صورة من أحد الأسواق المحلية في العراق خلال رمضان 2023- تعبيرية
صورة من أحد الأسواق المحلية في العراق خلال رمضان 2023- تعبيرية

تضخم اقتصادي وانخفاض في قيمة الدينار العراقي وبطالة وانخفاض في القدرة الشرائية، هكذا يمضي العراقيون أيام شهر رمضان الحالي في ظل استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية في البلاد.

وتسعى الحكومة العراقية عبر مجموعة من الخطوات إلى ضبط أسعار السلع والمواد، خاصة الغذائية منها، تمثلت في ملاحقة التجار المتلاعبين بالأسعار، وزيادة مفردات البطاقة التموينية وافتتاح منافذ تسويقية في بغداد والمحافظات لبيع المواد الغذائية بأسعار تنافسية.

ونقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية عن المكتب الإعلامي للشركة العامة لتجارة المواد الغذائية في وزارة التجارة، قوله: "بادرت الشركة بفتح منافذ تسويقية لبيع المواد الغذائية، من ضمنها اللحوم في بغداد، وسيتم فتح منافذ تسويقية في المحافظات كافة".

وأضاف أن هذه المبادرات أسهمت بانخفاض أسعار المواد في الأسواق والحد من ارتفاعها.

رائد عباس، وهو مواطن عراقي من محافظة ديالى، يؤكد أن هذه الإجراءات "لم تؤثر حتى الآن على الأسواق"، مبيناً لـ"ارفع صوتك":  "رمضان الماضي من الناحية الاقتصادية كان أفضل من هذا، فهناك تضارب في الأسعار وارتفاع في أسعار المواد الغذائية أربع اضعاف ولم تعد رواتبنا تكفينا ولا توجد فرص عمل".

"وهناك ركود وضعف في القدرة الشرائية.. الناس يقبلون على شراء الخضروات فقط لسد حاجتهم اليومية، لأن أسعار اللحوم مرتفعة، فالكيلوغرام الواحد من لحم الغنم وصل في ديالى 20 ألف دينار، بينما كان العام الماضي 12 ألف دينار، أما الكيلوغرام ونصف من الدجاج فكان العام الماضي 3000 دينار أصبح الآن 5000 دينار".

من جانبها، قالت وزارة التجارة العراقية، إنها تتابع الأسعار وتعمل على الحد من التلاعب فيها، عبر فرق موجودة بشكل يومي في الأسواق.

وأوضح مدير عام دائرة الرقابة التجارية والمالية التابعة للوزارة، رياض الموسوي، لوكالة الأنباء العراقية، أن المتابعة تتم "من خلال الرقابة بالاشتراك مع الجهات الأمنية في جهاز الأمن الوطني والجريمة المنظمة، للحد من التلاعب بالأسعار وارتفاعها وكذلك متابعة سعر الصرف وسعر الدولار".

وبدأت أسعار السلع ومنها السلع الغذائية تشهد ارتفاعا في الأسواق منذ عام 2021 عندما رفعت الحكومة أسعار صرف الدولار أمام الدينار العراقي. 

 

"خسر 50% من دخله"

ترى الخبيرة الاقتصادية، سلام سميسم، أن "التضخم الحاصل وارتفاع مستويات الأسعار، بالإضافة إلى انخفاض القيمة الحقيقية لدخول المواطنين، بسبب انخفاض قيمة الدينار العراقي، أدى لأن تكون كمية السلع والخدمات التي يحصل عليها الفرد قليلة مقارنة بالسابق، لأنه خسر 50% تقريباً، من قيمة دخله، لذلك من الاعتيادي أن تقل قيمة السلع والخدمات التي حصل عليها إلى النصف".

وتقول لـ"ارفع صوتك"، إن التجار العراقيين لم يتعودوا بعد على إجراءات المنصة الإلكترونية لبيع الدولار ويلزمهم أن يقوموا بهذا الأمر، إذ أدى التقاعس إلى "تعطّل صفقات الاستيراد وغيرها، وأثر على كمية المعروض في السوق من السلع الموجودة، ما يجعل العرض أيضاً محدوداً".

وتوضح سميسم: "هذه المسألة في الاقتصاد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، بالتالي هناك ضغوط كبيرة على السوق العراقي، وهي، صرف الدولار والمنصة وانخفاض دخول المواطنين".

من جهته، يقول الناشط الإعلامي وليد إسماعيل، لـ"ارفع صوتك"، إن المواد الغذائية شهدت ارتفاعا في أسعارها قبل حلول رمضان لسببين، "الأول ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، ما تسبب في ارتفاع أسعار السلع، إلى جانب مضاعفة التجار لأسعار السلع رغم وجود حملات مراقبة وملاحقة من قبل  وزارة الداخلية وإدارة الامن الاقتصادي للمتلاعبين بالأسعار، لكن المواطنين يطالبون بخطوات أخرى من الحكومة كزيادة المواد الموزعة على البطاقة التموينية".

"والسبب الثاني هو استمرار الحرب الأوكرانية الروسية التي ما زالت سببا لصعود أسعار السلع في السوق العراقي"، يتابع إسماعيل.

في المقابل، ينفي شهاب حيدر، وهو تاجر محلي عراقي، التلاعب بالأسعار أو احتكار المواد الغذائية من قبل التجار، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "التاجر المحلي لا يتلاعب بالأسعار، لكنه مجبر على البيع بهذه الأسعار، لأن أسعار السلع ومنها الغذائية، ارتفعت دوليا وعملة شرائها الدولار، الذي ارتفعت قيمته أمام الدينار منذ عامين، وما زال مرتفعا".

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "نحن التجار المحليين الأكثر تضرراً مما تشهده الأسواق المحلية، ونعاني من الركود وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".