مسؤول عراقي قال إن بلاده لا تحصل سوى على 30 بالمئة من "استحقاقه الطبيعي" من المياه.

حذّرت منظمة الأغذية والزراعة "الفاو"، الاثنين، من تراجع حادّ بمنسوب المياه في الأنهار على الأراضي العراقية، ما ينعكس بشكل مباشرة منطقة الأهوار التاريخية في جنوب العراق.

وقالت المنظمة التابعة للأمم المتحدة، في بيان، أن منطقة الأهوار التاريخية تشهد "أشدّ موجة حرارة منذ 40 عاماً"، متحدثةً كذلك عن تراجع شديد لمنسوب المياه.

ويعدّ العراق من بين الدول الخمس الأكثر تأثراً ببعض آثار التغير المناخي وفق الأمم المتحدة، وهو يشهد للعام الرابع على التوالي موجة جفاف وفق السلطات. 

ويعود ذلك إلى تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، لكن خصوصاً بسبب بناء الجارتين تركيا وإيران لسدود على نهري دجلة والفرات وفق ما نقلت فرانس برس عن السلطات. 

وأدّى ذلك إلى تراجع حادّ بمنسوب المياه في الأنهار على الأراضي العراقية، ما يهدّد مباشرةً منطقة الأهوار التي أدرجتها منظمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة(يونسكو) تراثاً عالمياً. 

وحذّرت الفاو في بيان الاثنين "من العواقب الخطرة لتغير المناخ وندرة المياه على الأهوار ومربي الجاموس في جنوب العراق". 

رقمان يثيران القلق

وأضافت أن "التقارير الميدانية المقلقة" لفرقها العاملة في الأهوار إلى جانب وزارة الزراعة العراقية، تشير إلى أن "الأهوار تشهد أشد موجة حرارة منذ أربعين عاماً، مصحوبة بنقص مفاجئ للمياه في نهر الفرات".

وأفادت الفاو بأن "منسوب المياه في نهر الفرات بلغ 56 سم فقط" وفي أهوار الجبايش بلغ "من صفر إلى 30 سم". 

وأضاف المنظمة في بيانها أن "مستويات الملوحة العالية والتي تجاوزت 6000 جزء في المليون أدّت إلى إثارة مخاوف المزارعين، وخاصة مربو الجاموس وصيادو الأسماك"، مشيرةً إلى أن "ما يقارب 70% من الأهوار خالية من المياه" وفق إحصاءات وفّرها مركز تابع للحكومة العراقية. 

وأظهرت صور التقطها مصور في وكالة فرانس برس مطلع يوليو "أطناناً" من الأسماك النافقة تطفو على نهر في محافظة ميسان الواقعة في جنوب شرق العراق. وتشتهر هذه المنطقة الحدودية مع إيران بالأهوار التي يرويها نهر دجلة. 

ويعتقد ناشطون بيئيون ومسؤولون أن الانخفاض الشديد في مستوى المياه وبالتالي ارتفاع نسبة الملوحة وتراجع الأكسجين، خلف هذه الظاهرة. 

ومع قلّة هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة تصنّف الأمم المتّحدة العراق من بين الدول الخمس الأكثر تأثراً بالتغيّر المناخي، في حين تندّد بغداد بالسدود التي تبنيها تركيا وإيران المجاورتان والتي تسبّبت بنقص ملحوظ في مناسيب المياه في أنهار العراق.

ومنذ سنوات، يحاول العراق الحصول على إطلاقات مائية أكبر من الأنهار التي تنبع من إيران وتركيا، لكن مشاريع السدود التي يقيمها البلدان على تلك الأنهار تسبب بانخفاض واردات العراق المائية بشكل كبير.

وفي مايو الماضي قال متحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية إن العراق لا يحصل سوى على 30 بالمئة من "استحقاقه الطبيعي" من المياه.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".