صورة أرشيفية لنصب أسد بابل في العراق- تعبيرية
صورة أرشيفية لتمثال أسد بابل في العراق- تعبيرية

في مشهد بات يضرب بقسوة وشدة يوماً بعد آخر معظم مناطق وسط وجنوب العراق، تدفع أزمة مياه الزراعة والشرب أهالي محافظة بابل لمناشدة الجهات الحكومية والمختصة بالتدخل العاجل لإنقاذ مئات العوائل من العطش والجفاف.

وتتفاقم أزمة المياه في العراق منذ أكثر من عقدين، جراء سياسات دول المنبع والمغذية للموارد المائية في العراق (إيران وتركيا)، وبنائها السدود وحرف مسارات الأنهر، وسط مناشدات ومطالبات عراقية رسمية لإلزام الجارتين بتأمين الحصص المائية والرجوع إلى مواثيق تقاسم المياه، ولكن دون أي استجابة حقيقية وواقعية.

جفاف الأنهار
بسبب قلة الأمطار وسدود إيران.. تراجع كبير في منسوب نهر سيروان بالعراق
أعرب مسؤولون عراقيون الثلاثاء عن قلقهم إزاء التراجع الكبير لمنسوب نهر سيروان في شمال شرق العراق، بفعل قلة الأمطار وسدود خلف الحدود في إيران من حيث ينبع النهر، ما يؤثر على الزراعة والإنتاج الكهربائي في العراق الغارق
الأهوار جنوب العراق
"الأهوار جنوب العراق".. تغير المناخ وسدود تركيا وسوريا تهدد المنطقة المسالمة
ألقت صحيفة نيويورك تايمز الضوء على منطقة "الأهوار جنوب العراق" وهي مسطحات مائية تقع بالقرب من الحدود الجنوبية الشرقية لبلاد الرافدين، لتظهر وكأنها واحة في وسط الصحراء، لكنها تواجه خطر الجفاف من حين لآخر لعدة أسباب.

وتضم هذه المنطقة مدن أور وأوروك وإريدو السومرية القديمة، التي أُنشئت في بلاد ما بين النهرين بين الألفيتين الرابعة والثالثة قبل

وانعكست تداعيات الأزمة المائية في العراق خلال السنوات العشر الأخيرة باتساع المناطق الصحراوية، وهلاك آلاف الدونمات الزراعية التي تحولت إلى أراض جرداء، فضلاً عن التسبب بهجرة مئات العوائل التي تمتهن الزراعة وتربية المواشي.

وخلال الأيام القليلة الماضية، استغاث أهالي منطقة المجرية وسط مدينة الحلة بالجهات الحكومية المعنية لتوفير مياه الشرب، بينما يستخدمون مياه الآبار في الوقت الحالي، لكنها تهدد صحتهم كونها "غير صالحة للاستهلاك البشري" بحسب خبراء.

بدوره، يوضح مدير إعلام دائرة مياه بابل، أرشد السلطاني، أن "الأزمة تتفاوت بين منطقة وأخرى، فهي أكثر حدة في الأقضية والنواحي التي تقع في الجنوب مقارنة بالأطراف الشمالية في محافظة بابل".

ويقول لـ"ارفع صوتك"، إن "مدير الموارد المائية في المحافظة، عقيل طراد، وجه بجملة معالجات طارئة وعاجلة من بينها إطالة منصات السحب في الأنهر الفرعية التي تقع تلك المحطات عليها  وحفر هيكل السحب الخارجي لمحطات الماء الخام التي تتغذى على شط الحلة بالوصول إلى قاع النهر، فضلاً عن حملة شاملة في جميع المراكز والاقضية لرفع التجاوزات عن شبكات المياه الصافي".

من جهته، يقول عضو لجنة الزراعة النيابية، النائب ثائر مخيف، إن "المعالجات مفقودة، إذ لا يوجد أساساً تخطيط مسبق يتعامل مع أي أزمة مائية".

وبشأن أزمة بابل، يشدد  مخيف خلال حديثه مع "ارفع صوتك"، على "ضرورة أن توصل محطات تحلية المياه بأنابيب الري المغلق، وهي أنابيب ضخمة يجب أن تمتد من نهر الفرات مباشرة إلى تلك المحطات، حتى تتم إعادة تشغيلها. مع التسليم أن تلك المعالجة ليست بالسريعة ولكن الأنسب والأكثر توفراً في الوقت الحاضر".

ويؤكد مخيف أيضاً، على أهمية أن "تتضافر جميع الجهود من قبل المؤسسات والوزارات، كل من الموارد المائية والزراعة والداخلية والتخطيط، وغيرها من الجهات ذات العلاقة، للاشتراك في وضع المعالجات وضمان تطبيقها".

وكان المتحدث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال، كشف في مارس الماضي، عن وصول المخزون المائي للبلاد إلى مراحل "حرجة جداً"، بعد فقدان العراق 70% من استحقاقاته المائية القادمة إليه من دول الجوار.

وتداول نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الشهرين الماضيين، صوراً ومقاطع فيديو، تُظهر انخفاضاً حاداً في نهري دجلة والفرات وظهور القاع في بعض المناطق التي يمر فيها.

ومطلع يونيو الجاري، أكد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، أن انخفاض مناسيب مياه نهري دجلة والفرات "يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً".

وتحدث عن جملة من المعالجات خلال كلمة له في مؤتمر بغداد الدولي الثالث للمياه، من بينها ضبط الخطة الزراعية الشتوية من خلال إدخال الوسائل الحديثة للري، منوهاً إلى أن "الخطط الزراعية المقبلة تقتصر على المزارعين المستخدمين لوسائل الري الحديثة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.