جيرورد بوست وآماتزيا بارام باحثان عملا على كتابة خلفية عن حياة صدام حسين في العام 2003 بعد سقوط نظام البعث في العراق، يشيران إلى دور خاله البارز في طفولته: "صدام (الذي ولد بعد وفاة والده) انتقل للعيش مع خاله خير الله طلفاح الذي عبّأه بأحلام أن يصبح قائداً عظيماً مثل صلاح الدين وجمال عبد الناصر".
خير الله، "الذي وصف بالصلابة"، بحسب حازم صاغية في كتابه "بعث العراق- سلطة صدام قياماً وحطاماً"، بقي "قدوة صدام الصالحة". والخال، يتابع صاغية، "لم يكن مجرد موظف ووجيه ثانوي يحرض على القتل. فهو أيضاً كان ضابطاً قومياً صغيراً شارك في انقلاب الكيلاني عام 1941 وسرّح في عداد 324 ضابطاً متعددي الرتب سرّحوا. ولئن لم يخلف ما يشي بـ"أفكاره" آنذاك، اشتهر أواخر الستينات بعد تعيينه محافظ العاصمة بجو متزمّت دينياً وأخلاقياً فرضه على المدينة".
كان الخال سياسياً إذاً، وله أدوار "نضالية"، وسميّ بحسب صاغية بـ"خال الحزب والثورة"، وشغل منصب محافظ العاصمة في الستينات. صدّام نفسه يتحدث عن خاله في مقابلة مع مجلة "التضامن" في لندن تعود لفبراير من العام 1988: "إن خالي كان قومياً، وكان ضابطاً في الجيش العراقي، وسجن لمدة خمس سنوات بعد ثورة رشيد عالي الكيلاني. وكنت عندما أسأل والدتي عنه تجيبني باستمرار أنه في السجن. ثم إن خالي كان يتحدث في البيت بروح قومية، لذلك لم يكن تفكيري يعزل المنهج الاجتماعي عن النظرة والتفكير القوميين. وهكذا كانت مشاكل الأمة تعيش في ضميري، ولذلك كان الحزب يعيش في داخلي عندما انتسبت إليه".
ولم تقتصر علاقة صدام بخاله على صلة القربى لجهة الأم، بل جرى تعزيزها بعدما تزوج صدام ابنة خاله، ساجدة خير الله طلفاح، كما يروي عن لسانه جون نيكسون في كتابه "استجواب صدام"، وكان نيكسون أول أميركي يجري استجواباً مطولاً مع صدّام بعد إلقاء القبض عليه: "صدام وساجدة ابنة خير الله ما كانا يفترقان، ثم كان الجمع بينهما أمراً مجزياً لصدام، فقد ثبتت روابطه بعشيرة طلفاح وفتحت له بوابة الدخول إلى عالم السياسة التآمرية في العاصمة العراقية".
وفي هذا السياق "بدأ يشعر بنوع من الامتنان المستحكم الذي عليه الآن أن يثبت جدارته بهذه المكرمة أولاً"، على ما جاء في كتاب "الدكتاتور فناناً" لرياض رمزي، ثم عليه ثانياً، "أن يثبت جدارتها به عن طريق فعل مدو وعاصف يزيل الامتنان لها ولأبيها، ويجعلهما أدنى مرتبة منه".
أما نيكسون فيقول إن صدام "نشأ وترعرع مع عائلتها برعاية والدها- الذي كان في الوقت ذاته خاله- وكان سياسياً في بغداد ولديه روابط بشخصيات عسكرية، كما كان البريطانيون قد سجنوه إبّان الحرب العالمية الثانية لتعاطفه مع النازيين".
مسألة التعاطف مع النازيين، يوليها صاغية أهمية كبيرة في كتابه، لما تعكسه من طبيعة الأفكار التي تربّى عليها صدّام، وتركيبة شخصية خاله الذي زرع فيه أفكاراً متطرفة ودموية: "على العموم، تأسس في صدام الصغير استعداد للعنف ما لبث أن عثر على من يغذّيه. فقد هرب إلى خاله الذي كان من صغار الوجهاء في تكريت، فأهداه مسدساً وربّاه في كنفه".
وفي أوائل الثمانينات، إبان الحرب مع إيران "نشر (الخال) كراساً يحمل عنواناً طويلاً وغريباً وبالغ الوضوح في آن: "إن الله أخطأ في خلق ثلاثة أشياء: الفرس والذباب واليهود". كذلك "شرح" الخال و"علّق على" أحد الأعمال اللاسامية الغربية المترجمة، وهو كتاب وليام كار "اليهود وراء كل جريمة".
وإلى نازيته، اقترنت بخال صدّام صفات من بينها "لصّ بغداد"، بسبب سرقات قام بها لدى توليه منصب محافظ العاصمة، "فصادر بساتين وأراضٍ ووزع ما شاء منها في تكريت وبغداد"، على ما يقول صاغية في كتابه. ورعى أيضاً "حملة في شوارع العاصمة بحثاً عن المجاهرين بالإفطار في رمضان". وذهب، بحسب صاغية، خطوة أبعد مُصدِراً قرار "العفة والطهارة" الذي يمنع ارتداء الملابس القصيرة ويقضي برش سيقان الفتيات والنساء باللون الأسود "دفاعاً عن الشرف العربي".
ويبدو أن صيت الخال المتزمّت والعنيف يسبق صاحبه، على ما تروي هاديا سعيد في كتابها "سنوات من الخوف العراقي": "كنا نسمع عن بطش وجبروت خير الله طلفاح. كل يوم حكاية وإشاعة عن توقيف أو فصل أو نقل، ولم يكن الأمر يتعلق دائماً بالمناصب العليا، اذ إن أغرب ما كان يدهشني حكايات صغيرة بسيطة عن كلمة تقال أو تنهيدة تأفف يطلقها أحدهم أو إحداهن، لنسمع عن نقله أو طرده أو سجنه أو اختفائه".
ومثل هذه السردية نقرؤها أيضاً في كتاب رمزي ("الديكتاتور فناناً"). يقول رمزي: "تشير قراءة سريعة لسلوك الخال، عندما حصل ابن اخته على السلطة، إلى شخص قادر على إيذاء الضعفاء بطيب خاطر، مما يشي بنزعة غريزية إلى فعل ذلك. لا يقوم أسلوب عيشه على أي حوافز ما عدا الحصول على غنائم على نحو يكشف عن ظمأ متأصل للسلب ومصادرة الأملاك وهدر الحقوق. كان يرصد الأغنياء للسيطرة على ممتلكاتهم بالطريقة نفسها التي تجوس بها القطط غرفة موصدة تترصد فيها فئراناً مذعورة".
الكاتب والمؤرخ العراقي فايز الخفاجي خصص كتاباً عن طلفاح بعنوان "خير الله طلفاح – رجل الظل لصدام حسين"، يكشف فيه تفاصيل دور طلفاح في وصول صدام إلى رئاسة العراق. ويقول الكاتب إن "شخصية خير الله طلفاح تعتبر من الشخصيات الجدلية في تاريخ العراق المعاصر، لما حوته من سلوك جمع ما بين الوظيفة الحكومية والطابع العشائري المتطرف"، وأن دوره "برز في العهد الملكي بشكل تدريجي ووصل إلى القمة بعد تموز 1968".
ويؤكد الخفاجي أن "شخصية طلفاح أثّرت بشكل كبير على ابن اخته صدام، حيث ولد الأخير في بيته وقام بتربيته ثم زوّجه ابنته ساجدة، فكان الخال موجهاً لابن اخته في حياته الأولى، وكان ابن الأخت ملبياً لكل طلبات الخال في حياته الثانية، فلم يرفض له أي طلب حتى أنه لم يعترض على سلوكه الخارج عن القانون".
