يرى خبراء ومختصون عراقيون أن سبب تراجع أسعار صرف الدينار العراقي مقابل الدولار في السوق المحلي الموازي، هو التعاملات "غير الرسمية" لتجار عراقيين مع دول فرضت عليها الولايات المتحدة الأميركية عقوبات اقتصادية، بالإضافة لاستخدام محتالين البطاقات الائتمانية كطريقة جديدة لتهريب العملة.
وكانت بغداد تحتفظ بسعر صرف ثابت لسنوات بعد عام 2003 ضمن "نافذة بيع العملات الأجنبية" في البنك المركزي العراقي؛ للحفاظ على أسعار الصرف في السوق المحلية، بهدف تعزيز الأرصدة في الخارج على شكل حوالات أو اعتمادات أو عبر البيع النقدي المباشر بسعر 1180 ديناراً لكل دولار.
وفي ديسمبر 2020، قررت الحكومة العراقية استجابة لضغط العجز في الموازنة، رفع سعر بيع الدولار الأميركي أمام الدينار العراقي للمصارف إلى 1460 ديناراً لكل دولار، فيما يكون سعر البيع للمواطن 1470 ديناراً لكل دولار، الأمر الذي خلق ارتباكاً كبيراً في السوق المحلية.
ومنذ ذلك الحين، سجل الدينار تراجعات شديدة بقيمته أمام الدولار متجاوزاً عتبة الـ1700 دينار لكل دولار في السوق الموازي بعد عقوبات أميركية طالت عدداً من المصارف المحلية، إثر تهم تتعلق بتهريب العملة وغسيل الأموال، تلاها إطلاق منصة إلكترونية لإحكام وتنظيم عمليات نافذة بيع وشراء العملة الأجنبية تضمن فاعلية الرقابة عليها.
هذا كله، أدّى لانطلاق احتجاجات شعبية، أجبرت الحكومة على تخفيض سعر صرف الدولار إلى 1300 دينار مقابل الدولار، وإطلاق حُزم استثناءات زادت من معدلات مبيعات العملة الأجنبية. مع ذلك، لا تزال أسعار الصرف غير مستقرة.
تهريب بطاقات الائتمان
يدافع البنك المركزي العراقي عن الدينار العراقي، كما يقول مستشار رئيس الوزراء مظهر محمد صالح، عبر "تحقيق استقرار سعر الصرف الجديد الثابت الذي تحددت به الموازنة العامة، ويبلغ 1300 دينار لكل دولار".
ويوضح لـ"ارفع صوتك"، أن السبب الأساسي لعدم استقرار سعر الصرف، "تدقيق منصة الامتثال كثيراً في بداية انطلاقها ورفضها العديد من الطلبات الكبيرة للدولار، لأن المتعاملين لم يعتادوا بعد على شروط المنصة المتعلقة بالإفصاح ومعرفة المستفيد الأخير وغيرها".
هذا الأمر، أدى لـ"تراكم الحوالات والاعتمادات، ما تم حله عبر تحقيق الشروط من جهة، وحُزم الاستثناءات من جهة أخرى"، بحسب صالح.
ويتابع: "أما تذبذب سعر الصرف الذي يشهده السوق العراقي حالياً، فيعود إلى سببين. الأول، حصول مشكلة مع تحويلات المسافرين النقدية الصغيرة عبر استخدام بطاقة الدفع المسبق الائتمانية -المرتبطة بنظام مصرفي عالمي- لكثرة المحتالين".
ما هي آلية الاحتيال؟ يشرح صالح: "تتم عبر جمع جوازات السفر مع بطاقات سفر مؤقتة، وإصدار بطاقات ائتمان يتم تهريبها خارج العراق، وتستخدم لأغراض خارج نطاق الامتثال وبشكل يخرق القانون. وهي حالة جديدة تم اكتشافها ونحتاج إلى بعض الوقت حتى تتم السيطرة عليها".
وكانت هيئة المنافذ الحدودية أعلنت في بيان خلال مايو الحالي، عن إلقاء القبض على مسافر في مطار بغداد الدولي، بحوزته 65 بطاقة "فيزا كارد" دولية كانت مخفية داخل حقيبة تم تعبئتها بمبالغ مالية لغرض تهريب الأموال من العملة الصعبة خارج البلد عن طريق سحب تلك المبالغ في الدول التي ينوي السفر إليها.
أما السبب الثاني، بحسب مستشار رئيس الوزراء "فيتعلق بالسوق الفردية وليس طلبات التجار الخاضعة لنافذة العملات الأجنبية في البنك المركزي العراقي نتيجة للتبادلات التجارية المسموح بها".
ويبين صالح، أن "تعاملات السوق العراقية تعتمد على الدولار بشكل كبير، فنرى بيع وشراء البيوت والسيارات وكثير من السلع في العراق بالدولار الأميركي. وهي عملية خطرة جداً بسببها تفقد السياسية النقدية مقوماتها".
وهي أيضاً حالة "شديدة الخطورة على اقتصاد أي دولة، فلا يجوز استخدام عملتين تخضع كل واحدة منهما إلى سلطة نقدية إحداهما داخلية والأخرى خارجية، وهذه من شيم الدول الضعيفة وهو خطر داهم يجب أن يقاوم"، على حد تعبير صالح.
و كانت الحكومة العراقية خلال شهر مايو الحالي سعت إلى حظر استخدام الدولار في التعاملات التجارية داخل السوق المحلية العراقية، بهدف محاربة ظاهرة "الدولرة" وتقليل فرق الأسعار بين سعر الصرف الرسمي وأسعار الصرف في السوق الموازية، متوعدة المخالفين بعقوبات "رادعة" تبدأ بالغرامة وتنتهي بالسجن إذا تكررت المخالفة.
تجارة حدودية غير رسمية
رغم كل الإجراءات الحكومية، إلا أن "واقع السوق العراقي يفرض التعامل بالدولار في عمليات البيع والشراء داخلياً"، كما يؤكد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي لـ"ارفع صوتك".
ويضيف: "يتم السحب على الدولار بكثرة، بغية تصفية المعاملات التجارية باتجاهين، الأول غير رسمي وهو حالة تعامل صغار التجار بالكاش (النقد) عبر المنافذ الحدودية الرسمية وغير الرسمية، والهدف منه شراء السلع الغذائية بطريقة غير رسمية وإدخالها عبر الحدود إلى العراق. وهؤلاء لا يتمكنون من الحصول على الدولار عبر المنصة كونهم لا يتعاملون بفواتير، بل عن طريق علاقاتهم الشخصية مع تجار آخرين يستلمون منهم البضائع على الحدود ويدفعون عبر الطلب من سوق العملة الموازي".
ويتم الاتجاه الثاني "بشكل رسمي عبر نافذة بيع العملات لمعاملات تتعلق بالحاجة إلى مبالغ بالدولار بغرض السفر خارج العراق لأسباب مختلفة، وهذه تسببت بعملية سحب فضفاضة. فالمسافر يتم بيعه مبالغ أكثر مما يحتاجه فعلاً، وبالنتيجة يقوم ببيع المبالغ الفائضة إلى السوق المحلية التي تستقبل هذه المبالغ بفارق سعر كبير عن السعر الرسمي"، وفق الشيخلي.
ولحل مشكلة فرق أسعار الصرف، يرى الشيخلي أن البنك المركزي يحتاج إلى "تقليل البيع النقدي للحد الذي لا يسمح بالبيع إلا لمن يحتاج فعلاً إلى الدولار. وإيقاف التعامل داخل السوق المحلية بالعملات الأجنبية وحصرها بالعملة العراقية".
ويحذر أنه "إذا لم يحصل هذا فسيستمر الفرق في أسعار البيع الرسمية وفي السوق الموازية إلى يوم يبعثون"، وفق تعبيره.
تعاملات مع دول "محظورة"
يذهب الخبير المصرفي ماجد الصوري، في أزمة فرق أسعار الصرف إلى أبعد مما ذهب إليه مستشار الحكومة و الخبير الاقتصادي،. فالأزمة بالأساس حسب رؤيته "تتعلق بوجود دول يتعامل معها التجار العراقيون محظور التعامل معها بالدولار، يقابلها وجود طلب على السلع والخدمات التي تقدمها تلك الدول من داخل العراق ويتم الحصول عليها بشكل غير رسمي".
يأتي ذلك في وقت "يؤمن فيه البنك المركزي الدولار الأميركي للتجارة الرسمية فقط ومع الدول التي لا تقع تحت العقوبات الأميركية".
يقول الصوري لـ"ارفع صوتك": "ما دامت هناك دول ممنوعة من التعامل بالدولار، وما دام الدولار في العراق متوفر، سيكون كل التوجه إلى السوق الموازي، لذلك نرى سعر صرف الدينار العراقي في السوق المحلية أعلى من الرسمي، ونراه يتعرض إلى موجات من التذبذب".
ويتوقع "استمرار تذبذب أسعار الصرف لفترة طويلة ما لم تتم تسوية جميع المشاكل مع دول الجوار بشكل خاص التي لها علاقات تجارية مع العراق. ولن يكون هناك أي تساو بين سعر السوق وسعر الصرف الرسمي ما دام العراق يتعامل حتى الآن مع هذه الدول".
ورغم التعامل التجاري مع دول تقع تحت طائلة العقوبات الأميركية. إلا أن الصوري يستبعد "تعرض العراق إلى عقوبات اقتصادية، كونه ملتزماً بشكل رسمي، بجميع الشروط التي تفرضها الولايات المتحدة المتعلقة بالدولار الأميركي.
لكن المشكلة، بحسب الخبير المصرفي، "تتعلق بمدى التزام التجار بإيقاف التعامل مع الدول الممنوعة، التي لديهم مصالح اقتصادية معها ويتجهون بسببها إلى التعامل غير الرسمي".
