تصنف "وادي السلام" على أنها أكبر مقبرة في العالم وتضم رفات ملايين الموتى.
تصنف "وادي السلام" على أنها أكبر مقبرة في العالم وتضم رفات ملايين الموتى.

مقبرة وادي السلام واحدة من أشهر المقابر في العالم. استقبلت تلك المقبرة جثامين الملايين من البشر على مدار ما يزيد عن الأربعة عشر قرناً. ولها مكانة خاصة لدى في نفس الشيعة في العراق وخارجه. وهي مذكورة في أحاديث النبي والأئمة، بحسب المصادر الشيعية الإمامية. ما هو تاريخ مقبرة وادي السلام؟ ولماذا تحتل تلك المكانة السامية في الوجدان الشيعي؟ وماذا عن القصص العجيبة التي ارتبطت بها عبر الأجيال؟

 

تاريخ مقبرة

 

تقع مقبرة وادي السلام في محافظة النجف الأشرف في الجنوب الغربي من العاصمة العراقية بغداد. وهي تمتد على مساحة واسعة تزيد عن ستة كيلومترات، يحدها من الجنوب ضريح الإمام علي بن أبي طالب.

دُفنت جثامين الملايين من البشر في وادي السلام. واحتوت على أشكال متنوعة من المدافن. منها السراديب الموجودة تحت الأرض. ومنها المقابر الحجرية والمصنوعة من الطوب. تحتوي المقبرة أيضاً على بعض المراقد المشهورة المنسوبة للأنبياء، مثل هود وصالح، والمقامات المنسوبة لكل من الأئمة علي زين العابدين، وجعفر الصادق، ومحمد بن الحسن العسكري.

في سنة 2011م، تم تسجيل مقبرة وادي السلام في القائمة الإرشادية المؤقتة لمواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونيسكو. وجاء في التقرير الخاص بالمقبرة: "تعتبر مقبرة وادي السلام روح المدينة لأنه يزورها ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم.. وهي من أكبر المقابر في العالم.. وهي المقبرة الوحيدة في العالم التي لا تزال عملية الدفن مستمرة فيها حتى يومنا هذا منذ أكثر من 1400 عام".

وبحسب التقرير، بدأ دفن الموتى في المقبرة في عهود الساسانيين والبارثيين قبل ظهور الإسلام. وتذكر بعض المصادر أن عدداً من ملوك مملكة الحيرة القديمة دفنوا بها في القرن السادس الميلادي.

 

مكانتها في التقليد الشيعي

 

تحظى مقبرة وادي السلام بمكانة مهمة في المعتقد الإمامي الإثني عشري. يعتقد الشيعة أن مدينة النجف واحدة من البقاع المقدسة. تقول إحدى الروايات الشيعية المنسوبة إلى النبي: "أخصاص بين الحيرة ووادي كوفان يدافع اللّه عنها كدفاعه عن حرمي". من جهة أخرى، استمدت مقبرة وادي السلام خصوصيتها بسبب احتوائها على مرقد الإمام علي بن أبي طالب. تقول المصادر الشيعية أن النبي ذكر للإمام علي أنه سيدفن في النجف، وأن علياً أمر أبناءه عند احتضاره بأن يدفنوه في تلك البقعة على وجه الخصوص.

يذكر الطبرسي في كتابه "إعلام الورى بأعلام الهدى" أن علياً قال للحسن والحسين: "إذا أنا متّ فاحملاني على سريري... ثمّ ائتيا بي الغريّين -منطقة في النجف- فإنّكما ستريان صخرة بيضاء فاحتفرا فيها فإنّكما ستجدان فيها ساجة فادفناني فيها".

يعتقد الشيعة أنه تم إخفاء قبر علي بن أبي طالب عند دفنه حتى لا يتعرض له أعداؤه من الأمويين والخوارج بالأذى، وأن الأئمة وحدهم هم الذين استأثروا بمعرفة مكان القبر الحقيقي. وبقي الأمر على هذا الحال حتى قدم الإمام السادس جعفر الصادق إلى الحيرة زمن خلافة أبي جعفر المنصور، فأعلن مكان القبر. وبدأ الناس منذ ذلك الحين في عمارته والتبرك به. وتقول رواية أخرى إن الخليفة العباسي هارون الرشيد هو الذي كشف عن موضع القبر زمن خلافته.

يتفق الشيعة على أهمية زيارة مقبرة وادي السلام بشكل عام، وعلى زيارة قبر علي بن أبي طالب على وجه الخصوص. ويذكرون العديد من الروايات التي تشير إلى فضل تلك الزيارة. على سبيل المثال، ينقل محمد باقر المجلسي في كتابه "بحار الأنوار" عن جعفر الصادق قوله: "من زار أمير المؤمنين.. كتب اللّه له أجر مئة ألف شهيد، وغفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر".

من التقاليد الشيعية المرتبطة بمقبرة وادي السلام الاعتقاد بأنها المكان الذي تجتمع فيه أرواح المؤمنين والصالحين بعد موتهم. في هذا المعنى نقل محمد بن يعقوب الكليني في كتابه "الكافي" عن علي بن أبي طالب أنه قال لواحد من أصحابه ذات يوم: "ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض ألا قيل لروحه: الحقي بوادي السلام وإنها لبقعة من جنة عدن". ويُشاع أيضاً أن من يُدفن في هذه المقبرة لا يمسه عذاب القبر!

لتلك الأسباب جميعا، اعتاد الشيعة على دفن موتاهم في مقبرة وادي السلام. وصار من الشائع أن يُحمل الموتى من شتى أنحاء العراق ليدفنوا في أرضها. وكذلك نُقل إليها العديد من الموتى غير العراقيين الذين أتى بهم ذويهم من إيران وباكستان وافغانستان وغيرها من الدول.

 

حكايات أسطورية!

 

تسببت القداسة المحيطة بمقبرة وادي السلام في إشاعة العديد من القصص العجيبة التي أحاطت بتلك المقبرة على مدار السنين. وتمكنت من التغلغل في العقل الشعبي العراقي. وردت هذه القصص الغريبة، غالبا، في سياق الترهيب والوعيد.

على سبيل المثال، يذكر محمد حسين الطهراني في كتابه "معرفة المعاد" أن المحدث القمي ذهب يوماً لزيارة بعض القبور في مقبرة دار السلام. وبينما هو هناك، سمع صوتاً عالياً يشبه صراخ البعير. يقول القمي: "حين اقتربت من مصدر الصوت رأيت أن ليس في الأمر من بعير. كانت هناك جنازة جيء بها لتدفن، وكان ذلك الصراخ يتعالى منها إلا أن الأفراد القائمين بأمر الدفن لم يكن لديهم اطلاع على ذلك أبداً فكانوا مشغولين بعملهم في هدوء وبرود!".

ينقل الطهراني أيضا قصة أخرى عجيبة عن "موقف" حدث للمرجع الإيراني لطف الله الصافي الكلبايكاني في مقبرة وادي السلام. يقول الكلبايكاني: "ذهبتُ مرة‌ في‌ يوم‌ حارّ إلى وادي‌ السلام‌ لقراءة‌ الفاتحة‌ لأهل‌ القبور ولأرواح‌ المؤمنين‌.. فشاهدت‌ جماعة‌ من‌ الموتى‌ بملابس‌ متهرّئة‌ رثّة‌ وهيئة‌ قذرة‌ جدّاً وهم‌ يتّجهون‌ نحوي‌ ويطلبون‌ الشفاعة‌ منّي‌: انّ وضعنا سيّء وصعب‌، فاسأل‌ الله‌ أن‌ يعفَو عنّا! فنهرتُهم‌ وقلت‌: انّكم‌ لم‌ تُصغوا إلى كلّ ما قيل‌ لكم‌ في‌ الدنيا، وها أنتم‌ تطلبون‌ العفو حين‌ قُضي‌ الأمر، فاذهبوا أيّها المستكبرون‌!".

في سياق آخر، ارتبطت مقبرة وادي السلام ببعض القصص الأسطورية الخرافية الشائعة في التراث العراقي حتى اليوم. تذكر بعض القصص أن "وحش الطنطل" يسكن في تلك المقبرة، وأنه يتخفى عن عيون الناس نهاراً. ويظهر ليلاً في بعض الأوقات!! يُعدّ الطنطل أحد الوحوش الخرافية المعروفة في التراث العراقي القديم. ويمتلك القدرة على تغيير شكله من هيئة إلى أخرى. فيظهر أحياناً في صورة شخص طويل جداً، ويظهر في أحيان أخرى في صورة قزم قصير. كما أنه يتجسد كثيراً في صورة حيوان يشبه الذئب أو ابن أوى.

أثارت قصة الطنطل في مقبرة وادي السلام فضول العديد من الوكالات الصحافية في السنين الأخيرة. في أكتوبر من سنة 2019، نشرت صحيفة "لاكروا"  الفرنسية تحقيقاً عن المقبرة وما يحيط بها من إشاعات وقصص غريبة. بحسب التحقيق، ذكر الكثير من حفاري القبور أنهم شاهدوا الطنطل أثناء دفن بعض الموتى!! كما تحدث التحقيق عن قيام بعض الباعة ببيع الأحجار السحرية لرواد المقبرة بهدف حمايتهم من هجمات الوحش الغامض!

فسر التحقيق رواج تلك القصص بالأهمية الدينية الكبيرة التي تحتلها المقبرة في التراث العراق، وأيضاً للظروف الاجتماعية الصعبة التي عاش فيها الكثير من العراقيين في السنوات السابقة. وأشار التحقيق أيضا إلى الأهمية الاقتصادية الكبيرة لمقبرة وادي السلام، قائلا: "لم تكن النجف لتوجد لولا المقبرة. إنها رئتها الاقتصادية. يُعتبر ضريح الإمام علي ومقبرة وادي السلام مصدراً روحياً ودينياً يوفر العديد من فرص العمل. تخيل أن ملايين الشيعة من جميع أنحاء العالم يأتون لدفن موتاهم هناك وزيارتهم يومياً بالإضافة إلى مناسك الحج".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.