أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
أسلحة مرفوعة خلال عراضة عشائرية- تعبيرية

أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

والشعلاني، هو أحد شيوخ العشائر و"رمز من رموز ثورة العشرين" على ما يصفه شيوخ عشائر آخرون، وبسبب موقعه الاجتماعي المرموق، كانت عراضته لافتة لحجم المشاركة من قبل باقي العشائر وعدد المسلحين الذين أطلقوا النار في جنازته، على الرغم من أن "الشيخ أوصى بعدم الرمي في حالة وفاته"، كما يؤكد حيدر أبو طيبخ لـ"ارفع صوتك".

ويقول حيدر الذي شارك في جنازة الشعلاني: "من الصعب التخلص من هذه الظاهرة لأنها متجذرة في المجتمع العراقي، وليست وليدة اليوم".

ويُجمع شيوخ العشائر الذين التقاهم "ارفع صوتك" على نبذ ظاهرة إطلاق النار أثناء تشييع الموتى، لكن "هناك تقاليد عشائرية لا يمكن إلغاؤها بسهولة.. ربما يمكن الحد منها، لكن إنهاءها تماماً غير ممكن"، وفق الشيخ سلام عبيس.

ويوضح لـ"ارفع صوتك"، أن شيوخ العشائر "يبذلون جهوداً للتخفيف من هذه الظواهر وإقناع ممارسيها بالعدول عنها"، مشدداً في الوقت ذاته، على "أهمية سلاح العشائر في حماية العراق".

ويشير عبيس إلى أنه شارك في القتال ضد تنظيم داعش في عام ٢٠١٤، بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها المرجع الشيعي علي السيستاني.

وسيلة إخبار

من جهته، يشرح الشيخ علي آل الشريف، شيخ عشائر بني عبس، أن استخدام السلاح في العراضات كانت له أسبابه الموجبة تاريخياً، المتعلقة بإعلام العشائر البعيدة بخبر وفاة شخصية ما، مع عدم وجود وسائل اتصال سريعة.

"كان إطلاق النار لإيصال الصوت إلى العشائر المجاورة وإعلامها بحدوث أمر جلل، لكن هذه الوسيلة استمرت رغم توفر وسائل الاتصال السريعة التي يمكن عبرها إيصال الأخبار من دون الحاجة إلى إطلاق النار"، يضيف آل الشريف لـ"ارفع صوتك".

والعراضة العشائرية، بحسب الباحث الاجتماعي والتاريخي يوسف المحسن، هي "فعالية اجتماعية تقوم بها مجموعة من الأشخاص للتعبير عن المساندة والمواساة لعائلة أخرى أو لأشخاص آخرين في حالات الحزن والفرح. والفعالية نفسها قد تقوم بها قبيلة أو مجموعة قبائل أو عشيرة أو مجموعة من العشائر للمواساة في حزن أو المشاركة في الأفراح. كما أنها جزء من نظام الترابط القبائلي".

ويوضح المحسن لـ"ارفع صوتك": "في الأصل تستند العراضة إلى تجمع أشخاص على شكل جماعة تشبه التظاهرة، يقومون بترديد الهوسة (أهازيج)، وراء شاعر أو مهوال، وهو من يتحكم بهذه المسيرة في طريقها إلى إقامة العزاء أو إقامة الفرح. وعند الوصول إلى المكان يتم ترديد قصائد وهوسات. ويصاحب العراضات غالباً إطلاق نار للتعبير عن الفرح أو الحزن".

ويقول إن العراضات "طقس متوارث منذ مئات السنين حتى حينما لم يكن هناك بنادق، حيث كانت تستخدم السيوف في العراضات".

والعراضة في حالة وفاة شخصية عشائرية كبيرة، كما هي الحال مع وفاة الشيخ الشعلاني، "تكون على شكل مجاميع من أكثر من عشيرة، تشارك العشيرة التي خسرت كبيرها الحزن على فراقه"، بحسب المحسن.

ويتابع: "إطلاق النار الكثيف الذي يشهده هذا النوع من العراضات جزء من التقاليد التي يصعب تجاوزها أو التخلي عنها".

ويذكّر المحسن بمبادرات ونداءات صادرة عن شيوخ العشائر بإيقاف هذه الظاهرة، لكن دون جدوى. يقول: "هناك مواثيق عشائرية وُقعت وفتاوى دينية خرجت بهذا الخصوص، لكن لم يلتزم بها أحد".

ويعلّل الأمر، بأن "العرف العشائري أقوى، إذ تعيّر العشائر بعضها إذا حدثت عراضة دون إطلاق رصاص، وتعتبرها انتقاصاً من المحتفى به، أكان حياً أو ميتاً".

ويبيّن المحسن، أن الأمر بالنسبة للعشائر أشبه "بالطقوس العسكرية التي تقوم على تشييع قتلى الجيش بإطلاق الرصاص أو المدافع".

لكن التباهي بين القبائل والعشائر، بحسب المحسن، يسبب "تشاحناً قد يتحوّل إلى اشتباكات مسلّحة"، فضلاً عن الرصاص الذي يطلق في الهواء خلال العراضات، ويعود في حالات كثيرة ليكون قاتلاً ويصيب أبرياء".

ويلفت المحسن، إلى أن "الأرقام تتحدث عن أكثر من 1500 إصابة برصاص العراضات في السنوات القليلة الماضية"، وهذا "يضاهي الإرهاب"، على حدّ تعبيره.

"عدم الحضارة"

تعقيباً على مسألة العراضات، يرى رجل الدين علي العاكوبي، أنها تنمّ عن "عدم الحضارة"، حيث ينتج عنها ضحايا أبرياء، مردفاً "هؤلاء الأبرياء لهم دية شرعية وبعض الفقهاء يعتبرون هذا القتل بمثابة قتل عمد".

وهناك توجيهات، بحسب العاكوبي من المرجعية الدينية الممثلة بالسيد علي السيستاني، على أن "هذه الظواهر سلبية ويجب ألا نعمل بها".

بدوره، يؤكد مدير الشرطة المجتمعية في المثنى، العميد علي عجمي رسول، أن "قيادة شرطة محافظه المثنى ووزارة الداخلية متمثلة بوزير الداخليه تستنكر بشدة ظاهرة الرمي العشوائي في المناسبات إذا كانت حزناً أو فرحاً".

ويقول لـ"ارفع صوتك"، إن "هذه الظاهرة لا تمت للمجتمع العراقي بصله قانوناً وشرعاً وحتى أخلاقاً، بما تتركه من آثار جسيمة على المواطنين يعاقب عليها القانون".

ويشير رسول إلى أن شرطة المثنى "أصدرت أوامر قبض عديدة بحق أشخاص قاموا بالرمي العشوائي على مناطق سكنية آمنة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".