عناصر من الحشد الشعبي/ من أرشيف فرانس برس
عناصر من الحشد الشعبي/ من أرشيف فرانس برس

تثير زيادة أعداد عناصر ومقاتلي الحشد الشعبي خلال الأشهر الماضية بنسبة 95% مقارنة بالعامين الماضيين الكثير من التساؤلات حول أسباب هذه الزيادة، في وقت لا يخوض العراق الآن أية حروب ويشهد استقرار أمنيا لا يتوافق مع وجود هذا الكم الهائل من المقاتلين.

وكشف تقرير اللجنة المالية النيابية الخاص بمشروع "قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق"، الصادر في 15 أبريل الماضي في المادة العاشرة منه، عن زيادة عديد الحشد الشعبي بنسبة 95% مقارنة بأعدادهم في موازنة عام 2021.

وأشار التقرير إلى أن عدد القوى العاملة في الحشد الشعبي خلال عام 2021 بلغ 122 ألف شخص، فيما أصبح عددهم خلال مشروع الموازنة الحالي 238,075 شخصا.

لكن رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، اعتبر هذه الإحصائية الصادرة عن اللجنة النيابية خاطئة، وأوضح خلال مشاركته في برنامج تلفزيوني في إحدى الفضائيات العراقية (17 أبريل)، أن "أعداد الحشد الشعبي خلال عامي 2021 و2022 بلغت 170 ألف مقاتل، وأصبحت العام الحالي 204000 مقاتل بعد إضافة المفسوخة عقودهم"، مشددا على أن الحشد لا يمثل تحدياً للدولة، بل "حامياً لها ومدافعاً عن النظام السياسي".

من جهته، يرى عضو اللجنة المنظمة لمظاهرات تشرين، عدي الزيدي، أن السبب الرئيس من الزيادة " اعتبار إيران للعراق خندقها المتقدم في أي حرب تخوضها".

ويضيف الزيدي لـ"ارفع صوتك": "إيران في تسابق مع الزمن لتجنيد أكبر عدد من العراقيين واليمنيين والسوريين واللبنانيين في صفوف المليشيات الموالية لها في هذه الدول، لأنها لن تقاتل بجيشها بل بهذه المليشيات. طهران لا تخسر شيئا في أي حرب ستخوضها لأن الأموال والمقاتلين وساحة الحرب في العراق".

وتشكل الحشد الشعبي عام 2014 بفتوى من المرجع الشيعي علي السيستاني لمواجهة تنظيم داعش الذي سيطر على محافظة نينوى شمال العراق وعدد من المحافظات الأخرى.

ويتألف بشكل رسمي من حوالي 68 فصيلا مسلحا إلى جانب فصائل أخرى تتبعها خارج هيئة الحشد، كفصائل "أولياء الدم" و"عصبة الثائرين" و"المنتقم" و"أصحاب الكهف" و"الغاشية"، ليصل عددها معا 73 فصيلا مسلحا.

قسم من هذه الفصائل كان موجودا قبل تشكيل الحشد، مثل "منظمة بدر"، التي أسستها إيران من المعارضين العراقيين الشيعة عام 1982 في إيران، وهي النواة الرئيسية التي انبثقت منها الفصائل الأخرى فيما بعد.

أما أبرز الفصائل المسلحة الأخرى، فتتمثل في "كتائب حزب الله العراقي"، و"عصائب أهل الحق" و"كتائب سيد الشهداء" و"كتائب الإمام علي" و"حركة النجباء" و"سرايا السلام" و"كتائب بابليون"، و"كتائب جند الإمام".

ويستبعد نائب رئيس تحالف "أبناء دجلة والفرات"، علي البياتي، أي مخاوف من زيادة أعداد الحشد الشعبي، موضحا: "الحشد الشعبي والفصائل المنضوية فيه ضمن مؤسسة الدولة وبقاؤها والقوى الأمنية الأخرى ضمان لبقاء الدولة".

ويؤكد أن "تحالف أبناء دجلة والفرات يقف مع عدم المساس بالحشد الشعبي كمؤسسة دولة، لا بل المحافظة عليها وأن يكون كل السلاح خارج إطار الدولة ضمن هيئة الحشد الشعبي والاهتمام بشهدائها وجرحاها".

وتتلقى فصائل الحشد الشعبي دعمها من موازنة العراق. بحسب تقرير اللجنة المالية النيابية، بلغت تخصيصات هيئة الحشد الشعبي في مشروع الموازنة العامة للعراق لعام 2023، (3,5) ترليون دينار عراقي بعد أن كانت تخصيصاتها في موازنة عام 2021، (2,9) ترليون دينار، بنسبة نمو بلغت 21%.

تمكنت الهيئة خلال السنوات التي أعقبت تشكيلها من بناء ترسانة من الأسلحة المتطورة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيرة.

وتعتمد في بناء ترسانتها على قناتين: الأولى السلاح الذي تتلقاه من الحكومة العراقية كجزء من منظومة الدفاع العراقية، وسلاح تتلقاه من الحرس الثوري الإيراني وغالبيته من الصناعات العسكرية الإيرانية والروسية، من ضمنها الطائرات المسيرة والصواريخ.

يقول الخبير الأمني والإستراتيجي علاء النشوع، إن استمرار المليشيات خارج إطار الدولة "قرار إيراني قبل أن يكون عراقيا"، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "المليشيات العراقية امتداد للحرس الثوري الإيراني الذي يعتبر أكبر قوة عسكرية في إيران، وهي أقوى من الجيش الإيراني، وتمتلك مقدرات كبيرة تجتاز الجيش وكل المؤسسات الإيرانية الأخرى".

ويشير إلى أن هذه المليشيات "تمثل العمق الدفاعي الذي سيواجه أي عمل عسكري ضد إيران من جانب، والسيطرة على كل مقدرات العراق".

ويتابع: "هناك منظمات وجمعيات عديدة تعمل ضمن إطار المجتمع المدني في العراق مهمتها تجنيد الشباب في صفوف هذه الفصائل بعد زجهم في معسكرات تدريبية داخل إيران، يتلقون فيها تدريبات عسكرية وعقائدية لعدة أشهر، ثم يعودون إلى العراق للانضمام إلى صفوف هذه الفصائل، وتصرف لهم الرواتب وهم في بيوتهم ويستخدمون عندما تحين الفرصة في حالة وجود أي تهديد للنفوذ الإيراني في العراق".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".