يعتبر العراق اليوم خامس البلدان الأكثر عرضة للتدهور المناخي في العالم، بحسب الأمم المتحدة، بالنظر إلى الظواهر المناخية العنيفة التي يشهدها مثل درجات الحرارة العالية، وعدم كفاية الأمطار وندرة هطولها، والجفاف وندرة المياه، وتكرار العواصف الرملية والترابية والفيضانات غير المتوقعة.
وفي عام 2013 هبّت على العراق أكثر من 300 عاصفة رملية، بينما كان عدد العواصف الرملية أقل من 25 بين عامي 1950 و1990.
هذه "الحقائق" نشرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر على موقعها الإلكتروني، وأضافت إليها أن 94% من النازحين من المحافظات العراقية الجنوبية "ذكروا ندرة المياه سبباً رئيسياً لنزوحهم"، وأنه "بحلول عام 2001 اختفى 90% من الأهوار وفقد العراق التنوع البيولوجي، ما أدى إلى نزوح واسع النطاق".
يشكل النزوح أكثر المؤشرات المقلقة للكاتب المتخصص بشؤون البيئة والمناخ خالد سليمان، الذي يؤكد، أن "موجات النزوح تفاقمت بشكل لم تشهده مناطق العراق من قبل. والكثير من سكّان العراق لم يعودوا قادرين على التأقلم مع التدهور المناخي الذي يضرب بلادهم.
وقد لا تكون موجات الحرّ التي تضرب صيف العراق هذا العام الأعنف في تاريخ البلاد على مستوى ارتفاع درجات الحرارة والجفاف، إلا أنها بحسب ما يقول سليمان لـ"ارفع صوتك"، تأتي في وقت يعاني العراق من نقص كبير في إمكانيات الصمود بوجه هذا النوع من الموجات، كالإمكانيات الطبيعية المتمثلة بمصادر المياه وخصوصا الأنهار، التي تتعرض لتلوث وجفاف خطيرين، وهذا يؤدي إلى خسارة مواطنين لمصادر رزقهم المعتمدة على صيد الأسماك التي تنفق في ما تبقىّ من أنهار ملوّثة، أو تربية الجواميس التي تموت من الجفاف، فيضطر أصحاب هذه المناطق إلى النزوح.
وكانت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) حذّرت في بيان أصدرته، الاثنين الماضي، من "العواقب الخطرة لتغير المناخ وندرة المياه على الأهوار ومربي الجاموس في جنوب العراق".
نوع آخر من الإمكانيات التي يخسرها العراقيون، هي التي يفترض أن تؤمنها الدولة لضمان صمود مواطنيها، كالكهرباء في الحدّ الأدنى، التي لا يمكن بدونها مواجهة الحرّ الشديد.
يعطي سليمان مثالاً على ذلك من مدينة البصرة الجنوبية، التي تصل فيها الحرارة إلى نصف درجة الغليان (50 درجة مئوية)، وهذه الحرارة العالية توقف عجلة الحياة في المدينة إذ لا يستطيع الناس التحرّك إلى وظائفهم وأعمالهم.
ولا يرى أن درجات الحرارة العالية وحدها هي السبب في تراجع نوعية الحياة العراقية، لأن درجات الحرارة العالية شيء معتاد في البلاد وسمة من سمات المناطق الصحراوية في دول الخليج العربي كالإمارات والسعودية والكويت وغيرها، ومع توفّر الكهرباء والتبريد لا يعاني سكان هذه الدول كما يعاني سكان العراق من آثار الحرّ.
ويلمّح إلى وجود أسباب سياسية تعزّز من موجات الحر والظواهر المناخية العنيفة، مثل قناة تركيا وإيران المسؤولتين عن بناء سدود على نهريّ دجلة والفرات ومنع الماء عن العراق.
وتضم هذه المنطقة مدن أور وأوروك وإريدو السومرية القديمة، التي أُنشئت في بلاد ما بين النهرين بين الألفيتين الرابعة والثالثة قبل
وقامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قبل أيام بنشر تقرير بعنوان "بالصور لا الأرقام: ماذا فعل التغير المناخي في العراق؟"، تضمن مجموعة من الصور التي تعكس خطورة التدهور البيئي الذي يشهده العراق.
وتبدو الصور التي التقطها مصورون محترفون ضمن مسابقة للتصوير الفوتوغرافي، صادمة ووقعها أكبر من الأرقام بحسب اللجنة الدولية، لما تعكسه من تسارع في وتيرة التدهور المناخي وارتفاع درجات الحرارة وشحّ المياه وتقلّص المساحات الخضراء في العراق.
في تعليق اللجنة الدولية على إحدى الصور التي تظهر آثار أقدام تغوص في أرض شقّقها الجفاف بعد انحسار الماء عنها، نقرأ "هذا هو الحاضر، آثار خطوات على أرضِ انحسر الماء عنها، ولكن أيُّ غدٍ بانتظارها؟ الجواب يلفّه الغموض ما دُمنا نُفكر في تغيّر المناخ باعتباره كارثة بعيدة، رغم أن العراق يعيشها بالفعل، وسكانه يصدقون الظاهرة دون حاجة إلى الأرقام والإحصائيات والمقارنات؛ لأنها حياتهم في كل يوم".
يقول سليمان، الذي يعيش خارج العراق ويزوره بشكل دوري، إنه حينما يتصل بأصدقائه داخل العراق لسؤالهم عن أحوالهم، يجيبونه "موت"، في تعبير عن أثر الحرارة والتغير المناخي عليهم.
وهذا التعبير، على مجازيته، شديد الدلالة بحسب سليمان على تراجع مقوّمات الحياة في العراق، وخصوصاً المياه.
يضيف: "لا شكّ أن العراق يعاني من آثار ظاهرة النينو أو الطفل المشاكس المناخية، التي تضرب العالم وترفع من درجات الحرارة إلى حدود غير مسبوقة عام 2024".
وعوارض "الطفل المشاكس" تظهر بوضوح على العراق هذا العام، كما يقول سليمان، لافتاً إلى أنها قد تزداد في الأعوام المقبلة.
وقد أشارت تقارير إلى أثر التغير المناخي على قطاعات اقتصادية مختلفة في العراق بينها تربية الماشية وصيد الأسماك وإنتاج العسل، ولا توفّر هذه الظاهرة أي فئة عمرية أو اجتماعية من آثارها، ففي تقرير لـ"اليونيسيف" صدر في أكتوبر عام 2022 توقّع أنه بحلول عام 2050 "سيتعرض كل طفل في العراق لآثار موجات الحرّ المتكررة".
