بين سنتي 2014 و2018، ارتفع سعر الدولار الأميركي أمام الدينار العراقي بحوالي 30 دينارا.
شملت هذه الحملات معارض بيع السيارات وشركات بيع الأجهزة الكهربائية وشركات السياحة- صورة تعبيرية

تشهد معارض بيع السيارات والمراكز التجارية ومحلات بيع التجزئة في بغداد والمحافظات العراقية حالة من الكساد وشللاً في الحركة التجارية، بسبب إجبار الحكومة التجار على التعامل بالدينار العراقي، ضمن خطواتها لدعم قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية.

وباشرت مديرية الجريمة المنظمة في وزارة الداخلية منذ منتصف مايو الماضي، بشن حملات لفرض التعامل بالدينار في بغداد والمحافظات تحت شعار "الدينار قضية وطن".

شملت هذه الحملات معارض بيع السيارات وشركات بيع الأجهزة الكهربائية وشركات السياحة والسفر والبيع بالجملة، وحصلت المديرية على تعهدات خطية من التجار بعدم التعامل بالدولار، متوعدةً المخالفين بإجراءات قانونية تصل إلى السجن وإغلاق محالهم.

ويمتنع أغلب التجار عن التعامل بالدينار لوجود فارق كبير بين سعر الصرف الرسمي، الذي حدده البنك المركزي العراقي للدولار الواحد بـ1320 دينار عراقي، وسعر الصرف الموازي حيث يبلغ سعر الدولار الواحد 1470 ديناراً، ما يثير مخاوف الشارع من أزمة أمنية اقتصادية جديدة، إثر محاولات الحكومة فرض التعامل بالدينار على التجار بالقوة.

يقول صاحب معرض للسيارات في بغداد لـ"ارفع صوتك"، مفضلا عدم ذكر اسمه خشية التعرض للمساءلة القانونية: "فقد سوق السيارات حركته وأصبح الآن شبه مشلول بعد قرار فرض التعامل بالدينار. نحن نستورد السيارات بالدولار، لكن الحكومة أجبرتنا على توقيع تعهد بالتعامل بالدينار وهذا يلحق بنا نحن أصحاب المعارض خسائر كبيرة، بسبب الفرق بين سعر الدولار الرسمي والموازي".

"كيف نتعامل الآن؟ إذا استمرت هذه الأوضاع دون تمكن الحكومة من السيطرة على سعر الصرف الموازي سنضطر إلى إغلاق شركاتنا"، يضيف تاجر السيارات.

ويشهد العراق منذ نهاية العام الماضي أزمة في أسعار الصرف، تتمثل في تذبذب أسعار الدينار أمام الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، وتضخم في أسعار السلع والخدمات في الأسواق المحلية.

وتحاول الحكومة العراقية عبر مجموعة من الخطوات إعادة الثقة للدينار العراقي، واعتمد البنك المركزي العراقي خلال الأشهر الماضية المنصة الإلكترونية في مزاد بيع العملة للحد من تهريب الدولار من البلاد وتمكين قيمة الدينار.

وفي مايو الماضي، فعّل البنك المركزي المرحلة الثانية من اعتماد المنصة التي تسعى لإخضاع الحوالات المالية للأفراد والبطاقات الائتمانية.

احتجاجات أمام البنك المركزي في بغداد- أسوشيتد برس
"احتيال ودول محظورة".. ما سبب تراجع سعر صرف الدينار العراقي؟
يرى خبراء ومختصون عراقيون أن سبب تراجع أسعار صرف الدينار العراقي مقابل الدولار في السوق المحلي الموازي، هو التعاملات "غير الرسمية" لتجار عراقيين مع دول فرضت عليها الولايات المتحدة الأميركية عقوبات اقتصادية، بالإضافة لاستخدام محتالين البطاقات الائتمانية كطريقة جديدة لتهريب العملة.

"ليس هيناً"

في تعليقه على الإجراءات الحكومية، يؤكد الخبير الاقتصادي، خطاب عمران الضامن، أن "تطبيق قرار منع التعامل بالدولار ليس أمرً هيّناً"، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "المواطن العراقي اعتاد على استخدام الدولار لأغراض التعاملات التجارية وأغراض الحفاظ على الثروة وبشكل يومي، لذلك فإن تطبيق هذا القرار يحتاج إلى تشريعات ووسائل وجهود إدارية كبيرة لتنفيذه، وجهود من قبل البنك المركزي لإعادة الثقة بالدينار العراقي لإحلاله محل الدولار في تلك التعاملات".

وقال البنك المركزي، الأربعاء الماضي، إن "الدينار هو العملة الوطنية ولا حاجة للتعامل بغيره".

ونقلت وكالة الانباء العراقية الرسمية عن معاون مدير عام دائرة الاستثمارات في البنك المركزي، محمد يونس،  أن "البنك يعتمد حالياً آلية لتحسين الإجراءات وتسهيل عمليات تحويل الحوالات وتذليل جميع الصعوبات".

وأضاف أن "صغار التجار ممن لا يحق لهم الدخول إلى المنصة هم من يشترون الدولار ويتعاملون بالسعر الموازي ويضغطون ويشكلون طلباً عليه، أما بقية الشركات التجارية فهي تدخل المنصة وتجري حوالاتها بصورة طبيعية وبالسعر الرسمي".

وتابع يونس، أن "لجنة دعم الدينار العراقي تواصل مع الأجهزة الأمنية تنفيذ تعليمات مجلس الوزراء والبنك المركزي لدعم الدينار واستقرار سعر الصرف ومنع التعامل غير الرسمي بسبب عدم وجود حاجة للتعامل بالدولار في العراق".

وكشف "ارفع صوتك" من خلال متابعته لخطوات الحكومة العراقية لفرض التعامل بالدينار عن تحويل الحكومة خلال الأسابيع الماضية الحوالات المالية الفردية الواردة إلى العراق بالدولار إلى الدينار العراقي عند تسليمها لأصحابها معتمدة سعر الصرف الرسمي، ما تسبب بخسائر مالية لأصحاب الحوالات بسبب الفارق الكبير بين سعر الصرف الحكومي والموازي، في وقت تعتمد الأسواق المحلية على سعر الصرف الموازي في أسعار السلع والخدمات.

يقول الخبير الاقتصادي والمالي، جمال الهداش، إن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي هي "نتيجة هيمنة بعض التجار والموردين وغيرهم من الذين يتحكمون بقوة العرض والطلب في السوق. 

ويرى أن على الحكومة العمل بشكل "جاد وفعلي" لمراقبة كل حركات سير العملة والعمليات التجارية بالدينار العراقي، كي "تسرّع عملية تقليص الفجوة".

ويحذر الهداش خلال حديثه مع "ارفع صوتك"، من أن "استمرار تذبذب أسعار الصرف وانعدام الخطوات الواقعية من قبل الحكومة للتحكم بالسوق، سيبقي سعر الصرف منفلتاً وبأيدي التجار وصناع السوق، ما سيعكس سلبا على المواطن والاقتصاد الآن ومستقبلاً".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".