شاب عراقي يسبح بين قطيع من الجواميس في نهر ديالى شمال شرق بغداد
شاب عراقي يسبح بين قطيع من الجواميس في نهر ديالى شمال شرق بغداد

يُعد فصل الصيف في العراق من بين الأسخن في العالم، وهي ظاهرة صار من الممكن التغلب عليها في العصر الحديث بواسطة مبردات الهواء والمراوح الكهربائية، لكنها لطالما أرقت سكّان بلاد الرافدين خلال العصور القديمة.

لكن السؤال، كيف تعاملت الحضارات العراقية المتعاقبة مع درجات حرارة لا تقلُّ عن المسجلة حالياً إن لم تزد عليها؟

 

العراق القديم.. طوب لبن وكتّان

 

اعتاد الآشوريون والسومريون النظر إلى السماء وتدوين ملاحظاتهم بدقة حتى إنهم رصدوا الحالات المختلفة للشمس وعيّنوا على كلٍّ منها إلهاً مختلفاً.

ومن اللافت أنهم اختاروا لحظة النهار القصوى التي تصل الشمس فيها إلى أعلى ارتفاع، وعينوا لها الإله "نيرغال" إله الحرب والوباء في الأساطير القديمة. كذلك وصفوا الصيف بـ"موسم الموت" الذي تجفّف فيه الشمس الأرض ويعيش البشر في ظِل حرارة لا تُطاق.

في محاولاتهم للتغلّب على الحرارة استخدموا الطوب في بناء المنازل لتوفير البرودة خلال فصل الصيف، واعتبروا السطح غرفة معيشة إضافية يُمكن الطهي والجلوس فيها والنوم خلال ليالي الحر الشديد، ضافة إلى ذلك استخدام اللون الأبيض في طلاء المنازل من الداخل والخارج للمساهمة في عكس الحرارة.  

وعلى صعيد الثياب، كانوا يرتدون ملابس خفيفة مصنوعة من جلد الغنم، أما الأثرياء والكهنة فكانوا يرتدون أزياءً من الكتان، وشاع ارتداء الملابس الواسعة فارتدت النساء الفساتين وارتدى الرجال التنانير والعباءات لمنح الجسد أكبر تهوية ممكنة.

وكذلك اعتاد الرجال إطالة شعر رؤوسهم للوقاية من الشمس.

 

العباسيون: "البادكير" ومراوح الذهب

 

استحدث العباسيون نظام تبريد يتكون من  بناء مكعب صغير يُقام فوق أسطح الدور والقصور بهدف التقاط الرياح بواسطة فتحة في قمته ثم يعبر الهواء بداخله حتى يدخل إلى المنزل ويتوزّع بارداً في جميع الغرف، وهو ما أطلق عليه "البادهنج" وهي كلمة فارسية تعني فوهة الهواء، حسب دراسة بعنوان: "نظام تبريد البيوت في العصور الإسلامية"، لعبدالله نوح.

أخذت هذه الأداة في التراث العراقي لقباً آخر هو "البادكير".

تقول الدراسة إن حرارة بغداد المرتفعة طيلة فترة الصيف دفعت أهلها لاستخدام "البادهنج"/ "البادكير" على نطاق واسع ومنها انتشر في باقي الحواضر الإسلامية.

بمرور الوقت، برع المهندسون المسلمون في  تطوير آلية عمل "البادكير" حتى إن النماذج الجديدة منه باتت قادرة على التحكم في كمية الهواء المنساب منها إلى داخل المنزل، كما ثُبِّتت بداخله قطعٍ من الخيش المرشوش بريحٍ طيبة وكميات كبيرة من الثلج موضوعة أمام فتحاته على الغُرف لضمان خروج الهواء بارداً ومنعشاً، حسبما تورد حمدية صالح في دراستها "أجهزة التبريد في العصر العباسي (البادهنج أنموذجاً)".

وبحسب حمدية، فإن بعض الناس كانوا يقصدون صناعة "البادكير" عريضاً بما يكفي حتى يتمكنوا من الاستلقاء داخله هربًا من الحر.

وفي بعض البيوت بُنى سردابٌ تحت الأرض أشبه بغرفة معيشة كاملة التجهيز تزوّد بالهواء البارد عبر فتحة إضافية لـ"البادكير"، وبسبب موقعها أسفل الأرض فإنها أكثر قُدرة على الاحتفاظ بالبرودة حيث أصبح شائعاً أن يقضي السكان فترة قيلولتهم فيها خلال الصيف.

السياسي العراقي موسى الشابندر الذي شغل عدة مناصب وزارية خلال العهد الملكي تطرّق في مذكراته، التي حملت عنوان: "ذكريات بغدادية: العراق بين الاحتلال والاستقلال" إلى وجود "البادكير" في منزله إبان استيلاء الإنجليز على المدينة عام 1917، وأن والده خبّأ في أنبوب الهواء 3 آلاف ليرة ذهبية.

وظلَّ بناء "البادكير" شائعاً في العراق حتى الثلاثينات كما أوضح أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

بالمثل عرف العراقيون في العصر العباسي استخدام مراوح اليد، إذ يقول صلاح العبيدي في دراسته "وسائل التهوية والتبريد في العصر العباسي"، إن العراق عرف المراوح مبكراً جداً وأتقن رجاله صُنعها حتى وصفها الشاعر أبو الحسن السري الموصلي مراوح العراق بأنها "أمهات المراوح".

واتّخذ الأغنياء لأنفسهم مراوح موشاة بالذهب كما كلّفوا عدداً من عبيدهم أو جواريهم بالتلويح بالمراوح العملاقة في مجالسهم.

لاحقاً تطوّرت هذه المراوح حتى اخترع نوعٌ منها يُعلّق في السقف، وبحسب العبيدي فإن مروحة صُنعت من الخيش كانت بحجم شراع السفينة، تعلّق في السقف وترش بماء الورد، ويُمكن تحريكها بحبل لتوفير هواء طيّب يملأ الغرفة.

 

المروحة و"العاقول".. وسائل تبريد ملكية

 

تقول الأميرة بديعة في مذكراتها "وريثة العروش"، إن العراقيين خلال الثلاثينات اعتادوا استخدام نبات "العاقول" لتلطيف حرارة الصيف، فكانوا يضعونه عند الأبواب والشبابيك ثم يبلّلونه بالماء، وحين تهبُّ عليه الريح تبرد وتمرُّ على ساكني المنزل هواءً عليلاً.

قتل الملك فيصل الثاني ولم يكن تجاوز من العمر 23 عاما.
مجزرة قصر الرحاب.. نهاية دموية لحُكم الهاشميين في العراق
كان عبد الستار العبوسي في القصر لحظة خروج العائلة المالكة. ما إن رآهم حتى هرع نحوهم قفزًا.. وتأكد من الضابط المرافق لهم أنه اصطحب كافة العائلة الهاشمية، ثم رفع رشاشه وراح يُطلق الرصاص يمينًا ويسارًا حتى سقطوا جميعًا مضرجين بدمائهم.

وكشفت بديعة أن قصر الزهور، الذي كان يقطنه غازي ملك العراق الثاني، استعمل نفس الطريقة لتلطيف الأجواء على سكانه، بعد أن أضيف إليها خرطوم ماء فوق "العاقول" ليبقى رطبًا بشكل دائمًا، كما وُضعت مروحة بالقرب من الباب ليمرُّ هواؤها باستمرار فوق "العاقول" ويمنح ردهة القصر انتعاشاً دائماً.

وبخلاف "العاقول"، شاع في البيوت العراقية تزويد الطوابق العُليا الأرضية من المباني بشرفات خشبية عُرفت بِاسم "الشناشيل"، كانت مهمتها الأساسية وقاية الجدران من الشمس وتوفير جوٍّ مناسب داخل البيت.

تقول فاطمة حبيب في دراستها "المناخ وعلاقته بتصميم الدور السكنية القديمة في البصرة"، إن الشناشيل ظهرت في البصرة ومنها انتشرت إلى باقي المدن العراقية.

وتضيف فاطمة، أن أنواعاً معينة من "الخشب المعاكس" مثل نوعي "الجاوي" و"الصاج" كانت تستخدم في تصنيعها لكونها قادرة أكثر على عزل الحرارة بخلاف باقي أنواع الخشب العادي.

يعود ظهور "الشناشيل" في البصرة إلى القرن السابع عشر الميلادي.
"بيوت الشناشيل" في البصرة.. حلول مناخية تحولت إلى هوية حضارية
يعود ظهور "الشناشيل" في البصرة إلى القرن السابع عشر الميلادي، ومنها انتقلت إلى بغداد ومختلف المدن العراقية. الشناشيل التي بدأت حلاً للتعامل مع المناخ الحار تحولت إلى جزء من هوية المكان، والثقافة الشعبية، قبل أن يطالها الإهمال.

وبحسب الدراسة فإن أسطح البيوت العراقية كانت تُبني من الطين أو من الطابوق وهي مواد تسهم في خلق أجواءٍ باردة وتمنع الحرارة من اختراق المنزل، كما تسمح لقاطني البيوت بالنوم فوقها خلال أوقات الصيف.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.