جودة النفط العراقي تتناسب ومصفاة تكرير البترول في الأردن, أرشيفية
خلاف دائم حول النفط بين كردستان وبغداد. أرشيفية

لا تزال انعكاسات قرار التحكيم المرتبط بتصدير النفط العراقي من كردستان تتوالى، والتي كان آخرها تعليق شركات نفطية تعمل في الإقليم عمليات الإنتاج.

وكانت تركيا قد أوقفت منذ الخميس الماضي تصدير النفط القادم من كردستان عبر ميناء جيهان التركي، بعد قرار من نادي باريس للتحكيم لصالح بغداد، والذي أكد على أن وزارة النفط العراقية هي المسؤولة فقط عن تصدير النفط العراقي بالكامل.

توقف صادرات الخام من إقليم كردستان البالغة 450 ألف برميل يوميا، ورغم أنها لا تشكل سوى 0.5 في المئة من الإمدادات العالمية، إلا أنها أسهمت في زيادة أسعار النفط ليعود إلى مستويات 80 دولارا للبرميل، وفق تقرير لوكالة رويترز.

وتجري تركيا وبغداد وحكومة كردستان محادثات لاستئناف صادرات النفط، فيما اضطرت الشركات العاملة في الإقليم لوقف عمليات الإنتاج أو نقل الكميات المستخرجة إلى صهارج التخزين.

ويشكل هذا الموضوع "ملفا خلافيا أساسيا" بين الحكومة الاتحادية في بغداد وسلطات إقليم كردستان المتمتع بحكم ذاتي، إذ ترى أربيل أن بغداد تسعى إلى وضع يدها على ثروات الإقليم النفطية، فيما تطالب الحكومة الاتحادية بأن يكون لها كلمتها في إدارة الموارد النفطية التي تستخرج من كردستان، بحسب تقرير لوكالة فرانس برس.

كردستان العراق

الخلاف حول النفط نشب منذ سنوات بين أربيل وبغداد

كردستان هو إقليم عراقي في شمال البلاد، وله حكومة خاصة به ودستور وسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية ويتمتع بحكم ذاتي منذ 1991، ولكنه يبقى جزءا من العراق، ويرتبط بالحكومة الاتحادية بحسب الدستور العراقي لعام 2005.

يقع الإقليم الذي يضم محافظات أربيل والسليمانية ودهوك، في مناطق معظمها جبلية ويسكنه نحو خمسة ملايين نسمة غالبيتهم العظمى من الأكراد إضافة الى مسيحيين وتركمان وعرب، غالبيتهم من السنة، يتحدثون الكردية والعربية.

ورغم الإطار الدستوري الذي يحكم العلاقة بين الإقليم والعاصمة بغداد، إلا أن هناك بعض القضايا العالقة مثل: مناطق متنازع عليها، وحصة الإقليم من الموازنة الاتحادية، والخلاف الأبرز حول استخراج كردستان للنفط وتصديره من دون موافقة الحكومة الاتحادية، وفقا لدراسة سابقة.

بداية المشكلة ونقطة التحول

حقل طاوكي النفطي في اقليم كردستان المرتبط بخط الانبابيب الواصل الى ميناء جيهان التركي

مشكلة النفط بين كردستان وبغداد ليست جديدة، وهي تعود لأكثر من 9 سنوات ماضية، إذ لطالما أكدت الحكومات في كردستان أنها لن "تتخلى عن حقوق الشعب الكردستاني"، فيما تؤكد بغداد أحقيتها في إدارة هذا الملف مع ضمان التوزيع العادل للإيرادات.

الدستور العراقي يشير في المادتين 111 و112 إلى أن الثروات الطبيعية مثل النفط والغاز ملك للشعب العراقي، ولا يحق لأحد أن ينفرد بإداراتها، على أن تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة هذا الأمر، مع مراعاة توزيع واردات النفط بشكل منصف على جميع المناطق والأقاليم.

ويمتلك العراق وهو ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك بعد السعودية، خامس أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم، تبلغ 145 مليار برميل، وتمثل 17 في المئة من الاحتياطيات الموجودة في الشرق الأوسط، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية "EIA".

بداية الخلافات بين الإقليم والحكومة الاتحادية، ربما قد تكون بدأت منذ 2007 عندما، أصدر الإقليم قانون النفط والغاز، وما تلاه من تأسيس عدة شركات لاستكشاف وإنتاج وتكرير وتسويق النفط.

وبعد ذلك بسنوات أبرمت كردستان عشرات العقود مع الشركات الأجنبية لاكتشاف واستخراج النفط، من دون موافقة الحكومة الاتحادية، وهو ما تعتبره بغداد حقا لها بموجب الدستور.

نقطة التحول

وكانت نقطة التحول الكبرى في عام 2014، عندما سمحت تركيا لإقليم كردستان بتصدير النفط "بشكل مستقل عن وزارة النفط التابعة للحكومة الاتحادية"، حيث ربطت خط أنابيب تابع لكردستان بـ"خط أنابيب النفط العراقي-التركي"، ليتم تصديره عبير ميناء جيهان التركي، بحسب تحليل نشره معهد واشنطن.

ويشكل خط الأنابيب بين العراق وتركيا ملكية مشتركة بين الدولتين ويخضع للاتفاقيات الدولية، وقد وقعت الدولتان اتفاقية خط أنابيب العراق-تركيا، في عام 1973، وتنص هذه الاتفاقية على أن الحكومة التركية "يجب أن تمتثل لتعليمات الجانب العراقي فيما يتعلق بحركة النفط الخام الآتي من العراق في كافة مراكز التخزين والتصريف والمحطة النهائية"، بحسب تحليل آخر للمعهد.

وعند تمديد الاتفاقية، في عام 2010، قالت تركيا إن "الجهة العراقية" المخولة بموضوع النفط هي "وزارة النفط في جمهورية العراق" فقط.

وفي 2014، انتقدت بغداد الدور الذي تلعبه تركيا المجاورة في هذا الملف. وبعد ذلك، أعلنت أنقرة أنها تسلم للأسواق العالمية نفطا مصدره كردستان العراق.

ويضيف التحليل أن قوات البيشمركة التابعة لكردستان عندما منعت تنظيم داعش من التقدم في عام 2014 لمناطقهم، وضعت يدها على كركوك وحقولها النفطية، وهو ما شكل عائقا أمام الحكومة العراقية حينها التي كانت تعتمد على خط أنابيب إقليم كردستان لتصدير نفط كركوك، ولكن في 2017 استعادت القوات العراقية السيطرة على كركوك.

ورغم الخلاف على هذا النفط، إلا أن جاذبيته كانت كبيرة للمستوردين في المنطقة خاصة وأن كردستان كانت تبيعه بخصم يتراوح بين 15-18 دولار بحسب بيانات 2022، وفقا للتحليل.

وأشار إلى أنه رغم خسائر الإقليم في العائدات بسبب نسب الخصم إلا أنها "لم تذعن لبغداد"، وهو ما أثل كاهل الموارد المالية لكردستان بديون بمليارات الدولارات

كما اتفق سابقا على أن يسلم إقليم كردستان 250 ألف برميل من النفط في اليوم ليتم تصديرها من بغداد، مقابل حصة من الموازنة العامة تدفع كرواتب للموظفين الحكوميين ونفقات أخرى. لكن أربيل لم تسلم النفط قط، والمدفوعات من بغداد لم تكن منتظمة.

التحكيم الدولي

توقف تصدير النفط من كردستان يرفع أسعار الخام

وبعدما سمحت تركيا بتصدير النفط العراقي القادم عبر كردستان من دون التنسيق مع وزارة النفط العراقية، بدأت بغداد في مقاضاة أنقرة في محكمة التحكيم الدولية في باريس.

وأعلنت وزارة النفط العراقية أن محكمة التحكيم التجاري الدولية حكمت لصالح العراق الخميس.

وفرض الحكم على تركيا دفع نحو 1.5 مليار دولار للعراق قبل الفوائد، عن الفترة بين عامي 2014 و2018، بحسب ما نقلت وكالة رويترز مصدر مطلع، والذي أكد أن تركيا فازت بمطالبة مضادة بأن يدفع العراق رسوم إنتاج خط الأنابيب.

وقالت وزارة الطاقة التركية الثلاثاء إن غرفة التجارة الدولية أمرت العراق بدفع تعويض لأنقرة في قضية التحكيم المرتبطة بصادرات النفط من شمال العراق عبر تركيا.

وذكر البيان التركي أن الغرفة اعترفت بأغلبية مطالب تركيا، دون الكشف عن مبلغ التعويض، مشيرة إلى أن الحكم ألغى أربعة من أصل خمسة مطالب للعراق.

قالت وزارة النفط العراقية في بيان إن العراق سيناقش مع الجهات المعنية سبل ضمان استمرار صادرات النفط عبر ميناء جيهان التركي والتزامات سومو المملوكة للدولة مع شركات النفط.

وقالت وزارة الموارد الطبيعية التابعة لحكومة إقليم كردستان إن "التحكيم لصالح العراق ضد تركيا لن يقوض العلاقات مع حكومة بغداد وسيستمر الحوار".

قرارات المحكمة الاتحادية

المحكمة الاتحادية العليا العراق أقرت بعدم دستورية قانون النفط في كردستان. أرشيفية

وسبق قرار التحكيم الدولي حكمان صادران عن المحكمة الاتحادية العليا في العراق، والتي تؤكد فيها على صلاحيات بغداد في موضوع النفط.

وفي فبراير 2022 أصدرت المحكمة الاتحادية قرارا يقضي بعدم دستورية قانون الموارد الطبيعية لحكومة إقليم كردستان الصادر في 2007 وأن صادراتها النفطية وعقودها غير قانونية. 

كذلك، تضمن الحكم الذي نشر على موقع المحكمة "الزام حكومة إقليم كردستان بتمكين وزارة النفط العراقية وديوان الرقابة المالية الاتحادية بمراجعة كافة العقود النفطية المبرمة مع حكومة إقليم كردستان بخصوص تصدير النفط والغاز وبيعه".

ورفضت السلطات في الإقليم حينها هذا القرار، مؤكدة أنها "لن تتخلى عن حقوق إقليم كردستان المنصوص عليها في الدستور العراقي".

وبناء على دعوى مقدمة من وزارة النفط العراقية، ألغت محكمة في بغداد مطلع يوليو الماضي أربعة عقود بين إقليم كردستان وشركات كندية وأميركية وبريطانية ونرويجية. 

وفي يناير 2023 قضت المحكمة الاتحادية بعدم قانونية تحويلات الميزانية الاتحادية إلى إقليم كردستان.

شركات تعلق إنتاجها في كردستان

واضطرت شركات النفط العاملة في الإقليم لوقف إنتاجها أو نقل الإنتاج إلى صهاريج التخزين، وفقا لرويترز.

وقالت شركة (دي.إن.أو) النرويجية الأربعاء إنها بدأت تعليق إنتاجها في حقلي طاوكي وبيشكابير حيث بلغ متوسط الإنتاج 107 آلاف برميل من النفط يوميا عام 2022 وهو ما يمثل ربع إجمالي الصادرات الكردية.

وقالت شركة جينيل إنرجي الشريكة في الحقلين إنه "تم تعليق إنتاج بيشكابير، الثلاثاء، ووضعت خططا لإجراء صيانة مؤجلة. وبدأ تعليق الإنتاج من طاوكي، لكنه سيستغرق يوما إضافيا أو نحوه".

وأُجبرت شركة فورزا بتروليوم ومقرها كندا، على تعليق الإنتاج في وقت سابق هذا الأسبوع من ترخيص هاولر الذي ينتج 14500 برميل يوميا وبلغ متوسط إنتاجه في يناير وفبراير 13700 برميل يوميا.

وقالت شركة جينيل إن الأصول المتبقية في إقليم كردستان تواصل التدفق إلى صهاريج التخزين. وقال متحدث باسم الشركة، الأربعاء، إن الإنتاج من حقل سرتا يمكنه التدفق إلى صهاريج التخزين حتى نهاية الأسبوع، بينما يمكن لصهاريج التخزين من حقل طق طق استيعاب الإنتاج حتى يوم 21 أبريل قريبا. وأنتج الحقلان 4710 براميل يوميا و4490 برميلا يوميا على التوالي العام الماضي.

وخفضت شركة غلف كيستون إنتاجها في حقل نفط شيخان الذي كان ينتج سابقا نحو 55 ألف برميل يوميا، وقالت الشركة الاثنين إنها ستعلق الإنتاج بعد بضعة أيام.

وقالت شركة (إتش.كيه.إن إنرجي) ومقرها دالاس، وهي الشركة التي تدير منطقة امتياز سرسنج، الاثنين، إنها ستعلق العمليات "في غضون أسبوع إن لم يتم التوصل إلى حل" في ظل اقتراب صهاريج التخزين بها من أقصى سعة استيعابية. وأنتجت منطقة الامتياز 43048 برميلا يوميا في الربع الأخير من العام الماضي.

ويملك العراق موارد نفطية هائلة تمثل 90 بالمئة من عائداته.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".