كلمتان مختلفتان في المعنى والدلالة تستخدمان كثيراً في الحوارات الشعبية بين مواطني مصر وبلاد الشام وترتبطان بالعراق، دون أن يعرف كثير من الناس معناهما الحقيقي.
الأولى "يتبغدد"، وهو فعل مشتق من اسم العاصمة العراقية بغداد، ومعناها أن الشخص يتصرف على أنه بغدادي. فيقال في اللهجة المصرية "انت بتتبغدد علينا ليه؟"، أو في لبنان وسوريا "حاجي تتبغدد علينا"، أي توقّف عن التعالي والتكبّر علينا.
معجم المعاني الجامع: تَبَغدَدَ (فعل)، وتقال تبغددَ على. يتبغدد تبغدُدًا فهو مُتبغدِد. والمفعول مُتبغدَد عليه. وتَبَغْدَدَ فُلانٌ معناها انتسب إِلى بَغداد وتشبَّه بأَهلها. ويستخدم الفعل بمعنى زَهَا وتكَبَّر.
وسبب هذا المعنى، يعود إلى المكانة العالية التي تتمتع بها مدينة بغداد لدى العرب، وميزة أن يكون المرء بغدادياً، وفي هذا التعبير احترام كبير لبغداد والبغداديين وتقدير لدورهم ومكانتهم.
في عام 2005 غنّى الفنان العراقي كاظم الساهر "تتبغدد علينا واحنا من بغداد" من كلمات الشاعر كريم العراقي، وهي أغنية غزلية لاقت شهرة كبيرة، وفيها استخدام بغدادي محلّي للكلمة بالمعنى المقصود نفسه، أي التكبّر والتعالي والرفعة.
يقول الشاعر في توكيد على خصائص الشخصية البغدادية المشبعة بالعنفوان "إلعب غيرها يا حضرة الأستاد غزال الرافدين يصيد ما ينصاد". والتبغدد على بغدادي، في هذا السياق، يأتي بمعنى أن يكون المرء ملكياً أكثر من الملك.
"استكرد"
الكلمة الثانية تحمل معنىً سلبياً، إذ ترتبط بالمكوّن الكردي في إقليم كردستان العراق، وتستخدم أيضاً في مصر وبلاد الشام في لغة الناس اليومية، وهي كلمة "استكراد" ومشتقاتها، كفعل "استكرد" و"يستكرد" وسواها.
والناس غالباً يستخدمون هذه الكلمات بشكل عفوي دون أن يعوا معناها الحقيقي أو يقصدونه. وهي كلمة متوارثة عبر الأجيال، ولها معنيان أو مقصدان من ورائها: الأول بمعنى استغبى، وهي الأقل شيوعاً، وفيها إهانة للكرد بأنهم أقل ذكاءً من العرب.
الكاتب الكردي علي سيريني كتب عام 2008 في موقع "إيلاف" عن موقف تعرض له أثناء عيشه في لبنان، وأثناء حديثه مع شخص لبناني "لم تعجبه مسألة تحدثت بها"، فاستنكر وقال لسيريني: "شو كردي؟". فأجابه سيريني: "نعم، كيف عرفت؟"، وكان الموقف محرجاً للشخص اللبناني بعدما عرف أن سيريني كردي وأن الإستخدام لكلمة كردي في السياق الذي استخدمه اللبناني مهين لشعب كامل هو الشعب الكردي.
يقول سيريني في هذا المجال: "لا يمكن تعميم الأوصاف على الشعوب والجماعات، فليس هناك شعب ذكي وشعب أحمق. للأكراد تاريخهم وقد صنعوا وساهموا في بناء التاريخ في مراحل مختلفة، وقدموا شخصيات مهمة على أصعدة مختلفة".
عزيزي وزير التربية لي راكض تعمل إمتحانات
— RIM ( ريم )🇱🇧 (@tayyaraoun1) July 6, 2023
حدا خبرك انو صرنا ب ٦ الشهر ولهلق المعاش ما نزل
كيف بتروح الأساتذة تراقب بتعبي ميي
إستكراد الاستاذ الرسمي مش مقبول
والساكت عن الحق شيطان!
وزيادة حاطين الأساتذة بمراكز بعيدة عن سكنن
كتيييير وقحين انتو!!!
بس شاطرين تتمرجلو عالاستاذ#مزرعة
لكن الروائي والباحث المصري الشهير يوسف زيدان، يقول في مقابلة تلفزيونية إن مصطلح "استكراد" يستخدم أيضاً بمعنى ثان هو "السخرة"، أي العمل من دون أجر. وحينما يقول المصري "لا تستكردني، أي لا تعاملني بطريقة ظالمة كما كان يعامل الأكراد في زمن المماليك في مصر، فيجبرون على العمل من دون أجر" وأيضاً تعني "منزوع الحق".
وطالب زيدان في المقابلة التي عرضتها محطة "سي بي سي" المصرية عام 2016، العرب، بالاعتذار من الأكراد على هذا المصطلح المستخدم في الأدبيات الشعبية في مصر وبلاد الشام، قائلاً إن لدى الكثير من العرب "أوهام غريبة عن أن الجنس العربي أعلى من غيره، ويجب تغيير ذلك لإنصاف الأكراد وتجنّب الإساءة إليهم".
ويبدو أن لكلمة "استكراد" دلالات علمية تأريخية، بعيدة كل البعد عن المعنى الشعبي، إذ يستخدمها الخبير الروسي بعلم السلالات البشرية باسيلي نيكيتين في كتابه "الكرد: دراسة سوسيولوجية وتاريخية"، على نحو ما تستخدم كلمة "الاستشراق" المشتقة من الشرق.
ومعنى "الاستكراد" هنا هو دراسة الشعب الكردي وتاريخه وثقافاته. وتستخدم "دار الساقي"، ناشرة الكتاب، في النبذة عن الكاتب مصطلح "كردلوجي" أي المتخصص بعلم الكرد، للتعريف عن الكاتب، وبهذا يكون معناها العلمي غير مهين البتة، ولا مقاصد عنصرية من ورائه.
