احتجاجات أمام البنك المركزي في بغداد- أسوشيتد برس
صورة أرشيفية من احتجاجات سابقة أمام البنك المركزي العراقي، بسبب سعر الصرف- تعبيرية

يرى خبراء ومختصون عراقيون أن سبب تراجع أسعار صرف الدينار العراقي مقابل الدولار في السوق المحلي الموازي، هو التعاملات "غير الرسمية" لتجار عراقيين مع دول فرضت عليها الولايات المتحدة الأميركية عقوبات اقتصادية، بالإضافة لاستخدام محتالين البطاقات الائتمانية كطريقة جديدة لتهريب العملة.

وكانت بغداد تحتفظ بسعر صرف ثابت لسنوات بعد عام 2003 ضمن "نافذة بيع العملات الأجنبية" في البنك المركزي العراقي؛ للحفاظ على أسعار الصرف في السوق المحلية، بهدف تعزيز الأرصدة في الخارج على شكل حوالات أو اعتمادات أو عبر البيع النقدي المباشر بسعر 1180 ديناراً لكل دولار.

وفي ديسمبر 2020، قررت الحكومة العراقية استجابة لضغط العجز في الموازنة، رفع سعر بيع الدولار الأميركي أمام الدينار العراقي للمصارف إلى 1460 ديناراً لكل دولار، فيما يكون سعر البيع للمواطن 1470 ديناراً لكل دولار، الأمر الذي خلق ارتباكاً كبيراً في السوق المحلية.

ومنذ ذلك الحين، سجل الدينار تراجعات شديدة بقيمته أمام الدولار متجاوزاً عتبة الـ1700 دينار لكل دولار في السوق الموازي بعد عقوبات أميركية طالت عدداً من المصارف المحلية، إثر تهم تتعلق بتهريب العملة وغسيل الأموال، تلاها إطلاق منصة إلكترونية لإحكام وتنظيم عمليات نافذة بيع وشراء العملة الأجنبية تضمن فاعلية الرقابة عليها.

هذا كله، أدّى لانطلاق احتجاجات شعبية، أجبرت الحكومة على تخفيض سعر صرف الدولار إلى 1300 دينار مقابل الدولار، وإطلاق حُزم استثناءات زادت من معدلات مبيعات العملة الأجنبية. مع ذلك، لا  تزال أسعار الصرف غير مستقرة.

دينار عراقي دولار مصرفي مصرف العراق
العراق: سعر صرف الدولار يصل مستويات قياسية و"تعهد" للبنك المركزي
منذ أكثر من أسبوعين تشهد الأسواق المحلية العراقية ارتفاعا ملحوظا في قيمة الدولار الأميركي أمام الدينار العراقي، بعد أن وصل سعر الدولار لمستويات قياسية لم يبلغها منذ عام 2003، بالتزامن مع تراجع حاد في مزاد بيع العملة الصعبة الذي يسيطر من خلال البنك المركزي العراقي على أسعر الصرف.

تهريب بطاقات الائتمان

يدافع البنك المركزي العراقي عن الدينار العراقي، كما يقول مستشار رئيس الوزراء مظهر محمد صالح، عبر "تحقيق استقرار سعر الصرف الجديد الثابت الذي تحددت به الموازنة العامة، ويبلغ 1300 دينار لكل دولار".

ويوضح لـ"ارفع صوتك"، أن السبب الأساسي لعدم استقرار سعر الصرف، "تدقيق منصة الامتثال كثيراً في بداية انطلاقها ورفضها العديد من الطلبات الكبيرة للدولار، لأن المتعاملين لم يعتادوا بعد على شروط المنصة المتعلقة بالإفصاح ومعرفة المستفيد الأخير وغيرها".

هذا الأمر، أدى لـ"تراكم الحوالات والاعتمادات، ما تم حله عبر تحقيق الشروط من جهة، وحُزم الاستثناءات من جهة أخرى"، بحسب صالح.

ويتابع: "أما تذبذب سعر الصرف الذي يشهده السوق العراقي حالياً، فيعود إلى سببين. الأول، حصول مشكلة مع تحويلات المسافرين النقدية الصغيرة عبر استخدام بطاقة الدفع المسبق الائتمانية -المرتبطة بنظام مصرفي عالمي- لكثرة المحتالين".

ما هي آلية الاحتيال؟ يشرح صالح: "تتم عبر جمع جوازات السفر مع بطاقات سفر مؤقتة، وإصدار بطاقات ائتمان يتم تهريبها خارج العراق، وتستخدم لأغراض خارج نطاق الامتثال وبشكل يخرق القانون. وهي حالة جديدة تم اكتشافها ونحتاج إلى بعض الوقت حتى تتم السيطرة عليها".

وكانت هيئة المنافذ الحدودية أعلنت في بيان خلال مايو الحالي، عن إلقاء القبض على مسافر في مطار بغداد الدولي، بحوزته 65 بطاقة "فيزا كارد" دولية كانت مخفية داخل حقيبة تم تعبئتها بمبالغ مالية لغرض تهريب الأموال من العملة الصعبة خارج البلد عن طريق سحب تلك المبالغ في الدول التي ينوي السفر إليها.

أما السبب الثاني، بحسب مستشار رئيس الوزراء "فيتعلق بالسوق الفردية وليس طلبات التجار الخاضعة لنافذة العملات الأجنبية في البنك المركزي العراقي نتيجة للتبادلات التجارية المسموح بها".

ويبين صالح، أن "تعاملات السوق العراقية تعتمد على الدولار بشكل كبير، فنرى بيع وشراء البيوت والسيارات وكثير من السلع في العراق بالدولار الأميركي. وهي عملية خطرة جداً بسببها تفقد السياسية النقدية مقوماتها".

وهي أيضاً حالة "شديدة الخطورة على اقتصاد أي دولة، فلا يجوز استخدام عملتين تخضع كل واحدة منهما إلى سلطة نقدية إحداهما داخلية والأخرى خارجية، وهذه من شيم الدول الضعيفة وهو خطر داهم يجب أن يقاوم"، على حد تعبير صالح.

و كانت الحكومة العراقية خلال شهر مايو الحالي سعت إلى حظر استخدام الدولار في التعاملات التجارية داخل السوق المحلية العراقية، بهدف محاربة ظاهرة "الدولرة" وتقليل فرق الأسعار بين سعر الصرف الرسمي وأسعار الصرف في السوق الموازية، متوعدة المخالفين بعقوبات "رادعة" تبدأ بالغرامة وتنتهي بالسجن إذا تكررت المخالفة.

 

تجارة حدودية غير رسمية 

رغم كل الإجراءات الحكومية، إلا أن "واقع السوق العراقي يفرض التعامل بالدولار في عمليات البيع والشراء داخلياً"، كما يؤكد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي لـ"ارفع صوتك".

ويضيف: "يتم السحب على الدولار بكثرة، بغية تصفية المعاملات التجارية باتجاهين، الأول غير رسمي وهو حالة تعامل صغار التجار بالكاش (النقد) عبر المنافذ الحدودية الرسمية وغير الرسمية، والهدف منه شراء السلع الغذائية بطريقة غير رسمية وإدخالها عبر الحدود إلى العراق. وهؤلاء لا يتمكنون من الحصول على الدولار عبر المنصة كونهم لا يتعاملون بفواتير، بل عن طريق علاقاتهم الشخصية مع تجار آخرين يستلمون منهم البضائع على الحدود ويدفعون عبر الطلب من سوق العملة الموازي".

ويتم الاتجاه الثاني "بشكل رسمي عبر نافذة بيع العملات لمعاملات تتعلق بالحاجة إلى مبالغ بالدولار بغرض السفر خارج العراق لأسباب مختلفة، وهذه تسببت بعملية سحب فضفاضة. فالمسافر يتم بيعه مبالغ أكثر مما يحتاجه فعلاً، وبالنتيجة يقوم ببيع المبالغ الفائضة إلى السوق المحلية  التي تستقبل هذه المبالغ بفارق سعر كبير عن السعر الرسمي"، وفق الشيخلي.

ولحل مشكلة فرق أسعار الصرف، يرى الشيخلي أن البنك المركزي يحتاج إلى "تقليل البيع النقدي للحد الذي لا يسمح بالبيع إلا لمن يحتاج فعلاً إلى الدولار. وإيقاف التعامل داخل السوق المحلية بالعملات الأجنبية وحصرها بالعملة العراقية".

ويحذر أنه "إذا لم يحصل هذا فسيستمر الفرق في أسعار البيع الرسمية وفي السوق الموازية إلى يوم يبعثون"، وفق تعبيره.

 

تعاملات مع دول "محظورة"

يذهب الخبير المصرفي ماجد الصوري، في أزمة فرق أسعار الصرف إلى أبعد مما ذهب إليه مستشار الحكومة و الخبير الاقتصادي،. فالأزمة بالأساس حسب رؤيته "تتعلق بوجود دول يتعامل معها التجار العراقيون محظور التعامل معها بالدولار، يقابلها وجود طلب على السلع والخدمات التي تقدمها تلك الدول من داخل العراق ويتم الحصول عليها بشكل غير رسمي".

 يأتي ذلك في وقت "يؤمن فيه البنك المركزي الدولار الأميركي للتجارة الرسمية فقط ومع الدول التي لا تقع تحت العقوبات الأميركية".

يقول الصوري لـ"ارفع صوتك": "ما دامت هناك دول ممنوعة من التعامل بالدولار، وما دام الدولار في العراق متوفر، سيكون كل التوجه إلى السوق الموازي، لذلك نرى سعر صرف الدينار العراقي في السوق المحلية أعلى من الرسمي، ونراه يتعرض إلى موجات من التذبذب".

ويتوقع "استمرار تذبذب أسعار الصرف لفترة طويلة ما لم تتم تسوية جميع المشاكل مع دول الجوار بشكل خاص التي لها علاقات تجارية مع العراق. ولن يكون هناك أي تساو بين سعر السوق وسعر الصرف الرسمي ما دام العراق يتعامل حتى الآن مع هذه الدول".

ورغم التعامل التجاري مع دول تقع تحت طائلة العقوبات الأميركية. إلا أن الصوري يستبعد "تعرض العراق إلى عقوبات اقتصادية، كونه ملتزماً بشكل رسمي، بجميع الشروط التي تفرضها الولايات المتحدة المتعلقة بالدولار الأميركي.

لكن المشكلة، بحسب الخبير المصرفي، "تتعلق بمدى التزام التجار بإيقاف التعامل مع الدول الممنوعة، التي لديهم مصالح اقتصادية معها ويتجهون بسببها إلى التعامل غير الرسمي".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية
يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية

بعدما كان "ركيزة أساسية" يعَوّل عليها في ملاحقة كامل الخيوط المتعلقة بـ"سرقة القرن" وضعت "الخفايا" التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة في العراق، حيدر حنون، القضاء في البلاد في "قفص الاتهام"، وجاء ذلك بعد سلسلة "فضائح مليارية" أزاح الستار عنها مع عدد من النواب خلال الأيام الماضية.

حنون كان قد عقد مؤتمرا صحفيا في أربيل، قبل يومين، وعلى نحو مفاجئ ولافت استخدم لغة هجومية وحادة استهدف بها مجلس القضاء الأعلى" والقاضي ضياء جعفر، الذي يتولى قضية نور زهير المتهم الأول بقضية سرقة الأمانات الضريبية، فيما يعرف بـ"سرقة القرن".

وبعدما عبّر أمام حشد من الصحفيين عن غضبه من "استضعاف هيئة النزاهة"، أشار إلى "اختفاء ملفات من قضية زهير لدى القاضي جعفر"، وأن ذلك "يشكّل تحديا كبيرا لجهود مكافحة الفساد، واستعادة أموال الدولة المنهوبة".

لم يقتصر الأمر عند ذلك فقط، فأضاف حنون أن "ملف زهير الذي تمت إحالته إلى محكمة الجنايات المركزية، يحتوي على 114 صكا ماليا". وفي حين أن القانون يقتضي فتح 114 قضية منفصلة "جرى التعامل معها كقضية واحدة"، وفق قوله.

ولم يصدر أي موقف من جانب مجلس القضاء الأعلى حتى الآن، كما لم يرد القاضي جعفر على الاتهامات التي وجهها حنون ضده، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع الأخير ومسؤولين آخرين في "مجلس القضاء الأعلى"، ولم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذا التقرير.

وبدوره لم يقدم مدير المكتب الإعلامي لهيئة النزاهة في العراق، علي محمد أية تفاصيل إضافية عن دوافع ما كشف عنه حنون، وأوضح لموقع "الحرة" أنه "يجب ترك الموضوع حاليا".

وتضمنت الاتهامات التي وجهها رئيس هيئة النزاهة حديثه عن "سرقة في ملف سكك حديدية تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من قبل القاضي جعفر منذ شهرين"، حسب تعبيره.

ومن ناحية أخرى اتهم حنون "زهير بالتورط في سرقة الودائع الجمركية بما يزيد عن تريليون دينار عراقي"، مطالبا "بعقد جلسة علنية بحضور القاضي جعفر لكشف الحقائق أمام الشعب"، كما أضاف أن الأخير "أصدر أمر قبض بحقه ويلاحقه بشكل شخصي".

كيف بدأت المواجهة؟

المواجهة الحاصلة واللافتة كما يعتبرها باحثون ونواب عراقيون جاءت بعد أسبوع واحد من هروب المتهم بـ"سرقة القرن" نور زهير خارج البلاد، مما أثار جدلا وتساؤلات عن كيفية فراره، وهو المتهم الأبرز في أكبر قضية فساد شهدتها البلاد منذ عام 2003.

وشيئا فشيئا وبينما كانت الأنظار تتركز على قرار إلقاء القبض الذي أصدره القضاء بحق زهير للمرة الثانية بدأت تظهر بالتدريج "فضائح فساد مليارية" جديدة، وكان أبرزها تلك التي كشف عنها النائب في البرلمان العراقي، ياسر الحسيني، وتداولتها وسائل إعلام على نطاق واسع.

وجاء في اتهامات رئيس كتلة "الآمال" النيابية أن "الشركة العامة لسكك الحديد" وقعت عقدا لإعادة تأهيل خط سككي بقيمة 22 مليار دولار ونصف، قبل ثلاثة أشهر، وأن المشروع أحيل إلى 3 شركات، واحدة منها أجنبية وأخرى محلية، والثالثة تابعة لزهير المتهم بـ"سرقة القرن".

وفي حين نفت وزارة النقل، عبر حديث متلفز أدلى به المتحدث باسمها ميثم الصافي، الاتهامات التي أطلقها الحسيني أشار خبراء قانون ونواب سابقون إلى أن "الفضائح" التي باتت تنكشف على نحو كبير ترتبط دوافعها وحيثياتها بشكل وثيق.

وأوضح بعض النواب وخبراء القانون أن الأسباب التي تقف وراء ذلك تتعلق بجذور وصراعات سياسية فيما ذهب آخرون للإشارة إلى مآلات وتداعيات المواجهة الحاصلة التي اندلعت ما بين هيئة النزاهة و"المجلس الأعلى للقضاء".

ويقول الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، إن الصراعات في العراق باتت تشتد على كافة المستويات السياسية، ويضيف أنه "قد نشهد صراعا بين مؤسستين مهمتين، الأولى هي مجلس الوزراء والثانية هي مجلس القضاء الأعلى".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ولأول مرة قد يكون مجلس القضاء الأعلى طرفا في صراع مثل هذا".

ويسود اعتقاد لدى بعض المراقبين والباحثين العراقيين أن المواجهة الحاصلة بين "النزاهة" والقضاء تقف وراءها وفي الكواليس مواجهة خفية ما بين رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني و"المجلس الأعلى للقضاء".

لكن مستشار السوداني فادي الشمري تحدث في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، الجمعة، عن "محاولات قامت بها الحكومة لثني رئيس هيئة النزاهة من عقد المؤتمر الصحفي الأخير في أربيل".

وأوضح الشمري أن "حنون رفض التراجع"، وأن "طريقته في طرح هواجسه كانت مضرة بالاستقرار السياسي، وأن اجتهاده كان في غير محله".

ومن المقرر أن تعقد جلسة استثنائية في مجلس النواب العراقي، لمتابعة تطورات المشهد الحالي، وخاصة فيما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، كما يكشف عضو اللجنة القانونية النيابية في العراق، عارف الحمامي، لموقع "الحرة".

وبالنسبة لمسألة التحقيق والقضاء يقول: "نحن نحترم القضاء ونشد على يده لإكمال التحقيق والخروج بنتائج مرضية للشعب العراقي".

ويعتقد عضو اللجنة القانونية النيابية العراقية أن "حديث حنون كان نتيجة ضغوط".

ويعتبر أن رئيس هيئة النزاهة "يجابه منظومة فساد كبرى، ويحتاج الدعم الكبير والمؤازرة من مجلس النواب العراقي والقضاء والوقوف على حقائق الأمور".

"قضية نور زهير هي قضية فساد كبرى وفيها رؤوس.. وهذه الرؤوس تريد خلط الأوراق والتشويش على القضاء وهيئة النزاهة"، ويرى الحمامي أن "حدوث مشكلة ما بين القضاء والنزاهة من صالح الفاسدين".

"من زهير إلى جوحي"

رغم أن الأضواء في العراق تتسلط وعلى نحو كبير باتجاه قضية "سرقة القرن" وخيوطها التي يتم الكشف عنها بالتوالي بعيدا عن كشف أسماء "الرؤوس" انشغلت الساحة السياسية في البلاد خلال الأيام الماضية بقضية عرفت باسم "شبكة التنصت" أو "شبكة جوحي".

وفي التفاصيل وبحسب إفادات سابقة للنائب مصطفى سند، فإن محكمة تحقيق الكرخ، المختصة بقضايا الإرهاب أقدمت قبل أسبوع على "اعتقال شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، وعلى رأسهم المقرب (محمد جوحي)، وعدد من الضباط والموظفين".

وذكر مصطفى أن الشبكة "كانت تمارس عدة أعمال غير نظيفة؛ ومنها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين (وعلى رأسهم رقم هاتفي)"، وكذلك "تقوم الشبكة بتوجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات لسياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات"، بحسب النائب في البرلمان.

وبعدما أثار الحديث عن "شبكة التنصت" ضجة نشر "مجلس القضاء الأعلى" بيانا وصف فيه المعلومات المتداولة بشأن "قضية جوحي" بأنها غير دقيقة، واعتبر أنها "مبنية على التحليل والاستنتاج بعيدا عن الحقيقة".

"تضخيم إعلامي"

ورفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت، الاتهامات التي ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخيم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل. وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية الحمامي إلى أنه وحتى الآن "لا تستطيع أن ننفي أو نؤيد ما تم تداوله عن قضية التنصت"، ويقول إنها "حساسة.. وننتظر نتائج التحقيق".

وكن المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال في وقت سابق إن الحكومة العراقية "تتابع الحملات المضللة التي تستهدف إعاقة عملها في مختلف المجالات، ومنها ما جرى تناوله من معلومات غير دقيقة تستبطن الغمز، وبعضها تضمن الاتهام المباشر للحكومة تجاه قضايا تخضع الآن لنظر القضاء".

وأضاف العوادي في بيان أن "السلطة التنفيذية تنتظر ما سيصدر عنه (القضاء) بهذا الصدد، مع تأكيد الحكومة المستمر على الالتزام بالقانون واحترام قرارات القضاء".

وشدد العوادي أن "هناك من يعمل على جرّ الحكومة وإشغالها عن نهجها الوطني عبر محاولات يائسة لا تصمد أمام الإجراءات القانونية الحقيقية والفعلية، التي تعمل الحكومة على تنفيذها ودعمها".

ولم يتطرق البيان إلى أي أسماء متورطة يتم تداولها في وسائل الإعلام أو من قبل أعضاء في مجلس النواب العراقي بشأن القضية.

ومن جانب آخر اعتبر وائل عبد اللطيف القاضي العراقي السابق أن ما يتم الحديث عنه من "ملفات فساد وفضائح من قبل حيدر حنون هو أقل من السرقات الموجودة في البلد".

ويقول عبد اللطيف لموقع "الحرة" إن "البلد بات بؤرة فساد والسرقات تأكله في جميع مرافقه.. ولا أستثني منها أي مرفق". 

القاضي السابق أشار إلى المعلومات التي تحدث عنها حنون بشأن "قطع الأراضي التي منحها رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء".

وأوضح أن رئيس هيئة النزاهة حصل على جزء من تلك الأراضي، وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي بقوله: "وقبلناها جميعا (من الكاظمي)".

ويتابع عبد اللطيف: "حنون كان رئيس استئناف العمارة وأخذ قطعتي أرض وعنده منزل. ماذا يريد بعد ذلك؟ وكذلك الحال مع ضياء جعفر. ما يحصل عبارة عن صراع تشارك فيه القوى السياسية".

"كارثة وانتحار سياسي"

وتباينت ردود الفعل إزاء ما كشف عنه حنون من أربيل، وكانت المواقف منقسمة ما بين مؤيد ومعارض للطريقة التي تم فيها إطلاق الاتهامات.

ودافع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، بشدة عن القضاء، الخميس، وبدا مستاءً من اتهامات رئيس هيئة النزاهة للقضاء، وإن لم يذكر اسمه بالتحديد خلال كلمته.

ومن جهته، دعا زعيم "تيار الحكمة"، عمار الحكيم، إلى ما وصفها بـ"محاكمة القرن" لمقاضاة "سرقة القرن"، وقال في كلمة مسجلة: "لتكن هذه المحاكمة علنية، كما فعلنا مع صدام حسين، حتى لو وردت فيها أسماء شخصيات كبيرة".

وتتمثل "سرقة القرن" باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي، بما يعادل نحو مليارين ونصف مليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية. وكانت جهات متعددة قد كشفت عن السرقة قبل نحو شهرين من انتهاء مدة حكم الحكومة العراقية السابقة برئاسة، مصطفى الكاظمي.

وكشف كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب أن مبلغ 2.5 مليار دولار، جرى سحبه بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 من مصرف الرافدين الحكومي، عبر 247 صكا ماليا، حرّر إلى 5 شركات، قامت بصرفها نقدا مباشرة.

وعلى إثر انكشاف السرقة تحركت "هيئة النزاهة" والسلطة القضائية للتحقيق في القضية، وصدرت عدة أوامر قبض قضائية، وكان أول المعتقلين نور زهير، واسمه الكامل "نور زهير جاسم المظفر"، وكنيته "أبو فاطمة"، وهو من مواليد بغداد عام 1980.

بعد ذلك تم إيداعه السجن بالإضافة إلى آخرين، إلى جانب قرارات قضائية بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين بالسرقة وكذلك أُسرهم، وفق وكالة "شفق نيوز".

وفي عام 2023، قرر القضاء العراقي رفع إشارة الحجز عن شركة تابعة لزهير، ومن ثم أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن قيام المتهم الأول بـ"سرقة القرن" بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم "سياسيون وإعلاميون"، ملمحا إلى ارتفاع عدد المتهمين.

ووقتها أعلن السوداني أيضا أن القاضي المختص (ضياء جعفر) أصدر أمرا بإطلاق سراح نور زهير "بكفالة"، مقابل تعهده بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك.

ويشكّل المبلغ الذي أعاده زهير إلى خزينة الدولة بعد خروجه من السجن بكفالة ما نسبته 12 بالمئة من كامل الأموال التي تتجاوز 2.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة للنائب في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي.

وحتى الآن لا يعرف ما إذا كان المسارات ستصل إلى إعادة إلقاء القبض على زهير، بموجب المذكرة التي صدرت بحقه قبل أسبوع، وبعد انتشار صورة له من العاصمة اللبنانية بيروت، مدعيا أنه "تعرض لإصابة في حادث سير".

ويعتبر الخبير القانوني الدعمي أن "التدخل أو إقحام القضاء بمثل هكذا صراعات هو خطأ، بل كارثة على اعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء الآن هو الحصن الأخير الذي يمكن أن نلوذ به".

ويرى أن "محاولة إقحام القضاء في الصراع السياسي أو جره لهذا الصراع هو انتحار سياسي"، في إشارة منه للمؤتمر الذي عقده حنون.

"الكل متورط في العراق"

لكن وفي المقابل يوضح الكاتب والباحث في الشأن العراقي، يحيى الكبيسي أن "مراجعة الوقائع المرتبطة بسرقة الأمانات الضريبية تظهر بوضوح اشتراك سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة في هذه السرقة، سواء بشكل مباشر أو بشكل ضمني، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".

ويقول لموقع "الحرة" إن الدليل على ذلك "هو عدم اتخاذ القضاء العراقي أي إجراء طوال أكثر من شهرين، من لحظة كشف السرقة إلى لحظة محاولة هروب المتهم الرئيسي عبر مطار بغداد".

وتبع ذلك وفق الكبيسي "إطلاق سراح المتهم بسرعة غير مفهومة، ورفع الحجز عن شركاته وممتلكاته، ورفع منع السفر عنه، وعدم حضوره المحاكمة، وما يستتبع ذلك من دفع الكفلاء لمبلغ الكفالة لتنتهي القضية بحكم غيابي لا قيمة له عمليا".

ما قاله حنون "كان في جوهره اتهامات للقضاء العراقي"، ورغم أنه لم يقدم معلومة جديدة "كسر التواطؤ الجماعي الذي يغطي على الفساد في العراق في سياق الصراع بين السلطات"، بحسب الكاتب الكبيسي.

ويتابع أن "الفساد في العراق منذ العام 2006 ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، والكل شركاء فيه".

ويحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن "مدركات الفساد"، وغالبا ما تستهدف المحاكمات في قضايا الفساد، في حال حصلت، مسؤولين في مراكز ثانوية.

ويعتقد القاضي السابق، وائل عبد اللطيف أن المناكفات الحاصلة بين "النزاهة" و"المجلس الأعلى للقضاء" ترتبط "بغياب الاستقرار وتنظيم العمل في الدولة".

وبالإضافة إلى ذلك يؤكد أن "الفساد مستشر في الدولة العراقية"، وأن ما نراه الآن أيضا مرتبط بالصراع الحاصل بين القوى السياسية.

أما الخبير القانوني الدعمي فيؤكد أنه "يجب عدم المساس بالقضاء وإقحامه بالصراعات السياسية المعروفة أساساتها على اعتبار الفساد المستشري في الدولة العراقية".

ويعتقد الدعمي أن "الصراع الحاصل بين النزاهة والمجلس الأعلى للقضاء ينذر بكوارث"، ويعتبر أن "القضاء أسمى من أن يكون طرف بصراع سياسي أو مفسدة سياسية تقوم بها الكيانات والطبقة السياسية".