام اللهوي الذي يؤدي بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، بل يحرم أيضاً علي الأحوط الكلام غير اللهوي الذي يؤدي بتلك الألحان...".

 

أسباب الانتشار

عرفت الموسيقى والأغاني طريقها إلى مختلف أنحاء دولة الخلافة الإسلامية، وتمكنت من الانتشار بين العامة والخاصة على السواء، كما وثق المؤرخون.

بدأ هذا الانتشار في بدايات الحضارة الإسلامية. يذكر الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه "الفتح الرباني" أن المؤرخين نقلوا العديد من الروايات التي تثبت أن بعض الصحابة سمعوا الغناء والموسيقى ولم يجدوا فيهما بأساً على الإطلاق. من هؤلاء  عبد الله بن الزبير الذي "كان له جوار عوادات".

وأورد الشوكاني أن "عبد الله بن عمر بن الخطاب دخل على ابن الزبير وكان بجواره عود، فقال له (ما هذا يا صاحب رسول الله؟) فناوله إياه، فتأمله ابن عمر، وقال (هذا ميزان شامي)، فرد ابن الزبير (توزن به العقول)".

وأضاف أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كان من المشهورين بسماع الموسيقى، وأن عبد الله بن عمر لما وجد رجلاً يريد أن يبيع جارية تضرب على العود، نصح الرجل بعرضها على ابن جعفر، فنفذ الرجل مشورته، وباع الجارية.

في السياق نفسه، أكد الشوكاني أن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص سمعا الغناء، وأن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز كان معتاداً على سماع الموسيقى قبل أن يصل لكرسي الخلافة.

بشكل عام، تتعدد الأمثلة على انتشار الموسيقى والغناء في الدولة الإسلامية، وكثيراً ما عُرف الموسيقيون بممارسة العلوم الشرعية. في أواخر القرن الثاني الهجري اشتهر آمر مفتي المدينة، يوسف بن الماجشون، ويذكر المزي في كتابه "تهذيب الكمال" أنه "كان مولعاً بسماع الغناء ارتجالاً وغير ارتجال..."، كما يُنقل عن المحدث المشهور يحي بن معين أنه كان يذهب ليوسف ليسمع منه الحديث "وجواريه في بيت آخر يَضربْنَ بالمِعْزفة، يقصد آلة العزف...".

في القرن الثالث الهجري، وبالتزامن مع حالة الترف التي عرفها المسلمون تحت لواء الدولة العباسية، ظهر الموسيقي الشهير أبو إسحاق الموصلي الذي كان مقرباً بشكل كبير من الخليفة هارون الرشيد. وقد وصفه شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر اعلام النبلاء" بأنه "ذو الفنون... صاحب الموسيقى، والشعر الرائق...".

كما ظهر تلميذه أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، المعروف باسم زرياب. بذل زرياب جهوداً كبيرة لنقل الموسيقى المشرقية للغرب بعدما غادر بغداد وسافر إلى الأندلس، لينضوي تحت لواء الدولة الأموية في قرطبة.

من جهة أخرى، لعب زرياب دوراً مؤثراً في تطوير التقنيات الموسيقية عندما أضاف وتراً خامساً للعود، وأدخل على الموسيقى مقامات لم تكن معروفة قبله، أما أعظم أعماله فكان إشرافه على "دار المدنيات" التي اُفتتحت زمن الخليفة عبد الرحمن الأوسط وضمت العشرات من المغنيات البارعات في فنون الغناء والعزف.

في القرن الرابع الهجري، ازداد انتشار فن الموسيقى في جنبات العالم الإسلامي حتى قام أبو الفرج الأصفهاني بتأليف كتابه الشهير "الأغاني"، وهو موسوعة أدبية، جمع فيها الاصفهاني الأغاني والألحان المتميزة في عصره والعصور السابقة عليه مع ذكر الطرق المختلفة للغناء.

 

إباحة الموسيقى

بدأ الاتجاه الفقهي المُجيز للموسيقى يزداد قوة في الأندلس في القرن الخامس الهجري على يد الفقيه الظاهري الشهير أبو محمد علي بن حزم القرطبي.

في كتابه "المُحلى"، شكك ابن حزم في جميع الأحاديث التي ذكرت تحريم الغناء والموسيقى، وقال "لا يصح في هذا الباب -يقصد باب تحريم الموسيقى والغناء- شيء أبداً، وكل ما فيه موضوع، ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله لما ترددنا في الأخذ به...".

في الوقت نفسه تقريباً، كان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يقود حملة روحانية صوفية لتذكية النفس في المشرق الإسلامي، فأباح الغناء والسماع باعتباره وسيلة لخلاص الروح وتحريرها.

مما قاله الغزالي في ذلك "مَن لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج".

في العصر الحديث، تزايدت الفتاوى المُجيزة للغناء والموسيقى بشكل ملحوظ، ففي كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" تعرض الشيخ المصري محمد الغزالي لتلك المسألة الجدلية، قائلاً "النبي مدح صوت الصحابي أبي موسى الأشعري عندما سمعه يتغنى بالقرآن. وقال له (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)". يعلق الغزالي على تلك القصة "لو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك. وقد سمع رسول الله الدف والمزمار دون تحرج، ولا أدري من أين حرم البعض الموسيقى ونفر في سماعها؟".

ذهب رجل العالم السنّي يوسف القرضاوي إلى المعنى نفسه، عندما ناقش حكم الغناء في بحث منشور على موقعه الإلكتروني، قال في خاتمته "...والذي نفتي به ونطمئن إليه من بين تلك الأقوال إن الغناء -في ذاته- حلال فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح بحرمتها، وكل ما ورد في تحريم الغناء إما صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح...".

هذا التوجه المُجيز للغناء، سيزداد قوة عندما يرتبط ببعض المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر ودار الإفتاء، فضلاً عن بعض المرجعيات الشيعية القوية في العالم الإسلامي. على سبيل المثال، قال مفتي مصر الأسبق علي جمعة في فتوى رسمية "الأغاني والموسيقى منها ما هو مُبَاحٌ سماعه ومنها ما هو مُحَرَّمٌ؛ وذلك لأن الغناء كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح... فالموسيقى والغناء المباح: ما كان دينياً أو وطنياً أو كان إظهاراً للسرور والفرح في الأعياد والمناسبات...".

المعنى نفسه، ذهب إليه شيخ الازهر السابق محمد سيد طنطاوي، عندما أجاب على سؤال حول حكم اتخاذ الموسيقى مهنة ومورد رزق، حيث قال "سماع الموسيقى وحضور مجالسها وتعلمها أياً كانت آلاتها من المباحات، ما لم تكن محركةً للغرائز باعثةً على الهوى والغواية والغزل والمجون مقترنةً بالخمر والرقص والفسق والفجور واتُّخِذَت وسيلةً للمحرمات...".

الأمر ذاته، قال به المرجع الشيعي اللبناني السابق محمد حسين فضل الله، عندما اعتبر أنّ الأغاني "لا تدخل في باب المحرّمات، إذا ما لامست القيم الإنسانيّة والفكرية العميقة في مضمونها، وترافقت مع موسيقى راقية".

في السنوات الأخيرة، بدأ الموقف الفقهي المتسامح مع الموسيقى والغناء يكسب أرضاً جديدة في السعودية وباقي دول الخليج العربي، تزامن ذلك التغيير الفقهي مع تغير سياسة النظام الحاكم في السعودية عقب وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في سنة 2017.

وتُعدّ فتوى الشيخ السعودي عادل الكلباني، إمام الحرم المكي السابق، التي أباح فيها الغناء، من أشهر الحالات المبينة لتغير وجهة نظر بعض الفقهاء بخصوص الحكم في تلك المسألة.

أكد الكلباني في فتواه أن الغناء مباح "شريطة ألا يصحبه مجون أو سكر أو تلفظٌ بكلامٍ ماجن"، وأنه "لا يوجد نص صريح في الكتاب أو السنة ينص على تحريم الغناء"، كما ذكر أنه "يمكن تعليم الموسيقى في مدارس السعودية".

أثارت الفتوى الكثير من ردود الفعل داخل السعودية وخارجها، خصوصاً بعدما تبعتها فتوى مشابهة من الداعية الإماراتي وسيم يوسف، إذ تراجع في فتواه عن رأيه السابق في تحريم الموسيقى، وقال في برنامجه "من رحيق الإيمان"، الذي تبثه قناة "أبو ظبي" إن أدلة تحريم الموسيقى "ضعيفة. ولا يمكن التعويل عليها".

اُنتقدت  تلك الفتاوى من قِبل العديد من علماء السعودية المحافظين على النهج الوهابي السلفي. في هذا السياق، قال مفتي عام السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، إن "الدعاة الذين غيروا مواقفهم تجاه الغناء وسماع الموسيقى منتكسون عن الحق"، واستبعد أن تكون خطوة تغيير آرائهم نابعة من مراجعات فكرية حقيقية.