A woman shows her ink-marked finger after casting her vote inside a polling station in the country's parliamentary elections in…
صورة تعبيرية من الانتخابات العراقية السابقة - أسوشيتد برس

منذ سقوط نظام صدام حسين في العام 2003 وحتى اليوم، اختبر العراقيون خمس مرات صناديق الاقتراع، عبر خمس دورات انتخاب للمجلس النيابي كانت  أولاها في 2005،  ثم 2010،  و2014، و2018، وأخيرا في أكتوبر 2021.

ويشهد العراق اليوم نقاشاً محتدماً حول قانون الانتخاب الذي أقره البرلمان، والذي ستجري على أساسه الانتخابات البرلمانية المقبلة.

خضع قانون الانتخابات منذ عام 2005 لتعديلات عديدة وجوهرية، بالتزامن مع تحولات سياسية وعسكرية وأمنية كبيرة.

وتنقّل هذا القانون من نظام قائم على دائرة واحدة وقائمة انتخابية مغلقة إلى نظام يقوم على عدد كبير من الدوائر. ومن نظام أكثري إلى نسبي وبالعكس.

جميع هذه القوانين التي اعتمدها العراق في انتخاباته "فيها سلبيات وفيها إيجابيات" بحسب الخبير الانتخابي سعد الراوي، الذي يؤكد لـ"ارفع صوتك" أن التعديلات التي طرأت على القوانين حدثت كلها بضغط من الشارع، و"ليس وفق دراسة وتحليل واستنتاجات لواقع العراق".

كل هذه التعديلات، كما يراها الراوي، ينتج عنها "تصويت عشائري مناطقي" في ظل "غياب الثقافة الانتخابية" لدى الكثير من العراقيين، لأن "أغلب الأحزاب عندنا لا تمتلك مشروعاً سياسياً"، يقول المحلل السياسي واصفا هذه الأحزاب بأنها "تجمعات انتخابية للوصول إلى السلطة، تفتقر للمشروع السياسي والنظام الداخلي وخطة انتخابية وبرامج تثقيف جماهيرها"، وهي "تعكس ثقافة الاستئثار بالسلطة لدى الكثير من السياسيين العراقيين الذين يعملون على تطويع القوانين بما يتناسب مع بقائهم في السلطة لا مع منطق الديمقراطية الذي يقوم على مبدأ تداول السلطة".

في كتابه "انتخابات الزمن الصعب"، يشرح فريد آيار، العضو الأسبق للمفوضية العليا للانتخابات، ظروف إجراء انتخابات العام 2005، التي "لم تكن مثالية"، وقد "حصل فيها تزوير وترويع ولكن على نطاق ضيق، وفي حالات محدودة كشفت المفوضية العديد منها وكسبت بذلك غضب وتهديد بعض الكيانات السياسية المعنية".

ويؤكد آيار أن "هذا التزوير ناتج عن عدم وجود ثقافة انتخابية لدى المواطن العراقي". غياب هذه الثقافة يعود إلى أن "الوضع السياسي في الدول غير المستقرة والحديثة في تطبيق النظام الديمقراطي"، ينعكس "تأزماً إثر كل انتخابات لأن الطبقة السياسية التي تفوز وتحصل على المقاعد تعتقد أن هذا الفوز يعطيها الحق بامتلاك كل شيء، فتبدأ بتفصيل كافة الأمور على مقاساتها، بل تذهب إلى احتكار الرأي وفرضه على الآخرين".

وهكذا، يتابع آيار في كتابه: "مرت انتخابات مارس 2010، التي لا يمكن اعتبارها متوافقة مع المقاييس والمعايير الدولية التي أجريت في ظل مجلس مفوضين انتخب وفقاً للمحاصصة الطائفية والقومية، كما أنه لا يمثل جميع مكونات الشعب العراقي وفقاً لدستور البلاد".

وقد جرت هذه الانتخابات بعد تعديل القانون واعتماد الدائرة المفتوحة لأول مرة. ويرى آيار أن مجلس العام 2010، كما مجلس عام 2005، قام بـ"سلب موقع التمثيل المسيحي" وإعطائه إلى مكون آخر، "ثم أصبح هذا الأمر سابقة تكررت عند انتخاب المجلس التالي في 30 أبريل 2014". وكان هذا المجلس يمثل "وبامتياز فكرة المحاصصة البغيضة".

وكنوع من تأكيد على غياب ثقافة الديمقراطية في التعامل مع الانتخابات النيابية والإصرار على الاحتفاظ بالسلطة، يضرب آيار مثلاً ما حدث في انتخابات العام 2014، حيث "تأزم الوضع في العراق وبشكلٍ صارخ بعد إبداء السيد نوري المالكي رئيس الوزراء السابق الرغبة بالبقاء في سدة رئاسة الوزراء للمرة الثالثة، معللاً ذلك بفوز ائتلافه بالانتخابات مما دفع الكيانات السياسية إلى الانقسام بين مؤيد ومعارض"، ثم "حصول كارثة سيطرة داعش على الموصل وبعض مدن العراق، إلى جانب استمرار قسم كبير من أبناء الشعب بالشعور بالتهميش واللامبالاة لقضاياهم المصيرية".

ولعل أبرز التغييرات التي شهدها قانون الانتخابات في العام 2014 هي إلغاء قانون عام 2005 وتعديلاته كافة، على أن يتألف المجلس النيابي من 320 نائباً يتوزعون على المحافظات بالإضافة إلى 8 مقاعد للأقليات واعتمد حينذاك نظام "سانت ليغو" (ذائع الصيت اليوم) المعدّل عن النسخة الأساسية التي وضعت في عام 1902.

وخضع هذا القانون لتعديلات بدوره ليتم خوض انتخابات العام 2018 استناداً إليه، وقد اعتمد القانون كل محافظة عراقية دائرة انتخابية بذاتها. واستخدم أيضاً نظام "سانت ليغو" المعدل الذي يهدف إلى ضمان حق الأقليات. أما انتخابات العام 2021، فقد استندت إلى تعديلات القانون التي أقرت في العام 2019 على وقع انتفاضة تشرين الشعبية، وتحول معها العراق إلى 83 دائرة انتخابية، من دون الاعتماد على المحافظات، واعتمد نظام الصوت الواحد، وجرى إلغاء المواد المتعلقة بفائض الأصوات، ولم يعتمد نظام "سانت ليغو" الذي يعود هذه الأيام ليطل برأسه من نافذة قانون انتخابي جديد، يثير الجدل والاعتراضات اليوم في العراق.

آيار يشير إلى أن "الديمقراطية والحصول على أكثرية المقاعد في البرلمان لا يعني الاستئثار بالسلطة في بلد متعدد الطوائف والأعراق والديانات كالعراق". وهذا يتطلب، بحسبه، قوانين انتخابات تعطي الفرد العراقي القدرة على ممارسة الحق الديمقراطي بالانتخاب، وليس أداء هذا الحق "كفرض ديني"، خصوصاً مع "تركيز الأطراف السياسية في الانتخابات على العوامل المذهبية والدينية لدفع العراقيين إلى الانتخاب".

من جهته، يؤكد الراوي حاجة العراق إلى "إصلاح جذري في المنظومة القانونية ككل، وليس تعديل فقرات من هذا القانون أو ذاك".

ويجب برأيه مراجعة "قانون الأحزاب وقانون مفوضية الانتخابات وقانون انتخابات البرلمان وقانون انتخاب مجالس المحافظات والأنظمة والتعليمات التي تصدرها مفوضية الانتخابات".

هذه القوانين كلها تحتاج إلى "مراجعة وإصلاح"، بحسب الراوي، لأن "جميع التعديلات التي تجري على قوانين الانتخابات تخضع لمزاج القوى المتنفذة".

ويختم الراوي: "قانوننا 17 صفحة وغير مفصّل، وأي فقرة غير واضحة أو غير مفسّرة، يعيد تفسيرها الفاعل السياسي القوي بما يلائم مصالحه".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".