تشهد معارض بيع السيارات والمراكز التجارية ومحلات بيع التجزئة في بغداد والمحافظات العراقية حالة من الكساد وشللاً في الحركة التجارية، بسبب إجبار الحكومة التجار على التعامل بالدينار العراقي، ضمن خطواتها لدعم قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية.
وباشرت مديرية الجريمة المنظمة في وزارة الداخلية منذ منتصف مايو الماضي، بشن حملات لفرض التعامل بالدينار في بغداد والمحافظات تحت شعار "الدينار قضية وطن".
شملت هذه الحملات معارض بيع السيارات وشركات بيع الأجهزة الكهربائية وشركات السياحة والسفر والبيع بالجملة، وحصلت المديرية على تعهدات خطية من التجار بعدم التعامل بالدولار، متوعدةً المخالفين بإجراءات قانونية تصل إلى السجن وإغلاق محالهم.
ويمتنع أغلب التجار عن التعامل بالدينار لوجود فارق كبير بين سعر الصرف الرسمي، الذي حدده البنك المركزي العراقي للدولار الواحد بـ1320 دينار عراقي، وسعر الصرف الموازي حيث يبلغ سعر الدولار الواحد 1470 ديناراً، ما يثير مخاوف الشارع من أزمة أمنية اقتصادية جديدة، إثر محاولات الحكومة فرض التعامل بالدينار على التجار بالقوة.
يقول صاحب معرض للسيارات في بغداد لـ"ارفع صوتك"، مفضلا عدم ذكر اسمه خشية التعرض للمساءلة القانونية: "فقد سوق السيارات حركته وأصبح الآن شبه مشلول بعد قرار فرض التعامل بالدينار. نحن نستورد السيارات بالدولار، لكن الحكومة أجبرتنا على توقيع تعهد بالتعامل بالدينار وهذا يلحق بنا نحن أصحاب المعارض خسائر كبيرة، بسبب الفرق بين سعر الدولار الرسمي والموازي".
"كيف نتعامل الآن؟ إذا استمرت هذه الأوضاع دون تمكن الحكومة من السيطرة على سعر الصرف الموازي سنضطر إلى إغلاق شركاتنا"، يضيف تاجر السيارات.
ويشهد العراق منذ نهاية العام الماضي أزمة في أسعار الصرف، تتمثل في تذبذب أسعار الدينار أمام الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، وتضخم في أسعار السلع والخدمات في الأسواق المحلية.
وتحاول الحكومة العراقية عبر مجموعة من الخطوات إعادة الثقة للدينار العراقي، واعتمد البنك المركزي العراقي خلال الأشهر الماضية المنصة الإلكترونية في مزاد بيع العملة للحد من تهريب الدولار من البلاد وتمكين قيمة الدينار.
وفي مايو الماضي، فعّل البنك المركزي المرحلة الثانية من اعتماد المنصة التي تسعى لإخضاع الحوالات المالية للأفراد والبطاقات الائتمانية.
"ليس هيناً"
في تعليقه على الإجراءات الحكومية، يؤكد الخبير الاقتصادي، خطاب عمران الضامن، أن "تطبيق قرار منع التعامل بالدولار ليس أمرً هيّناً"، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "المواطن العراقي اعتاد على استخدام الدولار لأغراض التعاملات التجارية وأغراض الحفاظ على الثروة وبشكل يومي، لذلك فإن تطبيق هذا القرار يحتاج إلى تشريعات ووسائل وجهود إدارية كبيرة لتنفيذه، وجهود من قبل البنك المركزي لإعادة الثقة بالدينار العراقي لإحلاله محل الدولار في تلك التعاملات".
وقال البنك المركزي، الأربعاء الماضي، إن "الدينار هو العملة الوطنية ولا حاجة للتعامل بغيره".
ونقلت وكالة الانباء العراقية الرسمية عن معاون مدير عام دائرة الاستثمارات في البنك المركزي، محمد يونس، أن "البنك يعتمد حالياً آلية لتحسين الإجراءات وتسهيل عمليات تحويل الحوالات وتذليل جميع الصعوبات".
وأضاف أن "صغار التجار ممن لا يحق لهم الدخول إلى المنصة هم من يشترون الدولار ويتعاملون بالسعر الموازي ويضغطون ويشكلون طلباً عليه، أما بقية الشركات التجارية فهي تدخل المنصة وتجري حوالاتها بصورة طبيعية وبالسعر الرسمي".
وتابع يونس، أن "لجنة دعم الدينار العراقي تواصل مع الأجهزة الأمنية تنفيذ تعليمات مجلس الوزراء والبنك المركزي لدعم الدينار واستقرار سعر الصرف ومنع التعامل غير الرسمي بسبب عدم وجود حاجة للتعامل بالدولار في العراق".
وكشف "ارفع صوتك" من خلال متابعته لخطوات الحكومة العراقية لفرض التعامل بالدينار عن تحويل الحكومة خلال الأسابيع الماضية الحوالات المالية الفردية الواردة إلى العراق بالدولار إلى الدينار العراقي عند تسليمها لأصحابها معتمدة سعر الصرف الرسمي، ما تسبب بخسائر مالية لأصحاب الحوالات بسبب الفارق الكبير بين سعر الصرف الحكومي والموازي، في وقت تعتمد الأسواق المحلية على سعر الصرف الموازي في أسعار السلع والخدمات.
يقول الخبير الاقتصادي والمالي، جمال الهداش، إن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي هي "نتيجة هيمنة بعض التجار والموردين وغيرهم من الذين يتحكمون بقوة العرض والطلب في السوق.
ويرى أن على الحكومة العمل بشكل "جاد وفعلي" لمراقبة كل حركات سير العملة والعمليات التجارية بالدينار العراقي، كي "تسرّع عملية تقليص الفجوة".
ويحذر الهداش خلال حديثه مع "ارفع صوتك"، من أن "استمرار تذبذب أسعار الصرف وانعدام الخطوات الواقعية من قبل الحكومة للتحكم بالسوق، سيبقي سعر الصرف منفلتاً وبأيدي التجار وصناع السوق، ما سيعكس سلبا على المواطن والاقتصاد الآن ومستقبلاً".
