صورة أرشيفية للنخيل على ضفاف شط العرب- تعبيرية
"فوق النخل" أم "فوق إلنا خِل"؟... صورة تعبيرية

يُعدّ الرحّالة المغربي ابن بطوطة، من أشهر الرحّالة المسلمين عبر التاريخ، ومن بين البلاد التي زارها، العراق، حيث تجوّل بين مدنها، وترك في كتاباته، وصفاً ممتعاً للعديد من الأسواق والمساجد والمراقد فيها.

ولد محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي في مدينة طنجة المغربية عام 703هـ، واشتهر باسم ابن بطوطة، لكن لا يوجد سبب مؤكد لذلك، فيما يرى البعض أنه مُشتق من فاطمة أو فطومة وهو اسم أمه، ومن المعروف أن عادة تسمية الابن بأمه كانت شائعة في بلاد المغرب الأقصى خلال تلك الحقبة الزمنية.

تحدث ابن بطوطة عن بداية سفره، والهدف منه في كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، فقال إنه خرج من طنجة في الثاني من شهر رجب عام 725هـ "معتمداً حج بيت الحرام، وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام منفرداً عن رفيق أنس بصحبته، وركب أكون في جملته، لباعث من النفس شديد العزائم، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة... فحزمت أمري وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكون، وكان والديّ بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصباً، ولقيت كما لقيا نصباً، وسنّي يومئذ اثنتان وعشرون سنة...".

زار في رحلته الطويلة بقاعاً شتى في قارات العالم الثلاث القديمة، ووصل إلى مصر والحبشة والشام والحجاز ونجد والعراق وبلاد فارس واليمن وعمان والبحرين وبلاد آسيا الوسطى والهند والصين. واستغرقت تلك الرحلة 27 سنة كاملة، وفي نهايتها رجع ابن بطوطة إلى وطنه فعاش به ما تبقى له من العمر، وتوفي في طنجة عام 779هـ.

وهذه حكاية ابن بطوطة مع العراق، ابتداء من مدينة النجف.

 

النجف

في عام 727هـ غادر ابن بطوطة الحجاز متوجهاً إلى العراق، وصحب بعض العراقيين الذين أتموا شعائر الحج وأرادوا أن يرجعوا إلى بلادهم. كانت العراق في هذا الوقت خاضعة لحكم السلطان أبي سعيد بهادر خان تاسع حكام الدولة المغولية الإيليخانية، إذ دخل المغول بغداد عام 656هـ وأسقطوا الخلافة العباسية، وأقاموا دولة جديدة لهم عُرفت باسم الدولة الإيليخانية، سرعان ما اعتنق حكام تلك الدولة الإسلام على المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري.

كانت النجف أولى المدن الكبيرة التي يزورها ابن بطوطة بعد دخوله العراق، واهتم بوصف المزارات الدينية الموجودة فيها، دون أن يمنعه يمنعه انتماؤه للمذهبي السني المالكي من إبداء الإعجاب والانبهار بما شاهد.

يقول ابن بطوطة: "...نزلنا مدينة مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنّجف، وهي مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق وأكثرها ناساً وأتقنها بناءً، ولها أسواق حسنة نظيفة، دخلناها من باب الحضرة فاستقبلنا سوق البقالين والطباخين والخبازين، ثم سوق الفاكهة ثم سوق الخياطين والقيسارية، ثم سوق العطارين ثم باب الحضرة حيث القبر الذي يزعمون أنه قبر عليّ عليه السلام، وبإزائه المدارس والزوايا والخوانق معمورة أحسن عمارة وحيطانها بالقاشاني، وهو شبه الزّليج عندنا، لكن لونه أشرق ونقشه أحسن".

وصف ابن بطوطة بعدها بعض الكرامات والخوارق التي نسبها أهل النجف إلى مقام علي بن أبي طالب، منها قوله: "...وهذه الروضة ظهرت لها كرامات ثبت بها عندهم أن بها قبر عليّ رضي الله عنه، فمنها أنه في ليلة السابع والعشرين من رجب، وتسمى عندهم ليلة المحيا يؤتى إلى تلك الروضة بكل مقعد من العراقين وخراسان وبلاد فارس والروم فيجتمع الثلاثون والأربعون ونحو ذلك، فإذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا فوق الضريح المقدس، والناس ينتظرون قيامهم وهم ما بين مصلّ وذاكر وتال ومشاهد للروضة فإذا مضى من الليل نصفه أو ثلثاه أو نحو ذلك قام الجميع أصحّاء من غير سوء، وهم يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليّ ولي الله".

خرج الرحالة المغربي من النجف بعدها واتجه ناحية أبي صخير الواقعة جنوبي العراق، ووصف الأطلال الباقية من حضارة المناذرة العريقة التي قامت في بلاد الرافدين في القرن الرابع الميلادي.

يقول ابن بطوطة: "...وخرجنا من مشهد عليّ عليه السلام فنزلنا الخورنق موضع سكنى النعمان ابن المنذر وآبائه من ملوك بني ماء السماء، وبه عمارة وبقايا قباب ضخمة، في فضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات".

 

واسط والبصرة

بعدها اتجه ابن بطوطة إلى وسط العراق، وزار مدينة واسط التي بناها الحجاج بن يوسف الثقفي في القرن الأول الهجري. ووصفها بقوله "حسنة الأقطار، كثيرة البساتين والأشجار، بها أعلام يهدي الخير شاهدهم وتهدى الاعتبار مشاهدهم، وأهلها من خيار أهل العراق، بل هم خير على الإطلاق، أكثرهم يحفظون القرآن الكريم ويجيدون تجويده بالقراءة الصحيحة وإليهم يأتي أهل بلاد العراق برسم تعلّم ذلك".

ثم خرج من واسط وزار مرقد القطب الصوفي الشهير أحمد الرفاعي في بلدة أم عبيدة، وقابل حفيد الرفاعي، كما وصف أحوال الصوفية الذين تجمعوا بجانب المرقد.

وبعد أيام، وصل ابن بطوطة إلى البصرة. وتعجب من كثرة ما في أرضها من النخيل، وقال "...وليس في الدنيا أكثر نخلاً منها فيباع التمر في سوقها بحساب أربعة عشر رطلاً عراقية بدرهم... ويصنع بها من التمر عسل يسمّى السّيلان...".

كذلك امتدح أخلاق أهل البصرة، فقال إن "لهم مكارم أخلاق وإيناس للغريب وقيام بحقّه فلا يستوحش فيما بينهم غريب". أما القدر الأكبر من الاهتمام فوجهه ابن بطوطة لمسجد البصرة القديم الذي يُعرف بمسجد علي بن أبي طالب، حيث قال: "وهذا المسجد من أحسن المساجد، وصحنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء... وفيه المصحف الكريم الذي كان عثمان رضي الله عنه يقرأ فيه لمّا قتل... وأثر تغيّر الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم...".

 

الكوفة وبغداد

قضى ابن بطوطة بعض الوقت في البصرة ثم سافر زائراً بعض المدن الإيرانية، وبعدها قدم مرة أخرى إلى العراق فدخل إلى الكوفة ووصف مسجدها وما احتوى عليه من كرامات ومزارات مقدسة.

يحكي بعض القصص الشعبية المنشرة بين أهل الكوفة بخصوص هذا المسجد فيقول "...منها بيت إزاء المحراب عن يمين مستقبل القبلة، يقال: إن الخليل، صلوات الله عليه، كان له مصلّى بذلك الموضع، وعلى مقربة منه محراب محلّق عليه بأعواد الساج مرتفع وهو محراب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهنالك ضربه الشّقي ابن ملجم والناس يقصدون الصلاة به، وفي الزاوية من آخر هذا البلاط مسجد صغير محلّق عليه ايضاً بأعواد الساج يذكر أنه الموضع الذي فار منه التنّور حين طوفان نوح عليه السلام، وفي ظهره خارج المسجد بيت يزعمون أنّه بيتنوح عليه السلام، وإزاؤه بيت يزعمون أنه متعبّد إدريس عليه السلام، ويتّصل بذلك فضاء متّصل بالجدار القبليّ من المسجد يقال إنّه موضع إنشاء سفينة نوح عليه السلام. وفي آخر هذا الفضاء دار عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والبيت الذي غسل فيه، ويتّصل به بيت يقال أيضاً إنه بيت نوح عليه السلام، والله أعلم بصحّة ذلك كلّه".

غادر ابن بطوطة الكوفة واتجه لمدينة الحلّة فكتب مظهراً إعجابه بعمرانها: "هي مدينة كبيرة... ولها أسواق حسنة جامعة للمرافق والصناعات وهي كثيرة العمارة، وحدائق النخل منتظمة بها داخلاً وخارجاً، ودورها بين الحدائق، ولها جسر عظيم معقود على مراكب متّصلة منتظمة فيما بين الشطّين تحفّ بها من جانبيها سلاسل من حديد مربوطة في كلا الشطّين إلى خشبة عظيمة مثبتة بالساحل...".

ثم توجه إلى مدينة كربلاء فوصف ما بها من مراقد دينية، وتحدث عن اهتمام أهل المدينة بالزائرين والمسافرين فقال: "مدينة صغيرة تحفّها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات. والروضة المقدّسة داخلها، وعليها مدرسة عظيمة، وزاوية كريمة، فيها الطعام للوارد والصادر، وعلى باب الروضة الحجّاب والقومة لا يدخل أحد إلّا عن إذنهم فيقبّل العتبة الشريفة وهي من الفضّة وعلى الضريح المقدّس قناديل الذهب والفضّة وعلى الأبواب أستار الحرير...".

يمم ابن بطوطة وجهه بعد ذلك قاصداً مدينة بغداد التي وصفها بقوله: "مدينة دار السلام، وحضرة الإسلام، ذات القدر الشريف، والفضل المنيف، مثوى الخلفاء، ومقرّ العلماء...".

ووصف الرحالة الطنّجي مساجد بغداد العامرة بالمصلين، والجسور المقامة على جانبي نهر دجلة، كما تحدث عن الحمامات العامة المنتشرة في بغداد. وقال مسلطاً الضوء على بعض العادات الاجتماعية الشائعة بين البغداديين عند استخدامهم الحمامات العامة، إن كل حمام توجد به عدد من الخلوات/ الغرف "وفي داخل كلّ خلوة حوض من الرخام فيه أنبوبان، أحدهما يجري بالماء الحارّ والآخر بالماء البارد فيدخل الإنسان الخلوة منها منفرداً لا يشاركه أحد إلّا إن أراد ذلك، وفي زاوية كلّ خلوة أيضاً حوض آخر للاغتسال، فيه أيضاً أنبوبان يجريان بالحارّ والبارد، وكلّ داخل يُعطى ثلاثاً من الفوط: إحداها يتّزر بها عند دخوله والأخرى يتّزر بها عند خروجه، والأخرى ينشف بها الماء عن جسده".

كما أبدى إعجابه بهذا النظام الدقيق المتبع فقال: "ولم أر هذا الاتقان كلّه في مدينة سوى بغداد، وبعض البلاد تقاربها في ذلك".

من جهة أخرى، حرص ابن بطوطة على وصف الحياة العلمية في بغداد من خلال زيارة المدرسة الشهيرة المعروفة باسم المدرسة المستنصرية، والمنسوبة للخليفة العباسي المستنصر بالله. يقول عن المدرسة التي تضم شيوخاً لتدريس الفقه على المذاهب السنية الأربعة: "لكلّ مذهب إيوان فيه المسجد، وموضع التدريس وجلوس المدرّس في قبّة خشب صغيرة على كرسيّ عليه البسط، ويقعد المدرس وعليه السكينة والوقار لابساً ثياب السواد معتماً، وعلى يمينه ويساره معيدان يعيدان كلّ ما يمليه، وهكذا ترتيب كلّ مجلس من هذه المجالس الأربعة، وفي داخل هذه المدرسة الحمّام للطلبة ودار الوضوء...".

وبعد خروجه من بغداد، توجه ابن بطوطة إلى شمال العراق فزار الموصل. وتحدث عن مزاراتها المهمة وعن قبر النبي يونس، كما أشاد كثيراً بأهلها، فقال إن "لهم مكارم أخلاق ولين كلام وفضيلة ومحبّة في الغريب وإقبالاً عليه...". ثم خرج من العراق متوجهاً إلى مدينة مكة في السعودية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".