رجال دين شيعة في مدرسة السيد اليزدي التي تديرها الحوزة العلمية في النجف- تعبيرية

اهتم المسلمون بدراسة العلوم الدينية منذ فترة مبكرة من عمر الدولة الإسلامية. يذكر الباحث طالب حامد حسن في دراسته "التربية والتعليم في العراق في العصر العباسي الأول" أن ممارسة التعليم في القرون الأولى كانت تتم في كل من المساجد، وقصور الخلفاء والأمراء، ومنازل العلماء، وحوانيت الوراقين، فضلاً عن المكتبات.

ومع مطلع النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وقع تغير مهم في ميدان التعليم الديني في العراق. ظهرت المدارس -للمرة الأولى- على يد السلاجقة الأتراك. وصارت العملية التعليمية منظمة ومرتبة إلى حد بعيد. اختصت كل مدرسة بتدريس أحد المذاهب الفقهية المعروفة. واستقدم السلاطين العلماء والفقهاء ليضطلعوا بمهمة التدريس في كل مدرسة. وصار لكل مدرسة مناهج تعليمية محددة يخضع لها طلبة العلم على اختلاف أعمارهم وقدرتهم على التحصيل. ولم يكن العراق، مركز الخلافة لقرون طويلة، بمعزل عن هذه التحولات. ما هي أهم المدارس الدينية التاريخية الموجودة حالياً في العراق؟ وما قصة تأسيسها؟ وكيف عبّرت تلك المدارس عن التنوع المذهبي السني، والشيعي، والصوفي؟

 

مدرسة أبي حنيفة النعمان

 

تقع المدرسة في منطقة الأعظمية ببغداد. وتُنسب إلى "الإمام الأعظم" أبي حنيفة النعمان المتوفى سنة 150ه. دفن أبو حنيفة في مقبرة الخيزران، وعُرفت تلك المقبرة فيما بعد بالأعظمية نسبةً إليه.

بُنيت مدرسة أبي حنيفة في بدايات العصر السلجوقي على يد القائد شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور العميد الخوارزمي. يتحدث المؤرخ ابن الجوزي في كتابه "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" عن ظروف تأسيس تلك المدرسة، فيقول في أحداث سنة 459ه: "وفي هذه الأيام بنى أبو سعد المستوفي الملقب شرف الملك مشهد الإمام أبي حنيفة رضي اللَّه عنه، وعمل لقبره ملبناً، وعقد القبة، وعمل المدرسة بإزائه، وأنزلها الفقهاء، ورتب لهم مدرساً". يرى الكثير من الباحثين، ومنهم الدكتور مصطفى جواد في دراسته المعنونة بـ"أول مدرسة في العراق"، أن مدرسة الإمام أبي حنيفة كانت أول مدرسة حقيقية في العراق في العصور الإسلامية، وأن تأسيسها سبق تأسيس المدرسة النظامية ببغداد بما لا يقل عن الأربعة شهور.

بغداد..جامع الامام الاعظم 1952

Posted by ‎جيل الطيبين‎ on Thursday, May 18, 2023

تعرضت المدرسة للإهمال في الكثير من الفترات التاريخية. كما تم تخريبها في بدايات القرن السادس عشر الميلادي على يد الجيوش الصفوية عقب دخول الشاه إسماعيل الأول إلى بغداد.

في سنة 1910، تم تجديد المدرسة بشكل كامل في السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية. يذكر وليد الأعظمي في كتابه "مدرسة الإمام أبي حنيفة، تاريخها وتراجم شيوخها ومدرسيها" أن الشيخ نعمان الأعظمي أرسل إلى السلطان العثماني محمد رشاد في تلك السنة طالباً منه الاهتمام بأمر المدرسة وإعادة تعميرها. وافق السلطان على طلب الشيخ، وخصص مبالغ مالية كبيرة لهذا الغرض. وتمكنت المدرسة حينها من استعادة دورها التاريخي القديم، وأُعيد افتتاحها بعد أعمال التوسعة والتجديد تحت مسمى "كلية الإمام الأعظم". حالياً، توجد عدد من الفروع التي تتبع كلية الإمام أبي حنيفة في الكثير من المدن العراقية. وتُدرس فيها علوم الفقه وأصوله، وأصول الدين، واللغة العربية، والقراءات القرآنية، فضلاً عن التاريخ والحضارة الإسلامية.

 

المدرسة الغروية

 

تُعدّ المدرسة الغروية واحدة من أقدم المدارس الدينية في النجف. وهي تقع في الجِهة الشمالية من سور الصحن الغروي. يتحدث جعفر الخليلي في كتابه موسوعة العتبات المقدسة عن تاريخ تلك المدرسة فيقول: "مدرسة الصحن الشريف الأولى والمدرسة الغروية يغلب على الظن أنهما اسمان لمدرسة واحدة، وقد تأسست في أوائل القرن الحادي عشر الهجري وقبل مدرسة الصحن الكبرى، وكان ابتداء تخطيطها مع تخطيط الصحن الشريف وينسبها (السيد البراقي) إلى الشاه عباس الصفوي الأول المتوفى سنة 1037هـ".

يذكر الشيخ جعفر محبوبة في كتابه "ماضي النجف وحاضرها" أن طلبة العلم قديماً كانوا يقومون بنسخ الكتب المهمة أثناء دراستهم في تلك المدرسة. ومن تلك الكتب كتابا الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، والاستبصار لمحمد بن الحسن الطوسي.

تعاظم شأن المدرسة الغروية في الفترة الأخيرة من العصر العثماني. يذكر عبد الرزاق حرز الدين في كتابه "تاريخ النجف الأشرف" أن الحكومة العثمانية وضعت قانون التجنيد الاجباري في سنة 1286ه. ووضعت لائحة بالمدارس التي سيُعفى المنتسبون إليها من الانخراط في سلك الجندية. كانت المدرسة الغروية واحدة من تلك المدارس. ولذلك أقبل طلبة العلم على الالتحاق بصفوفها.

تهدمت المدرسة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. ولكن أُعيد تعميرها في ثلاثينيات القرن العشرين. وتعرضت للإهمال مرة أخرى في زمن حكم النظام البعثي. في سنة 2005، تم العمل على إعادة إعمار المدرسة، واُفتتحت مرة أخرى للدراسة في سنة 2009م. من الجدير بالذكر أن هناك الكثير من الشيوخ البارزين الذين يقومون بالتدريس في تلك المدرسة، بعضهم برتبة "آية الله" مثل محمد باقر الإيرواني وهادي آل راضي.

 

مدرسة الصدر الأعظم

 

تقع مدرسة الصدر الأعظم في النجف هي الأخرى. وقد أُسست على يد محمد حسين خان العلاف الأصفهاني. وسميت بمدرسة "الصدر الأعظم" نسبة إلى مؤسسها الذي كان يشغل منصب الصدر الأعظم (بمثابة رئيس الوزراء) في الدولة القاجارية.

يذكر عبد الرزاق حرز الدين في كتابه أن المدرسة بنيت في سنة 1226ه، وأُلحقت بها مكتبة كبيرة. ويذكر أيضا أن الصدر الاعظم محمد حسين خان أوقف العديد من الأوقاف للإنفاق على شؤونها. يتحدث جعفر الخليلي في كتابه عن الأموال العظيمة التي أنفقت على بناء تلك المدرسة فيقول: "أُحصيت مصاريف بنائها مع بناء السور في ذلك العصر فكانت 94 ألف تومان أشرفي، والأشرفي يساوي يومذاك وزن الليرة الذهبية العثمانية".

تضم المدرسة حالياً العديد من الطلبة، وهي من أكبر مدارس النجف. وبحسب ما يذكر "مركز تراث النجف الأشرف"، فإن المدرسة تحتوي على ما يزيد على 30 غرفة في طابق واحد ومساحتها مع ملحقاتها تزيد عن 900 متر مربع. أُعيد ترميم المدرسة عدة مرات في القرنين السابقين. وفي زمن مرجعية محمد محمد صادق الصدر تم تغيير اسم المدرسة إلى "مدرسة الإمام موسى الكاظم". من الجدير بالذكر أن المدرسة تعرضت لبعض أعمال التخريب زمن حكم النظام البعثي.

 

المدرسة الجعفرية

 

تقع هذه المدرسة في مدينة سامراء على الضفة الشرقية لنهر دجلة. وبُنيت في سنة 1308ه على يد السيد الميرزا محمد حسن الحسيني الشيرازي. هاجر الشيرازي من إيران إلى العراق. واستقر في سامراء بجوار مرقد الإمامين العسكريين. وأقام حوزة علمية شيعية، وفي هذا السياق بنى مدرسته لنشر العلوم الدينية بين الطلبة العراقيين. ومن تلك المدرسة أصدر الشيرازي فتواه الشهيرة المعروفة بفتوى تحريم التنباك (التبغ). وهي الفتوى التي تسببت في اشتعال الثورة في إيران ضد الشاه القاجاري ناصر الدين شاه.

ظلت المدرسة الجعفرية قائمة لعشرات السنوات. ولكنها تعرضت للتخريب زمن حكم النظام البعثي. فتم نهب محتوياتها وهدمها في سنة 1991م، كما صدر في سنة 1994م قرار حكومي بمصادرة أرضها لحساب وزارة الأوقاف. تغير الحال عقب سقوط صدام حسين. في سنة 2015م تم تسجيل المدرسة باسم ديوان الوقف الشيعي. وفي سنة 2018م، قام المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني بإعادة افتتاح المدرسة مرة أخرى.

 

مدرسة السردار حسن خان

 

توجد تلك المدرسة في مدينة كربلاء الواقعة في الجنوب الغربي من العاصمة العراقية بغداد. وتقع المدرسة في الزاوية الشمالية الشرقية لصحن الإمام الحسين. شيدت المدرسة في سنة 1767م على يد السردار حسن خان القزويني. وكانت مدرسة واسعة وكبيرة جداً احتوت على 70 غرفة وعدة صالات. ولكن تعرضت بعض أجزائها للهدم فيما بعد. وتحتوي الآن على 16 غرفة للتدريس.

تذكر الباحثة كوكب حسين عزيز الهلالي في دراستها عن المدرسة أن العديد من العلماء البارزين تولوا مهمة التدريس في تلك المدرسة التاريخية. منهم كل من معصوم الأشكوري، وآغا بزرك الشهرستاني، وإبراهيم القزويني الحائري، كما أن العديد من العلماء تخرجوا منها. جمال الدين الأفغاني، وشريف العلماء المازندراني.

 

مدرسة بيارة للعلوم الإسلامية

 

توجد تلك المدرسة في منطقة بيارة الواقعة على سفوح إحدى جبال السليمانية في قضاء حلبجة في الشمال الشرقي من العراق. بُنيت المدرسة في سنة 1889م على يد الشيخ عمر ضياء الدين النقشبندي، وهو واحد من شيوخ الصوفية الكبار في القرن التاسع عشر الميلادي.

بحسب التقليد النقشبندي الذي يذكر قصة عجائبية لتأسيس المدرسة، فإن الشيخ عمر لما ذهب لأداء فريضة الحج في مكة حلم بأن النبي يعطيه طفلاً مريضاً ويطلب منه معالجته. قام الشيخ من نومه وفسر الرؤيا بأنها أمر نبوي بضرورة نشر العلم! فرجع بعد الحج إلى السليمانية وأنشأ التكية الصوفية التي تحولت فيما بعد إلى مدرسة بيارة للعلوم الإسلامية.

في سنة 2003م تعرضت المدرسة للقصف من قِبل الطائرات الأميركية نتيجة تحصن عناصر من حركة "أنصار الإسلام"، وهي جماعة سلفية كردية، بالمناطق القريبة منها. تم ترميم الأجزاء المهدمة فيما بعد. بشكل عام، تقوم المدرسة بتدريس ثلاث علوم رئيسية، وهي علم الشريعة، وعلم العرفان، وعلم "الطب النبوي والأعشاب". ويدرس فيها حالياً العشرات من الطلبة من شتى أنحاء العراق وسوريا وإيران وتركيا.