تعبيرية

في الأول من يوليو العام الماضي، هبطت طائرة وفد صحافي عراقي مكون من 12 صحافياً أغلبهم من أساتذة كليات الإعلام على أرض مطار الملكة علياء بالأردن، وما إن دخل الوفد الفندق حتى فوجئ بقوالب حلوى تنتظر ثمانية منهم كاحتفال بأعياد ميلادهم الذي يوافق ذلك التاريخ. 

يقول الصحافي محمد الربيعي لـ"ارفع صوتك" :"كنت واحداً من أعضاء الوفد العراقي المشارك بورشة العمل تلك في العاصمة الأردنية عمان، وحصلت على واحدة من قوالب الكيك تلك بفضل عيد ميلادي المسجل في بياناتي الشخصية في الأول من يوليو، رغم أنه ليس تاريخ ميلادي الحقيقي".

ويعتبر الكاتب أكرم المشهداني الأول من يوليو "يوماً مميزاً في العراق حيث يتم الاحتفال فيه بأعياد ميلاد الملايين من أبناء البلد"، مردفاً "هذه ظاهرة عراقية لا أظن أن هناك شعباً آخر لديه الحالة ذاتها".

وعلى الرغم من أن الظاهرة "ربما لا تكون حقيقية فأغلب المسجلين في ذلك اليوم من السنة لم تتم ولادتهم فيه، لكنهم رضوا به كأمر واقع لجهل آبائهم وأجدادهم بموعد ميلادهم الحقيقي"، يضيف المشهداني لـ"ارفع صوتك".

ويوضح السبب: "الآباء والأجداد كانوا لا يكترثون بتسجيل تاريخ ميلاد أي مولود لهم بل ويتمهلون في تسجيله لحين وصوله إلى سن الدخول للمدرسة وأحيانا وصوله إلى سن التجنيد الإلزامي".

ويوافق الأول من يوليو أعياد ميلاد ملايين العراقيين خصوصاً من تجاوز منهم عقده الرابع، وتعود جذور الموضوع إلى ما قبل افتتاح سجلات الجنسية الرسمية.

 

أول الحكاية

تعود حكاية أعياد الميلاد المشتركة للعراقيين كما يقول المحامي أحمد مجيد لـ"ارفع صوتك"، إلى أن "سجلات التولد في إحصاء الأعوام (1927 – 1934 – 1947) كانت تقتصر على تسجيل السنة فقط. وغالباً ما كانت تسجل بشكل تقديري، أي اعتماداً على ما يقدره الأب أو مختار المنطقة أو الطبيب وأحياناً الموظف المختص"، مرجعاً السبب في ذلك إلى "عدم وجود مستمسك رسمي يحدد التاريخ الذي تمت ولادة الشخص فيه بشكل دقيق مثل بيان الولادة المعمول به حالياً".

ويوضح مجيد: "كانت أكثر الولادات تتم في البيوت وليس في المستوصفات أو المستشفيات إلا في الحالات الحرجة، هذا إن وجدت المؤسسات الصحية في المدن، أو في الأرياف العراقية حيث تكون  تلك المؤسسات شبه معدومة أو غير موجودة أصلاً".

لا يتعلق الأمر بيوم وشهر الولادة فقط، "فحتى أعوام الولادة كانت كثيراً ما تكون خاطئة لقلة عدد من لهم معرفة بالقراءة والكتابة وقادرين على تسجيل العام الذي يولد فيه الطفل، والذي كان يتم كتابته بشكل تقليدي على صفحات القرآن الكريم أو أي كتاب آخر"، بحسب المحامي.

يتابع: "كان تذكر عام الولادة أسهل في حال اقترانه بأحد الحوادث التاريخية أو الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية كعام ثورة العشرين أو انتفاضة رشيد عالي الكيلاني أو سنة الجراد أو سنة التموين، وكثيراً ما تكون ولادة الشخص قد حصلت خلالها أو قبلها أو بعدها بسنة أو أكثر وهكذا".

ويؤكد مجيد، أن طبيعة الحياة في ذلك الزمن لم تكن تتطلب تسجيل الولادات، كما أن كثيراً من الأهالي كانوا يفضلون عدم تسجيل أبنائهم وخصوصاً الذكور، كطريقة للتهرب من الخدمة الإلزامية العسكرية".

 

تعداد 1957

تغير الأمر في تعداد العام 1957 كما يقول مجيد، إذ يصفه بأنه "أفضل من العقود السابقة من حيث عمليات التسجيل، فقد كان أكثر مهنية وأجري بصورة عملية ودقيقة وبإشراف خبراء من الأمم المتحدة".

يضيف "أجري الاحصاء في الثاني من أكتوبر 1957 وأطلق عليه شعبياً اسم (الانحصار) وليس الإحصاء، لأن الناس حصروا في بيوتهم  بسبب منع التجوال الذي فرضته الحكومة العراقية في ذلك اليوم".

ويبيّن مجيد أن القائمين على التعداد السكاني واجهوا مشكلة تتعلق بعدم تسجيل أغلب الولادات وجرى نقاش واسع لكيفية حساب الأعمار، ليتفقوا أخيراً على اختيار الأول من يوليو لأنه منتصف السنة.

ثم كانت "المادة (17) من قانون الأحوال المدنية لعام 1957، حيث نصت على إضافة الأول من يوليو إلى حقل اليوم والشهر من تاريخ الولادة إذا لم يدونا في الحقلين المذكورين، على ألا يتعارض ذلك مع تاريخ الواقعات الخاصة للوالدين أو مع تاريخ تنظيم شهادة الميلاد لصاحب القيد".

ويلفت مجيد إلى أن "اعتماد الأول من يوليو لتثبيت تاريخ التولد لم يكن جديداً في حالة فقدانهما، فقد اعتمد في العراق عام 1938"، مستدركاً "لكنّ تلك الحالة كانت تستخدم فقط في حال حصل العراقي على وظيفة حكومية وكانت الوثائق تستخدم السنة فقط، فكان يتم اعتماد الأول من يوليو لتثبيت أعمار الموظفين شرط أن تكون السنة المكتوبة في مستندات العمر ميلادية، أما إذا كانت سنة رومية (وهو ما كانت يُعتمد في العهد العثماني) فيعتبر مولوداً في الأول من سبتمبر (لأن السنة المالية العثمانية تبدأ في الأول من نيسان، وهذا ما كان معتمداً في العراق لغاية سبعينيات القرن الماضي)".

ولأن معظم العراقيين في إحصاء سنة 1957، لا تتوفر عنهم المعلومات عن اليوم أو الشهر الذي ولدوا فيه كما يقول مجيد، "أصبح تاريخ الأول من يوليو عيد ميلاد قسرياً لمعظم العراقيين".

 

تعديلات "وظيفية"

تثبيت تاريخ الميلاد لدى الموظفين في منتصف العام كما يبين المحامي أحمد مجيد، اعتبره كثير منهم "إجحافاً بحقوقهم الوظيفية"، وعليه جرت "مطالبات بتعديل ذلك التاريخ ليتحول إلى آخر يوم في السنة، فأجاز القانون في عام 1978 للوزير بتعديل تولّد الموظفين عند إحالتهم للتقاعد، أي تمديد خدمة الموظف ضمناً لستة أشهر".

هذا المبدأ تبناه "قانون التقاعد رقم 9 لسنة 2014، حيث أجاز للوزير أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة أو المحافظ اعتماد نهاية السنة التقويمية تاريخاً للتولد بدلاً من الأول من يوليو من تلك السنة".

"وإذا كانت القوانين السابقة أجازت لموظف الأحوال المدنية إضافة يوم وشهر التولد في الأول من يونيو عند انعدامهما، إلا أن قانون البطاقة الموحدة لسنة 2016، لم يجز ذلك للموظف، إنما قرر في المادة 30 أنه في حالة وجود نقص في المعلومات المتعلقة بتاريخ الولادة، يكلف المواطن بتقديم المستمسكات الرسمية التي تكمل النقص لغرض إضافتها إلى قيد المعلومات المدنية"، يقول مجيد.

ويتابع، أن تسجيل تاريخ اليوم بهذه الطريقة "انتهى بعد زيادة الوعي الصحي والثقافي ومراجعة الناس الدوائر الصحية لتسجيل ولاداتهم سواء كانت في المستشفيات أم في غيرها، وأصبح اللجوء إلى تقدير يوم وشهر التولد حالة نادرة، وقد تنعدم مستقبلاً".

 

دول أخرى

تتشارك المملكة العربية السعودية مع العراق في وجود عيد ميلاد جماعي افتراضي لعدد كبير من أبناء المملكة، للأسباب العراقية ذاتها. 

ودونت المملكة منتصف العام الهجري (الأول من رجب) كتاريخ ميلاد جميع من كان على غير معرفة بيوم وشهر ولادته وخاصة الجيل الأكبر من خمسين عاماً، أي قبل انتشار شهادات الميلاد التي تحدد تاريخ الميلاد باليوم والساعة.

ويتكرر الأمر ذاته في موريتانيا التي تم فيها استخدام ليلة رأس السنة (31/12) كيوم لولادة افتراضية للغالبية الساحقة من الموريتانيين، وذلك بعد تعديل كل الوثائق الرسمية في الإحصاء الذي أجرته الحكومة الموريتانية عام 1998.

وتختلف هذه الدولة عن باقي الدول التي وجدت في أيام من السنة حلاً مؤقتا لمن لا تمتلك بياناته، بأنها تتسبب بمشاكل عديدة خصوصاً بالنسبة للوفود الرسمية التي تجد نفسها عرضة للشك بتهمة التزوير في المطارات، ما أدى إلى مطالبات شعبية واسعة بتغيير القانون واعتماد البيانات الحقيقية للولادات.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".