صورة في ساحة التحرير وسط بغداد للخبير الأمني هشام الهاشمي الذي قتل على يد مسلحين

في السادس من يوليو 2020، أوقف الباحث في الشؤون الأمنية والإستراتيجية العراقي، هشام الهاشمي، سيارته أمام منزله في حي زيونة ببغداد، وخلال استعداده للدخول، باغته رجلٌ مسلح بمسدس مزود بكاتم الصوت. أطلق عليه عدة رصاصات من مسافة قريبة أسقطته صريعاً.

من داخل منزله، هرع ثلاثة من أطفاله لتفقد مصدر صوت الرصاص، ليجدوا والدهم قتيلاً.

مثّلت هذه الجريمة ذروة استهداف الناشطين المنتقدين لتنامي دور الميليشيات الموالية لإيران في العراق، وفتحت الباب واسعاً أمام دوافعها الحقيقية وهوية منفذيها والجهات التي تقف وراءها.

 

من هو هشام الهاشمي؟

 

وفقاً لما رواه الصحافي الأميركي من أصل سوري حسن حسن، المتخصص في الجماعات الإسلامية، فقد نشأ هشام الهاشمي شيعياً ثم اختار التحوّل إلى المذهب السُني، واعتنق آراءً متشددة تحت تأثير الشيخ صبحي السامرائي. 

في أواخر التسيعينات، اعتقله نظام صدام حسين بسبب نشاطه الديني وظلَّ مسجوناً حتى أُطلق سراحه في عام 2003 وفقاً لعفوٍ عام بحق السجناء قبل ستة أشهر من الغزو الأميركي للعراق وسقوط النظام البعثي.

بعد الحرب، انضم هشام إلى تنظيم "جيش المجاهدين" المناهض للولايات المتحدة الأميركية وتلقى دورات مكثفة في العلوم الدينية وحمل لقب "أبو هريرة".

مكّنه هذا المنصب من عقد صلاتٍ عديدة بكثير من التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي نشأت في العراق لاحقاً، مثل "أنصار الإسلام"، قبل أن يفر إلى سوريا بسبب خلافات مع القاعدة.

مثّل عام 2009 منعطفاً تاريخياً في حياة الهاشمي، بعدما استغل العفو الذي أصدره نوري المالكي رئيس الوزراء آنذاك ليعود إلى العراق ويُصبح مستشاراً غير رسمي للحكومة العراقية بشأن الجماعات الدينية المسلحة.

بمرور الوقت، ذاع صيته وأصبح مصدراً أساسياً للمعلومات حول التنظيمات الإسلامية والمتطرفة للصحافيين الدوليين العاملين في العراق، وهو الأمر الذي جعله داخل دائرة الضوء والتهديد من كل الميليشيات التي يعرّي هياكلها وتكتيكاتها علناً عبر وسائل الإعلام.

وعقب سقوط تنظيم داعش في نهاية 2017، زادت انتقادات الهاشمي لدور الميليشيات الشيعية في العراق، التي استغلت حالة الفراغ الأمني وبسطت نفوذها على مساحات كبيرة من الأراضي بعيداً عن سيطرة الحكومة.

وفي أكتوبر 2019، شهد العراق تظاهرات واسعة النطاق احتجاجاً على الفساد الحكومي وزيادة  النفوذ الإيراني. أيّد الهاشمي تلك التظاهرات ودعم مطالبها.

أعقب هذه التظاهرات موجة من استهداف الباحثين والصحافيين المؤيدين لهذا الحراك.

 

ردود الفعل

 

فور وقوع الجريمة صرّح مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء حينها بأن لا أحد فوق القانون وتعهّد بملاحقة القتلة، كما أعلن عن إطلاق اسم الهاشمي على الشارع الذي قُتل فيه.

وصرّح الرئيس برهم صالح بأن عملية الاغتيال "جريمة حقيرة تستهدف الإنسان العراقي وحقه في عيش حياة حرة".

وكتب ستيفن هيكي سفير بريطانيا في العراق أن العراق خسر "واحداً من أفضل رجاله المثقفين الشجعان".

من جانبه، وصف مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي خلال مؤتمر صحافي مقتل الهاشمي بـ"الجريمة الرهيبة"، فيما علّقت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، قائلة: "هل نعتبر مقتل الهاشمي امتداداً لواقع العراق أم نقطة تحوّل إلى شيءٍ أكثر قتامة؟".

عش الدبابير

بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، فإن الهاشمي امتلك في سنواته الأخيرة العديد من الأعداء بداية من أفراد تنظيم داعش إلى الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، مروراً بالسياسيين والوزراء الذين لطالما هاجم سياساتهم في إطلالاته الإعلامية.

وبسبب تحليلاته الممتدة لتكتيكات داعش، وصفه التنظيم في أحد إصداراته بـ"كاذب بغداد".

وفي يوليو، الشهر الذي شهد مقتله، كشف الهاشمي لبعض أصدقائه عن مشروع بحثي يعمل عليه سراً منذ أشهر يوضّح فيه خريطة تحالفات ميليشيات الحشد الشعبي. وحسبما يعتقد صديقه حسن حسن المتخصص في الجماعات الإسلامية، فإن هذا المشروع "أدى على الأرجح إلى وفاته" وليست تحليلاته عن داعش.

قال حسن: "رغم تركيز الهاشمي على داعش أكثر، إلا أنه كان يدرس الميليشيات الشيعية سراً حتى عرفهم كما يعرف أطفاله".

ونقلا عن أصدقاء الهاشمي، فإن الكاظمي كان ينوي الاستعانة بهذه الدراسة لوضع خطة قمع للميليشيات الموالية لإيران.

ونقلت "نيويورك تايمز" عن شقيق الهاشمي، قوله بأن هشام تلقى تهديدات عنيفة من قِبَل تنظيم داعش قبل أسابيع من وفاته. وبحسب تقرير لصحيفة "تيلغراف" فإنه لم يعتقد أن تهديدات داعش جديّة، إنما أعرب عن قلقه من تهديدات أخرى تلقاها من ميليشيات شيعية طالبه قادتها بالتوقف عن الحديث عنهم.

واعتبر المحلل الأمني مايكل نايتس  بأن استهداف الهاشمي كان "رسالة غير مباشرة إلى الكاظمي رئيس وزراء العراق باعتبار أن هشام كان مقرباً منه".

وأضاف: "انتقادات الهاشمي للميليشيات المسلحة في العراق ليست جديدة، الجديد هو وصول الكاظمي إلى السُلطة". وهي نفس وجهة النظر التي يتبنّاها توبي دودج أستاذ العلوم السياسية البريطاني، والذي كان على صِلة وثيقة بالهاشمي، مؤكدا أن الميليشيات قتلت الهاشمي لتثبت لرئيس الوزراء أن لا أحد بعيداً عن أيديها حتى لو كان شخصية مشهورة تتمتّع بصلات مباشرة مع قادة البلاد الرئيسيين.

 

من القاتل الحقيقي؟

 

بحسب الرواية الرسمية، فإن قاتل هشام هو رجل الشرطة أحمد الكنان. وقد كشف البيان الحكومي أن الكناني ينتمي إلى "مجموعة خارجة عن القانون"، دون أن يذكر اسمها.

وبعد ثلاث سنوات من النظر في القضية، أصدر القضاء العراقي حُكمه بالإعدام على الكناني. وهو قرار استقبله أقارب الهاشمي بترحيب حذر بعدما صرّح أحدهم قائلاً إن "الذين أمروا بقتله ما زالوا طلقاء".

وهو ما أيّده عددٌ من المحللين الذين طالبوا بالكشف عمّن يقف وراء الضابط الكناني. وكانت "فرانس برس" نقلت عن مصدرٍ أمني أن الكناني كان مرتبطاً بكتائب حزب الله، وهي ميليشيا موالية لإيران في العراق، اعتاد الهاشمي انتقادها خلال ظهوره في وسائل الإعلام.

لهذا يبقى السؤال: إذا كان الكناني نال الإعدام لأنه أطلق الرصاصة التي أودت بحياة الهاشمي، فمن يقف خلف إعطائه الأوامر والسلاح؟

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.