يُعد فصل الصيف في العراق من بين الأسخن في العالم، وهي ظاهرة صار من الممكن التغلب عليها في العصر الحديث بواسطة مبردات الهواء والمراوح الكهربائية، لكنها لطالما أرقت سكّان بلاد الرافدين خلال العصور القديمة.
لكن السؤال، كيف تعاملت الحضارات العراقية المتعاقبة مع درجات حرارة لا تقلُّ عن المسجلة حالياً إن لم تزد عليها؟
العراق القديم.. طوب لبن وكتّان
اعتاد الآشوريون والسومريون النظر إلى السماء وتدوين ملاحظاتهم بدقة حتى إنهم رصدوا الحالات المختلفة للشمس وعيّنوا على كلٍّ منها إلهاً مختلفاً.
ومن اللافت أنهم اختاروا لحظة النهار القصوى التي تصل الشمس فيها إلى أعلى ارتفاع، وعينوا لها الإله "نيرغال" إله الحرب والوباء في الأساطير القديمة. كذلك وصفوا الصيف بـ"موسم الموت" الذي تجفّف فيه الشمس الأرض ويعيش البشر في ظِل حرارة لا تُطاق.
في محاولاتهم للتغلّب على الحرارة استخدموا الطوب في بناء المنازل لتوفير البرودة خلال فصل الصيف، واعتبروا السطح غرفة معيشة إضافية يُمكن الطهي والجلوس فيها والنوم خلال ليالي الحر الشديد، ضافة إلى ذلك استخدام اللون الأبيض في طلاء المنازل من الداخل والخارج للمساهمة في عكس الحرارة.
تشير التدوينات التي وصفت المنازل في العصر السومري في العراق بكونها مبنى من طابق واحد يتم بناؤه من الطوب الطيني المجفف ويتألف المنزل من عدة غرف تحيط بباحة مفتوحة بلا سقف
— اول حضارة 🇮🇶 𒍣𒅀𒀜 🇮🇶 ابن العراق (@Mesopotami_iraq) May 18, 2022
وبقيت عادة الباحة المفتوحة في العراق بنفس الطريقة السومرية القديمة
المصدر
كتاب السومريون
صموئيل كريمر pic.twitter.com/yqVnBAqslv
وعلى صعيد الثياب، كانوا يرتدون ملابس خفيفة مصنوعة من جلد الغنم، أما الأثرياء والكهنة فكانوا يرتدون أزياءً من الكتان، وشاع ارتداء الملابس الواسعة فارتدت النساء الفساتين وارتدى الرجال التنانير والعباءات لمنح الجسد أكبر تهوية ممكنة.
وكذلك اعتاد الرجال إطالة شعر رؤوسهم للوقاية من الشمس.
العباسيون: "البادكير" ومراوح الذهب
استحدث العباسيون نظام تبريد يتكون من بناء مكعب صغير يُقام فوق أسطح الدور والقصور بهدف التقاط الرياح بواسطة فتحة في قمته ثم يعبر الهواء بداخله حتى يدخل إلى المنزل ويتوزّع بارداً في جميع الغرف، وهو ما أطلق عليه "البادهنج" وهي كلمة فارسية تعني فوهة الهواء، حسب دراسة بعنوان: "نظام تبريد البيوت في العصور الإسلامية"، لعبدالله نوح.
أخذت هذه الأداة في التراث العراقي لقباً آخر هو "البادكير".
تقول الدراسة إن حرارة بغداد المرتفعة طيلة فترة الصيف دفعت أهلها لاستخدام "البادهنج"/ "البادكير" على نطاق واسع ومنها انتشر في باقي الحواضر الإسلامية.
البادكير (لاقف الهواء)
— Omama (@rafelnabeel312) August 6, 2022
من اهم الوسائل الدفاعية لمواجهة الحر هو البادكير...
والبادكير كلمة فارسيه متكونة من (باد كير) ويعني ماسك الهواء او لاقف الهواء اي الماسك للريح...
ويعود هذا النوع من البناء الى الحضارات العراقية القديمة وخاصة الحضارة البابليية والتي نجدها في قصورها pic.twitter.com/qIrTZBgj3T
بمرور الوقت، برع المهندسون المسلمون في تطوير آلية عمل "البادكير" حتى إن النماذج الجديدة منه باتت قادرة على التحكم في كمية الهواء المنساب منها إلى داخل المنزل، كما ثُبِّتت بداخله قطعٍ من الخيش المرشوش بريحٍ طيبة وكميات كبيرة من الثلج موضوعة أمام فتحاته على الغُرف لضمان خروج الهواء بارداً ومنعشاً، حسبما تورد حمدية صالح في دراستها "أجهزة التبريد في العصر العباسي (البادهنج أنموذجاً)".
وبحسب حمدية، فإن بعض الناس كانوا يقصدون صناعة "البادكير" عريضاً بما يكفي حتى يتمكنوا من الاستلقاء داخله هربًا من الحر.
وفي بعض البيوت بُنى سردابٌ تحت الأرض أشبه بغرفة معيشة كاملة التجهيز تزوّد بالهواء البارد عبر فتحة إضافية لـ"البادكير"، وبسبب موقعها أسفل الأرض فإنها أكثر قُدرة على الاحتفاظ بالبرودة حيث أصبح شائعاً أن يقضي السكان فترة قيلولتهم فيها خلال الصيف.
السياسي العراقي موسى الشابندر الذي شغل عدة مناصب وزارية خلال العهد الملكي تطرّق في مذكراته، التي حملت عنوان: "ذكريات بغدادية: العراق بين الاحتلال والاستقلال" إلى وجود "البادكير" في منزله إبان استيلاء الإنجليز على المدينة عام 1917، وأن والده خبّأ في أنبوب الهواء 3 آلاف ليرة ذهبية.
وظلَّ بناء "البادكير" شائعاً في العراق حتى الثلاثينات كما أوضح أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".
بالمثل عرف العراقيون في العصر العباسي استخدام مراوح اليد، إذ يقول صلاح العبيدي في دراسته "وسائل التهوية والتبريد في العصر العباسي"، إن العراق عرف المراوح مبكراً جداً وأتقن رجاله صُنعها حتى وصفها الشاعر أبو الحسن السري الموصلي مراوح العراق بأنها "أمهات المراوح".
واتّخذ الأغنياء لأنفسهم مراوح موشاة بالذهب كما كلّفوا عدداً من عبيدهم أو جواريهم بالتلويح بالمراوح العملاقة في مجالسهم.
لاحقاً تطوّرت هذه المراوح حتى اخترع نوعٌ منها يُعلّق في السقف، وبحسب العبيدي فإن مروحة صُنعت من الخيش كانت بحجم شراع السفينة، تعلّق في السقف وترش بماء الورد، ويُمكن تحريكها بحبل لتوفير هواء طيّب يملأ الغرفة.
المروحة و"العاقول".. وسائل تبريد ملكية
تقول الأميرة بديعة في مذكراتها "وريثة العروش"، إن العراقيين خلال الثلاثينات اعتادوا استخدام نبات "العاقول" لتلطيف حرارة الصيف، فكانوا يضعونه عند الأبواب والشبابيك ثم يبلّلونه بالماء، وحين تهبُّ عليه الريح تبرد وتمرُّ على ساكني المنزل هواءً عليلاً.
وكشفت بديعة أن قصر الزهور، الذي كان يقطنه غازي ملك العراق الثاني، استعمل نفس الطريقة لتلطيف الأجواء على سكانه، بعد أن أضيف إليها خرطوم ماء فوق "العاقول" ليبقى رطبًا بشكل دائمًا، كما وُضعت مروحة بالقرب من الباب ليمرُّ هواؤها باستمرار فوق "العاقول" ويمنح ردهة القصر انتعاشاً دائماً.
وبخلاف "العاقول"، شاع في البيوت العراقية تزويد الطوابق العُليا الأرضية من المباني بشرفات خشبية عُرفت بِاسم "الشناشيل"، كانت مهمتها الأساسية وقاية الجدران من الشمس وتوفير جوٍّ مناسب داخل البيت.
تقول فاطمة حبيب في دراستها "المناخ وعلاقته بتصميم الدور السكنية القديمة في البصرة"، إن الشناشيل ظهرت في البصرة ومنها انتشرت إلى باقي المدن العراقية.
وتضيف فاطمة، أن أنواعاً معينة من "الخشب المعاكس" مثل نوعي "الجاوي" و"الصاج" كانت تستخدم في تصنيعها لكونها قادرة أكثر على عزل الحرارة بخلاف باقي أنواع الخشب العادي.
وبحسب الدراسة فإن أسطح البيوت العراقية كانت تُبني من الطين أو من الطابوق وهي مواد تسهم في خلق أجواءٍ باردة وتمنع الحرارة من اختراق المنزل، كما تسمح لقاطني البيوت بالنوم فوقها خلال أوقات الصيف.
