FILE PHOTO: A view shows a destroyed building in Mariupol
أحد المباني التي دمرتها الحرب في ماريوبول الأوكرانية- تعبيرية

لم يكن العراقي عباس وتوت، الذي قتل في السابع من أبريل الماضي، ضمن صفوف مليشيات فاغنر الروسية بعد إصابته في معارك باخموت شرق أوكرانيا، أول عراقي ينضم للحرب الروسية الأوكرانية، حيث جندت المليشيات الموالية لإيران، مئات العراقيين لزجهم في هذه الحرب خلال الشهور الماضية.

ومع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير 2022، كانت المليشيات العراقية التي تعرف نفسها بـ"فصائل المقاومة" أول الحاضرين على خط الانضمام لروسيا. وتشير إحصائيات غير رسمية إلى تجنيدها "مئات" الشباب العراقيين وزجهم في هذه الحرب.

ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ازدادت اللقاءات بين قادة هذه المليشيات، التي كانت وما زالت تمثل الخط الأول للقتال في الحرب السورية منذ انطلاقتها بحجة حماية المراقد الدينية فيها، وبين الدبلوماسيين الروس في بغداد وموسكو.

من أبرزها، كان لقاء جمع زعيم حركة "حزب الله النجباء" أكرم الكعبي، بمسؤولين روس خلال زيارته إلى موسكو في نوفمبر الماضي، حيث يعتبر الكعبي المسؤول عن الجناح الخارجي للمليشيات العراقية.

 

"التحوّل لخلايا إرهابية"

تعقيبا على ذلك، يحذر السياسي العراقي المستقل، مثال الألوسي، من أن "الخطر الأكبر يكمن في تحول المليشيات إلى سوق للارتزاق والمرتزقة، وتحكم طهران بمصير الشباب العراقيين المغرر بهم لتحقيق أهدافها السياسية وتوريط العراق كدولة في الحرب الأوكرانية".

كما يحذر، في حديثه مع "ارفع صوتك"، من "تحوّل المشاركين والعائدين من هذه المعارك إلى العراق، إلى خلايا إرهابية، قد تشكل خطرا إرهابيا إقليميا ودوليا، مثلما حدث مع مسلحي تنظيم القاعدة".

 

ماذا تقول الحكومة العراقية؟

ونقلت وزارة الخارجية العراقية عبر بيان لها،  في 17 أبريل الماضي، عن وزير الخارجية فؤاد حسين، عقب استقباله نظيره الأوكراني دميتري كوليبا في بغداد، قوله إن "العراق يؤيد كل الجُهُود التي تسعى إلى تخفيف حدة التوتر، وإنهاء الحرب، والعمل على التهدئة وضبط النفس".

وأكد حسين سعي العراق ليكون "جزءاً من الحل فيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية".

في الوقت نفسه، تلتزم الحكومة العراقية الصمت حيال التقارير الدولية والمحلية التي تشير إلى تجنيد المليشيات لشباب عراقيين وزجهم في الحرب، إضافة إلى تورطّها في نقل الأسلحة إلى روسيا عن طريق إيران.

"ارفع صوتك" تواصل مع مسؤول أمني عراقي، فضّل عدم ذكر اسمه. نفى بدوره "تورط العراق وقواته الأمنية في هذه الحرب".

ويؤكد "لا توجد أي مشاركة عراقية في الحرب، لا من جهة الحشد الشعبي ولا من قبل الحكومة، العراق ملتزم بدوره الحيادي ويعمل من أجل ترسيخ السلام وإنهاء النزاعات، وهو منشغل في الحرب ضد الإرهاب وترسيخ الاستقرار والقضاء على ما تبقى من فلول تنظيم داعش".

لكن المليشيات التي تجند العراقيين، ورغم أن بعضها يتبع هيئة الحشد الشعبي، تؤكد في بياناتها ووسائل الإعلام التابعة لها أنها "فصائل مسلحة عابرة للحدود".

 

"التبعية لولي الفقيه"

يقول عضو "اللجنة المنظمة لتظاهرات تشرين"، عدي الزيدي، إن "المليشيات في العراق تتبع أوامر ولي الفقيه الإيراني، لذلك عندما يوجهها تذهب بالقتال في أوكرانيا، أو اليمن أو لبنان أو سوريا، أو حتى في أفريقيا".

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "جميع المليشيات المنضوية تحت مسمى الإطار التنسيقي (تحالف الأحزاب والفصائل الموالية لإيران) تأتمر بأوامر ولي الفقيه، وكان لها دور داخل إيران نفسها حيث شاركت في قمع التظاهرات ضد نظام الحكم، خاصة في الأحواز".

"لذلك أتوقع الكثير من هذه المليشيات، خصوصا إذا احتاجت روسيا لها بشكل كبير في حربها. حينها ستذهب جميعها إلى روسيا لتقاتل وتقتل، منفذة أوامر طهران، لكن حاليا لا تحتاج موسكو إلا للقلة القليلة منهم"، يتابع الزيدي.

 

"مرتزقة بلا حقوق"

من جهته، يرى الخبير الإستراتيجي العراقي، علاء النشوع، أن "زج الشباب العراقي في الحرب الروسية الأوكرانية، له أبعاد كثيرة سواء على الصعيد الدولي كسياسة أو الداخلي كقوانين وأنظمة وقرارات".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "زج العراقيين في هذه الحرب بمثابة إعلان حرب من قبل العراق ضد أوكرانيا وحلفائها الدوليين، وهذا الأمر يضر بمصالح العراق وسياسته الخارجية، وينعكس على الحكومة العراقية التي لها تحالفات وعلاقات وطيدة مع الدول المساندة لأوكرانيا".

وتشير معلومات حصل عليها "ارفع صوتك" من خلال متابعته لعمليات تجنيد الشباب العراقي في الحرب الروسية الأوكرانية، إلى أن المليشيات تنقل من تجندهم من الشباب عبر طريقين إلى الأراضي الأوكرانية، الأول براً عن طريق إيران من ثم البحر وصولاً إلى روسيا وبعدها ساحات القتال في أوكرانيا، والثاني عن طريق سوريا ومنها جواً إلى روسيا، للمشاركة في المعارك شرق أوكرانيا.

ويقول النشوع إن "الحكومة العراقية باتت محرجة للغاية أمام التحالف الدولي والولايات المتحدة الأميركية المساندة للعراق، ولا تستطيع بغداد تبرير ما تقوم به هذه المليشيات"، معتبراً أن الحكومة "غير قادرة على منع الشباب من المشاركة في الحرب، لأن من يقف وراء ذلك العمل، مليشيات مدعومة من إيران".

وتضغط قيادات هذه المليشيات على الحكومة، متحكمة بالقرار الأمني والسياسي والعسكري والاقتصادي، على حد قول النشوع.

ويتابع: "إيران وقيادات المليشيات يدفعون الشباب العراقي للمحرقة والموت، في وقت يعتبر من ينضم من العراقيين لهذه الحرب أو أي حرب أخرى خارج بلدهم بحكم المرتزقة، والمرتزقة ليس لهم أي حقوق في الحروب، إذ تتم تصفيتهم في الميدان باعتبارهم أجانب ولا يمتلكون أي حصانة كأسرى حرب".

ويلفت النشوع إلى أن القوانين العراقية "تمنع ذلك وتعتبر هذا الفعل جريمة جنائية تصل عقوبتها للإعدام، لأنه يدخل في قضايا التجسس والتخابر مع دولة أجنبية، وهو ما ينطبق على كل العراقيين المشاركين في الحرب السورية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Iraq
جانب من لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان- رويترز

وصل الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، صباح الأربعاء، إلى بغداد في أول زيارة له إلى الخارج منذ انتخابه في يوليو الماضي.

وجاء في بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، أن هذا الأخير استقبل بزشكيان، مرفقا بيانه بصورة يتصافح فيها الرجلان على مدرج المطار.

ويسعى الرئيس الإيراني لتعزيز العلاقات الثنائية الوثيقة أصلا بين البلدين.

وتعهد بزشكيان إعطاء "الأولوية" لتعزيز العلاقات مع الدول المجاورة في إطار سعيه إلى تخفيف عزلة إيران الدولية وتخفيف تأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد، وفقا لفرانس برس.

وقال في أغسطس "العلاقات مع الدول المجاورة (...) يمكن أن تحيّد قدرا كبيرا من الضغوط الناجمة عن العقوبات".

كما تعهد بزشكيان خلال حملته الانتخابية السعي لإحياء الاتفاق الدولي لعام 2015 الذي أتاح رفع عقوبات اقتصادية عن طهران لقاء تقييد أنشطتها النووية. وانسحبت الولايات المتحدة أحاديا من الاتفاق في 2018 معيدة فرض عقوبات قاسية خصوصا على صادرات النفط.

وعيّن بزشكيان مهندس اتفاق عام 2015 الدبلوماسي المخضرم، محمد جواد ظريف، نائبا له للشؤون الاستراتيجية في إطار سعيه إلى انفتاح إيران على الساحة الدولية.

وتعززت العلاقات بين العراق وإيران خلال العقدين الماضيين بعد الغزو الأميركي في العام 2003 الذي أطاح بنظام، صدام حسين.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، هذا الأسبوع "ستكون هذه الرحلة فرصة لتعزيز وتعميق العلاقات الودية والأخوية بين البلدين في مختلف المجالات".

وذكر موقع الرئاسة الإيرانية الإلكتروني، الخميس الماضي، أن زيارة بزشكيان ستستمر ثلاثة أيام. وأشار إلى أن الرئيس الإيراني سيعقد، بالإضافة إلى الاجتماعات الرسمية، لقاءات مع إيرانيين في العراق ومع رجال أعمال. وسيزور النجف وكربلاء والبصرة.

شريكان تجاريان

وتتمتع إيران التي تعد أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين للعراق بنفوذ سياسي كبير في العراق. ويهيمن حلفاء طهران العراقيون على البرلمان، وكان لهم دور أساسي في اختيار رئيس الحكومة الحالي.

ويزور سنويا ملايين الإيرانيين مدينتَي النجف وكربلاء العراقيتين المقدستين.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن حجم التجارة غير النفطية بين إيران والعراق بلغ نحو خمسة مليارات دولار بين مارس ويوليو 2024.

وتصدّر إيران كذلك ملايين الأمتار المكعبة من الغاز يوميا إلى العراق لتشغيل محطات الطاقة. وهناك متأخرات في الدفع على العراق مقابل هذه الواردات التي تغطي 30% من احتياجاته من الكهرباء، تقدر بمليارات الدولارات.

وفي سبتمبر 2023، أطلق البلدان "مشروع ربط البصرة-الشلامجة" للسكك الحديد وهو خط سيربط المدينة الساحلية الكبيرة في أقصى جنوب العراق بمعبر الشلامجة الحدودي على مسافة أكثر من 32 كيلومترا.

تعاون أمني

وتأتي زيارة بزشكيان وسط اضطرابات في الشرق الأوسط أثارتها الحرب التي اندلعت في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس - المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى - في السابع من أكتوبر الماضي، والتي دفعت المجموعات المسلحة المدعومة من إيران في جميع أنحاء المنطقة لدعم الفلسطينيين وعقّدت علاقات بغداد مع واشنطن.

وتنشر الولايات المتحدة زهاء 2500 جندي في العراق ونحو 900 في سوريا المجاورة، في إطار التحالف الذي أنشأته عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش. ويضم التحالف كذلك قوات من دول أخرى لا سيما فرنسا والمملكة المتحدة.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف في العراق.

وأعلن وزير الدفاع العراقي، ثابت العباسي، الأحد الماضي، أن بغداد وواشنطن توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين"، مرجحا أن يتم توقيع اتفاق بهذا الشأن قريبا.

وسيكون لبزشكيان محطة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان الذي يحظى بحكم ذاتي، حيث سيلتقي مسؤولين أكراد، على ما أفادت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية "إرنا".

وفي مارس 2023، وقع العراق وإيران اتفاقا أمنيا بعد أشهر قليلة على تنفيذ طهران ضربات ضد مجموعات كردية معارِضة في شمال العراق.

ومنذ ذلك الحين، اتفق البلدان على نزع سلاح المجموعات المتمردة الكردية الإيرانية وإبعادها عن الحدود المشتركة.

وتتّهم طهران هذه المجموعات بالحصول على أسلحة من جهة العراق، وبتأجيج التظاهرات التي اندلعت في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، في سبتمبر 2022، بعد أيام على توقيفها من جانب شرطة الأخلاق لعدم التزامها بقواعد اللباس الصارمة.

ويوجد في العراق عدة أحزاب وفصائل مسلحة متحالفة مع إيران. وتعمل طهران على زيادة نفوذها في العراق منذ أن أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة بصدام حسين في عام 2003.

وقال بزشكيان، وهو معتدل نسبيا، قبل زيارته وفقا لوسائل إعلام رسمية إيرانية "نخطط لتوقيع عدد من الاتفاقيات. سنلتقي مع مسؤولين عراقيين كبار في بغداد".