تسبب الهجوم الكيماوي على حلبجة في مقتل أكثر من 5000 شخص من سكانها.
تسبب الهجوم الكيماوي على حلبجة في مقتل أكثر من 5000 شخص من سكانها.

تنظر محكمة فرنسية في دعوى قضائية أقامها الآلاف من ضحايا حلبجة ضد 8 شركات أوروبية بزعم تزويدها لنظام صدام حسين بالأسلحة الكيمياوية التي استعان بها في قصف مدينتهم عام 1988، متسببًا في مذبحة مروعة لا تزال ماثلة في الأذهان إلى اليوم.

هذه الخطوة ليست بالجديدة. ففي 2013 أعلن 20 ناشطًا كرديًا اتخاذ إجراءات قانونية ضد شركات فرنسية ساهمت في بناء ترسانة صدام الكيمياوية. وبحسب المدّعين، فإن 20 مؤسسة فرنسية زودت بغداد بالمواد الخام اللازمة لتصنيع الأسلحة المحرّمة دوليًّا.

وأيضًا، في 2018 تعهّد عدد كبير ممن تبقى على قيد الحياة من الضحايا وأقاربهم بتنفيذ ملاحقة قضائية ضد كافة الشركات الأوروبية التي سهّلت لصدام حسين امتلاك أسلحة دمار شامل.

ملاحقو الشركات الأوروبية ليسوا الضحايا الأكراد وحدهم، بل هناك أيضا محاربون أمريكيون تعرضوا لإصابات جسيمة خلال حرب الخليج، ويقولون إنها نتجت عن استعمال العراق أسلحة دمار شامل اشتراها من مؤسسات تجارية غربية، فقرّروا هم أيضا مقاضاتها داخل بلادهم.

 

البحث عن الجاني

 

في تقريرٍ نشرته "بي بي سي" في 2012، قالت المحطة البريطانية إن روسيا "ربما" تكون الدولة التي أمدّت صدام حسين بالأسلحة الكيماوية.

وتشمل قائمة الاتهام أيضا دولا غربية لعبت دورًا كبيرًا في بناء ترسانة العراق الكيماوية وقتها، مثل ألمانيا الغربية وهولندا وفرنسا وبريطانيا.

وفي 2002، ناقشت الأمم المتحدة تقريرًا من 11 ألف صفحة استعرض دور الشركات الألمانية في بناء ترسانة صدام الكيمياوية.

بحسب التقرير، فإن 80 شركة ألمانية زوّدت العراق بالمعدات اللازمة لبرامج أسلحته الفتّاكة، أشهرها شركة "كارل كورب" (Karl Kolb)، التي حُوكم 7 من قادتها بتهمة السماح لصدام حسين بامتلاك أسلحة دمار شامل.

وبحسب تقديرات "واشنطن بوست"، فإن شركات ألمانية زوّدت بغداد بمعدات "ذات استخدام مزدوج" بقيمة 198 مليون دولار خلال الفترة من 1986 وحتى 1990.

واتهمت مجلة "شتيرن" الألمانية شركة "كارل كورب"، منذ عام 1987، بأنها زودت بغداد بـ"غرفة غاز" لاختبار تأثير الأسلحة الكيماوية على الكلاب والقطط، وكذلك ساهمت في بناء ثاني أكبر مصنع للأسلحة الكيميائية في الفلوجة.

هذا الموقع بالذات سيشير إليه كولن باول، وزير الخارجية الأميركي، خلال جلسته الشهيرة في مجلس الأمن عام 2003 باعتباره من ضمن منشآت تصنيع أسلحة الدمار الشامل.

وفقًا لتقرير الأمم المتحدة، فإن الشركات الألمانية لم تكتفِ بتزويد العراق بمعدات يُمكن استخدامها مدنيا وعسكريا في ذات الوقت، مثل المكابس والمخارط والأوعية غير القابلة للتآكل وغيرها، بل انخرطت الصناعة الألمانية في منح العراق مصانع كاملة قادرة على إنتاج مئات الأطنان من الغازات السامة وكذلك معدات لتزويد الصواريخ الباليسيتة برؤوس جرثومية.

ولهذا، خلص التقرير الأممي إلى أن المساعدة الألمانية لعبت دورًا كبيرًا في تطوير الغاز السام الذي استُخدم في ارتكاب مذابح جماعية ضد الأكراد عام 1988.

وفي 2013، أعلن البرلمان الألماني عن "عميق أسفه لوقوع تلك الجريمة في حلبجة، والتي استخدمت فيها غازات سامة صنعتها شركات ألمانية ووردتها إلى العراق بطرق غير شرعية".

لم يقتصر استخدام صدام حسين لهذه الأسلحة على الأكراد وحسب، وإنما استخدمه الجيش العراقي أيضًا خلال حربه الطويلة مع إيران، وهو ما دفع طهران للإعلان في 2021 أنها تنوي ملاحقة كافة الشركات الألمانية التي زوّدت صدام بالأسلحة الكيمياوية.

وفي العام الماضي، أعلن ناصر كنعاني، المتحدث بِاسم وزارة الخارجية الإيرانية، أن بلاده شكّلت لجنة متخصصة للقيام بتحقيقات معمقة لإثبات حجم دور ألمانيا في بناء البرنامج الكيمياوي للعراق.

كذلك، فإن 11 شركة ألمانية حصلت على 50 مليون دولار لمساعدة العراق على تحسين دقة صواريخ سكود التي جرى استخدامها في قصف السعودية وإسرائيل، إبان حرب الخليج.

 

هولندا.. إدانة دولية

 

في ديسمبر 2005، أدانت محكمة العدل الدولية في لاهاي، رجل الأعمال الهولندي فرانس فان أنرات بتهمة تزويد صدام حسين بالأسلحة الكيمياوية، ومساعدته في تنفيذ غارات مميتة بالغاز على قرى كردية عام 1988.

فما بين عامي 1984 و1988، زوّد رجل الأعمال الهولندي النظام العراقي بآلاف الأطنان من المواد الكيميائية الخام، التي يُمكن استخدامها في صناعة أسلحة مدمّرة.

وأمرت المحكمة بسجن فرانس 15 عامًا على الرغم من محاولته الدفاع عن نفسه بأنه لم يكن يعلم أن بغداد ستستخدم المواد الكيميائية في صُنع أسلحة، وأن صدام كان سيرتكب هذه المذابح بمساعدته أو بدونها.

قبل ذلك، ومنذ شيوع اسم فرانس فان أنرات كأحد أكبر مزودي صدام حسين بأسلحة الدمار الشامل، هرب الرجل إلى العراق وعاش به حتى عام 2003. وبعد إسقاط النظام البعثي غادر إلى هولندا حيث قُبض عليه.

مقبرة ضحايا هجوم حلبجة الكيمائي في كردستان العراق
ناجية من حلبجة: بدل الماكياج.. أحمل جهاز الأوكسجين
"بدلا من أن أحمل في حقيبتي المكياج كغيري من الفتيات، أحمل أنا أدوات التنفس الاصطناعي لأنني لا أستطيع التنفس بدونها" تقول بيمان عزيز إحدى ضحايا السلاح الكيميائي في محافظة حلبجة بإقليم كردستان في شمال العراق.
ويحي العالم سنويا في ٣٠ نوفمبر/ تشرين الثاني اليوم العالمي لإحياء جميع ضحايا الحرب الكيميائية الذي حددته الدورة العشرين لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية

وبحسب الادعاء، فإن فان أنرات زوّد العراق بـ36 شحنة من غاز الخردل وغاز الأعصاب، جرى تهريبها إلى بلجيكا ومنها إلى الأردن حتى وصلت بغداد.

في حيثيات حُكمه، أكّد القضاء الدولي أن جهود رجل الأعمال الهولندي "سهّلت الهجمات، وشكّلت جريمة حرب". لذا اعتبرت المحكمة أنها لا تعتبر العقوبة القصوى (15 عامًا) كافية لعقاب فراس إزاء جرائمه، لكنها أقصى عقوبة تستطيع توقيعها عليه.

 

بريطانيا.. حرب وزارية بسبب "مصنع الكلور"

 

بحسب ما أعلنته وزارة الخارجية البريطانية في 2015، فإن معدات إنجليزية استعان بها صدام حسين في تطوير أسلحته البيولوجية.

ووفقًا للبيانات الرسمية البريطانية، فإن مقاولاً هنديًا تولّى إنشاء مصنع للمبيدات الحشرية شمال بغداد اشترى معدّات من شركة Weir Pumps" " البريطانية. لاحقًا ستُستخدم هذه المنشأة لصناعة غاز الخردل التي استخدمتها القوات العراقية خلال حربها مع إيران.

وكذلك، تولّت شركة "أودي" البريطانية إنشاء مصنع آخر لتصنيع الكلور متجاهلة تحذيرات وزارة الخارجية من وجود "شكوك قوية" بأنه سيُستخدم لتصنيع أسلحة كيماوية.

حينها، وجّه ريتشارد لوس، وزير الخارجية، نداءً إلى زميله بول شانون، وزير التجارة، بضرورة التدخل لإيقاف هذه الصفقة التي "ستدمّر صورة بريطانيا أمام العالم" بحسب وصفه، لكن لوس رفض الطلب استجابةً لموقف حكومته التي كانت تدعّم العراق في حربه ضد إيران.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

دأت المداولات بعد ظهر الاثنين في القضية التي رفعها ثلاثة عراقيين ضد شركة المقاولة العسكرية CACI.
دأت المداولات بعد ظهر الاثنين في القضية التي رفعها ثلاثة عراقيين ضد شركة المقاولة العسكرية CACI.

يدرس ثمانية محلفين في محكمة المنطقة الشرقية من ولاية فرجينيا الأميركية، ما إذا كانت شركة مقاولات مدنية، مسؤولة عن التعذيب الذي حدث في سجن أبو غريب خلال حرب العراق، أم لا.

وبدأت المداولات بعد ظهر الاثنين في القضية التي رفعها ثلاثة عراقيين ضد شركة المقاولة العسكرية CACI بشأن دور مواظفيها المحتمل في الانتهاكات التي حدثت في السجن سيء السمعة، وفق موقع "كورت هاوس نيوز".

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، قال محامي الشركة لهيئة المحلفين، إن المدعين يقاضون الجهة الخطأ.

وأضاف، جون أوكونور، محامي الدفاع عن "CACI" خلال المرافعات الختامية "إذا كنتم تعتقدون أنهم تعرضوا للإيذاء.. اطلبوا منهم تقديم دعواهم ضد الحكومة الأميركية.. لماذا لم يقاضوا الأشخاص الذين أساءوا إليهم؟".

ولطالما نفت شركة CACI، ومقرها فيرجينيا، والتي وفرت المحققين في السجن، تورطها في التعذيب، وحاولت أكثر من اثنتي عشرة مرة رفض الدعوى القضائية.

وقد تم رفع القضية أصلا في عام 2008.

فضيحة 2004

تمثل الدعوى القضائية التي رفعها المعتقلون الثلاثة السابقون في سجن أبو غريب المرة الأولى التي تدرس فيها هيئة محلفين أميركية مزاعم الانتهاكات في السجن الذي كان موقعا لفضيحة عالمية قبل 20 عاما، عندما أظهرت صور علنية جنودا أميركيين يبتسمون وهم يرتكبون انتهاكات.

 

En esta imagen de finales de 2003 a la que The Associated Press tuvo acceso, se ve a un detenido no identificado de pie sobre…

وتزعم الدعوى أن المحققين المدنيين الذين قدمتهم CACI إلى أبو غريب ساهموا في تعذيب المدعين من خلال التآمر مع الشرطة العسكرية "لتليين" المعتقلين أثناء الاستجواب.

واعتمدت شركة CACI في مرافعاتها الختامية، جزئيا على نظرية قانونية تُعرف باسم "مبدأ الخادم المقترض"، والتي تنص على أن صاحب العمل لا يمكن أن يكون مسؤولا عن سلوك موظفيه إذا كان كيان آخر يتحكم ويوجه عمل هؤلاء الموظفين.

وتقول CACI إن الجيش الأميركي كان يوجه ويراقب موظفيه في عملهم كمحققين.

في المقابل، يشكك محامو المدعين في أن CACI تخلت عن السيطرة على المحققين للجيش. وأثناء المحاكمة، قدموا أدلة على أن عقدها مع الجيش الأميركي، يتطلب منها الإشراف على موظفيها. 

ورأى المحلفون أيضًا قسمًا من الدليل الميداني للجيش يتعلق بالمقاولين وينص على أنه "يجوز للمقاولين فقط الإشراف على موظفيهم وإعطاء التوجيهات لهم.

وقال محمد فريدي، أحد محامي المدعين إنه إذا تآمر محققو CACI مع الشرطة العسكرية لإساءة معاملة المعتقلين لتليينهم أثناء الاستجواب، فيمكن لهيئة المحلفين أن تعتبر CACI مسؤولة حتى لو لم يرتكب محققوها، أنفسهم، إساءة معاملة أي من المدعين الثلاثة.

معاملة مروعة

شهد جميع المدعين الثلاثة على معاملة مروعة بما في ذلك الضرب والاعتداءات الجنسية والتهديد بالكلاب والإجبار على ارتداء ملابس داخلية نسائية، لكنهم قالوا إن الانتهاكات ارتكبها إما جنود أو مدنيون لا يمكن التعرف عليهم على أنهم موظفون في CACI. 

وفي بعض الحالات، قال المحتجزون السابقون إنهم لم يتمكنوا من رؤية من كان يسيء إليهم لأن أكياسا كانت فوق رؤوسهم.

وكدليل على تواطؤ CACI، استمع المحلفون إلى شهادة اثنين من الجنرالات المتقاعدين الذين حققوا في فضيحة أبو غريب في عام 2004؛ وخلص كلاهما إلى أن محققي CACI متورطون.

وقال فريدي لهيئة المحلفين إنه في حين أن العديد من الجنود الذين أساءوا معاملة المعتقلين أدينوا وحكم عليهم بالسجن، إلا أن CACI لم تتم محاسبتهم بعد.

قال فريدي أيضا "عندما علم جيش بلادنا بالانتهاكات، لم يتستروا عليها". “لقد قام جيش بلادنا بمحاسبة أفراد الشرطة العسكرية الذين كانوا يرتكبون الانتهاكات. أفلتت CACI من المسؤولية.

وتابع قائلا إنه حتى عندما طلب الجيش من CACI تحميل المحققين المسؤولية، فإنه ظل يسعى إلى التهرب من المسؤولية. 

وفي مايو  2004، طلب الجيش من CACI طرد أحد محققيه، وهو دان جونسون، بعد أن أظهرت إحدى صور أبو غريب جونسون وهو يستجوب معتقلاً أُجبر على اتخاذ وضعية القرفصاء غير الملائمة التي خلص المحققون إلى أنها وضعية مجهدة غير قانونية.

واعترضت CACI على إقالة جونسون، وكتبت أن "الصورة تصور ما يبدو أنه مشهد مريح نسبيًا" قائلة إن "وضع القرفصاء أمر شائع وعادي بين العراقيين".

وقال فريدي لهيئة المحلفين الاثنين "سأترك الأمر لكم لتفكروا في ما إذا كنتم تعتبرون ذلك مهينًا".

وأثناء المحاكمة، شهد موظفو CACI أنهم دافعوا عن عمل جونسون لأن أفراد الجيش طلبوا منهم "عبر القنوات الخلفية القيام بذلك"، وفق وكالة أسوشيتد برس. 

وقال محامي الشركة، أوكونور ، إنه من بين مئات من صور الانتهاكات في أبو غريب، فإن صورة جونسون هي الصورة الوحيدة التي تصور موظفاً في CACI، وتظهره وهو يستجوب ليس أحد المدعين بل شرطي عراقي بعد أن قام شخص ما بإدخال مسدس داخل السجن وأطلق النار على الشرطة العسكرية.

وتأخرت المحاكمة لأكثر من 15 عاما بسبب الجدل القانوني والتساؤلات حول ما إذا كان من الممكن مقاضاة CACI أم لا. 

حصانة؟

ركزت بعض المناقشات على مسألة الحصانة - كان هناك منذ فترة طويلة افتراض بأن حكومة الولايات المتحدة سوف تتمتع بالحصانة السيادية من أي دعوى مدنية، وزعمت CACI أنها، باعتبارها متعاقدًا حكوميًا، ستتمتع بحصانة أيضا.

 

سجن أبو غريب- العراق

لكن قاضية المقاطعة الأميركية ليوني برينكيما، قررت، في حكم هو الأول من نوعه، أن الحكومة الأميركية لا يمكنها المطالبة بالحصانة في القضايا التي تنطوي على انتهاكات أساسية للمعايير الدولية، مثل مزاعم التعذيب. 

ونتيجة لذلك، لم تتمكن CACI من المطالبة بأي نوع من الحصانة أيضًا.