رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف، 12 أغسطس 2017
رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف- تعبيرية

اهتم المسلمون بدراسة العلوم الدينية منذ فترة مبكرة من عمر الدولة الإسلامية. يذكر الباحث طالب حامد حسن في دراسته "التربية والتعليم في العراق في العصر العباسي الأول" أن ممارسة التعليم في القرون الأولى كانت تتم في كل من المساجد، وقصور الخلفاء والأمراء، ومنازل العلماء، وحوانيت الوراقين، فضلاً عن المكتبات.

ومع مطلع النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وقع تغير مهم في ميدان التعليم الديني في العراق. ظهرت المدارس -للمرة الأولى- على يد السلاجقة الأتراك. وصارت العملية التعليمية منظمة ومرتبة إلى حد بعيد. اختصت كل مدرسة بتدريس أحد المذاهب الفقهية المعروفة. واستقدم السلاطين العلماء والفقهاء ليضطلعوا بمهمة التدريس في كل مدرسة. وصار لكل مدرسة مناهج تعليمية محددة يخضع لها طلبة العلم على اختلاف أعمارهم وقدرتهم على التحصيل. ولم يكن العراق، مركز الخلافة لقرون طويلة، بمعزل عن هذه التحولات. ما هي أهم المدارس الدينية التاريخية الموجودة حالياً في العراق؟ وما قصة تأسيسها؟ وكيف عبّرت تلك المدارس عن التنوع المذهبي السني، والشيعي، والصوفي؟

 

مدرسة أبي حنيفة النعمان

 

تقع المدرسة في منطقة الأعظمية ببغداد. وتُنسب إلى "الإمام الأعظم" أبي حنيفة النعمان المتوفى سنة 150ه. دفن أبو حنيفة في مقبرة الخيزران، وعُرفت تلك المقبرة فيما بعد بالأعظمية نسبةً إليه.

بُنيت مدرسة أبي حنيفة في بدايات العصر السلجوقي على يد القائد شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور العميد الخوارزمي. يتحدث المؤرخ ابن الجوزي في كتابه "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" عن ظروف تأسيس تلك المدرسة، فيقول في أحداث سنة 459ه: "وفي هذه الأيام بنى أبو سعد المستوفي الملقب شرف الملك مشهد الإمام أبي حنيفة رضي اللَّه عنه، وعمل لقبره ملبناً، وعقد القبة، وعمل المدرسة بإزائه، وأنزلها الفقهاء، ورتب لهم مدرساً". يرى الكثير من الباحثين، ومنهم الدكتور مصطفى جواد في دراسته المعنونة بـ"أول مدرسة في العراق"، أن مدرسة الإمام أبي حنيفة كانت أول مدرسة حقيقية في العراق في العصور الإسلامية، وأن تأسيسها سبق تأسيس المدرسة النظامية ببغداد بما لا يقل عن الأربعة شهور.

بغداد..جامع الامام الاعظم 1952

Posted by ‎جيل الطيبين‎ on Thursday, May 18, 2023

تعرضت المدرسة للإهمال في الكثير من الفترات التاريخية. كما تم تخريبها في بدايات القرن السادس عشر الميلادي على يد الجيوش الصفوية عقب دخول الشاه إسماعيل الأول إلى بغداد.

في سنة 1910، تم تجديد المدرسة بشكل كامل في السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية. يذكر وليد الأعظمي في كتابه "مدرسة الإمام أبي حنيفة، تاريخها وتراجم شيوخها ومدرسيها" أن الشيخ نعمان الأعظمي أرسل إلى السلطان العثماني محمد رشاد في تلك السنة طالباً منه الاهتمام بأمر المدرسة وإعادة تعميرها. وافق السلطان على طلب الشيخ، وخصص مبالغ مالية كبيرة لهذا الغرض. وتمكنت المدرسة حينها من استعادة دورها التاريخي القديم، وأُعيد افتتاحها بعد أعمال التوسعة والتجديد تحت مسمى "كلية الإمام الأعظم". حالياً، توجد عدد من الفروع التي تتبع كلية الإمام أبي حنيفة في الكثير من المدن العراقية. وتُدرس فيها علوم الفقه وأصوله، وأصول الدين، واللغة العربية، والقراءات القرآنية، فضلاً عن التاريخ والحضارة الإسلامية.

 

المدرسة الغروية

 

تُعدّ المدرسة الغروية واحدة من أقدم المدارس الدينية في النجف. وهي تقع في الجِهة الشمالية من سور الصحن الغروي. يتحدث جعفر الخليلي في كتابه موسوعة العتبات المقدسة عن تاريخ تلك المدرسة فيقول: "مدرسة الصحن الشريف الأولى والمدرسة الغروية يغلب على الظن أنهما اسمان لمدرسة واحدة، وقد تأسست في أوائل القرن الحادي عشر الهجري وقبل مدرسة الصحن الكبرى، وكان ابتداء تخطيطها مع تخطيط الصحن الشريف وينسبها (السيد البراقي) إلى الشاه عباس الصفوي الأول المتوفى سنة 1037هـ".

يذكر الشيخ جعفر محبوبة في كتابه "ماضي النجف وحاضرها" أن طلبة العلم قديماً كانوا يقومون بنسخ الكتب المهمة أثناء دراستهم في تلك المدرسة. ومن تلك الكتب كتابا الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، والاستبصار لمحمد بن الحسن الطوسي.

المدرسة الغروية المدرسة الغروية هي احد أجزاء ومفاصل العتبة العلوية المطهرة المدرسة الغروية هي إحدى المدارس التي انتشرت...

Posted by ‎تراث النجف‎ on Thursday, May 18, 2023

تعاظم شأن المدرسة الغروية في الفترة الأخيرة من العصر العثماني. يذكر عبد الرزاق حرز الدين في كتابه "تاريخ النجف الأشرف" أن الحكومة العثمانية وضعت قانون التجنيد الاجباري في سنة 1286ه. ووضعت لائحة بالمدارس التي سيُعفى المنتسبون إليها من الانخراط في سلك الجندية. كانت المدرسة الغروية واحدة من تلك المدارس. ولذلك أقبل طلبة العلم على الالتحاق بصفوفها.

تهدمت المدرسة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. ولكن أُعيد تعميرها في ثلاثينيات القرن العشرين. وتعرضت للإهمال مرة أخرى في زمن حكم النظام البعثي. في سنة 2005، تم العمل على إعادة إعمار المدرسة، واُفتتحت مرة أخرى للدراسة في سنة 2009م. من الجدير بالذكر أن هناك الكثير من الشيوخ البارزين الذين يقومون بالتدريس في تلك المدرسة، بعضهم برتبة "آية الله" مثل محمد باقر الإيرواني وهادي آل راضي.

 

مدرسة الصدر الأعظم

 

تقع مدرسة الصدر الأعظم في النجف هي الأخرى. وقد أُسست على يد محمد حسين خان العلاف الأصفهاني. وسميت بمدرسة "الصدر الأعظم" نسبة إلى مؤسسها الذي كان يشغل منصب الصدر الأعظم (بمثابة رئيس الوزراء) في الدولة القاجارية.

يذكر عبد الرزاق حرز الدين في كتابه أن المدرسة بنيت في سنة 1226ه، وأُلحقت بها مكتبة كبيرة. ويذكر أيضا أن الصدر الاعظم محمد حسين خان أوقف العديد من الأوقاف للإنفاق على شؤونها. يتحدث جعفر الخليلي في كتابه عن الأموال العظيمة التي أنفقت على بناء تلك المدرسة فيقول: "أُحصيت مصاريف بنائها مع بناء السور في ذلك العصر فكانت 94 ألف تومان أشرفي، والأشرفي يساوي يومذاك وزن الليرة الذهبية العثمانية".

تضم المدرسة حالياً العديد من الطلبة، وهي من أكبر مدارس النجف. وبحسب ما يذكر "مركز تراث النجف الأشرف"، فإن المدرسة تحتوي على ما يزيد على 30 غرفة في طابق واحد ومساحتها مع ملحقاتها تزيد عن 900 متر مربع. أُعيد ترميم المدرسة عدة مرات في القرنين السابقين. وفي زمن مرجعية محمد محمد صادق الصدر تم تغيير اسم المدرسة إلى "مدرسة الإمام موسى الكاظم". من الجدير بالذكر أن المدرسة تعرضت لبعض أعمال التخريب زمن حكم النظام البعثي.

 

المدرسة الجعفرية

 

تقع هذه المدرسة في مدينة سامراء على الضفة الشرقية لنهر دجلة. وبُنيت في سنة 1308ه على يد السيد الميرزا محمد حسن الحسيني الشيرازي. هاجر الشيرازي من إيران إلى العراق. واستقر في سامراء بجوار مرقد الإمامين العسكريين. وأقام حوزة علمية شيعية، وفي هذا السياق بنى مدرسته لنشر العلوم الدينية بين الطلبة العراقيين. ومن تلك المدرسة أصدر الشيرازي فتواه الشهيرة المعروفة بفتوى تحريم التنباك (التبغ). وهي الفتوى التي تسببت في اشتعال الثورة في إيران ضد الشاه القاجاري ناصر الدين شاه.

ظلت المدرسة الجعفرية قائمة لعشرات السنوات. ولكنها تعرضت للتخريب زمن حكم النظام البعثي. فتم نهب محتوياتها وهدمها في سنة 1991م، كما صدر في سنة 1994م قرار حكومي بمصادرة أرضها لحساب وزارة الأوقاف. تغير الحال عقب سقوط صدام حسين. في سنة 2015م تم تسجيل المدرسة باسم ديوان الوقف الشيعي. وفي سنة 2018م، قام المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني بإعادة افتتاح المدرسة مرة أخرى.

 

مدرسة السردار حسن خان

 

توجد تلك المدرسة في مدينة كربلاء الواقعة في الجنوب الغربي من العاصمة العراقية بغداد. وتقع المدرسة في الزاوية الشمالية الشرقية لصحن الإمام الحسين. شيدت المدرسة في سنة 1767م على يد السردار حسن خان القزويني. وكانت مدرسة واسعة وكبيرة جداً احتوت على 70 غرفة وعدة صالات. ولكن تعرضت بعض أجزائها للهدم فيما بعد. وتحتوي الآن على 16 غرفة للتدريس.

تذكر الباحثة كوكب حسين عزيز الهلالي في دراستها عن المدرسة أن العديد من العلماء البارزين تولوا مهمة التدريس في تلك المدرسة التاريخية. منهم كل من معصوم الأشكوري، وآغا بزرك الشهرستاني، وإبراهيم القزويني الحائري، كما أن العديد من العلماء تخرجوا منها. جمال الدين الأفغاني، وشريف العلماء المازندراني.

 

مدرسة بيارة للعلوم الإسلامية

 

توجد تلك المدرسة في منطقة بيارة الواقعة على سفوح إحدى جبال السليمانية في قضاء حلبجة في الشمال الشرقي من العراق. بُنيت المدرسة في سنة 1889م على يد الشيخ عمر ضياء الدين النقشبندي، وهو واحد من شيوخ الصوفية الكبار في القرن التاسع عشر الميلادي.

بحسب التقليد النقشبندي الذي يذكر قصة عجائبية لتأسيس المدرسة، فإن الشيخ عمر لما ذهب لأداء فريضة الحج في مكة حلم بأن النبي يعطيه طفلاً مريضاً ويطلب منه معالجته. قام الشيخ من نومه وفسر الرؤيا بأنها أمر نبوي بضرورة نشر العلم! فرجع بعد الحج إلى السليمانية وأنشأ التكية الصوفية التي تحولت فيما بعد إلى مدرسة بيارة للعلوم الإسلامية.

في سنة 2003م تعرضت المدرسة للقصف من قِبل الطائرات الأميركية نتيجة تحصن عناصر من حركة "أنصار الإسلام"، وهي جماعة سلفية كردية، بالمناطق القريبة منها. تم ترميم الأجزاء المهدمة فيما بعد. بشكل عام، تقوم المدرسة بتدريس ثلاث علوم رئيسية، وهي علم الشريعة، وعلم العرفان، وعلم "الطب النبوي والأعشاب". ويدرس فيها حالياً العشرات من الطلبة من شتى أنحاء العراق وسوريا وإيران وتركيا.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".