اللغة المسمارية هي أقدم أشكال الكتابة التي عرفها الإنسان، ولكن قلة فقط تجيدها حول العالم، وقد تقتصر على الباحثين التاريخيين أو منقبي الآثار.
وشاع الاستعانة بها في بلاد الرافدين منذ 5 آلاف عامٍ ق.م، وكانت لسان حضارات عريقة مثل البابلية والآشورية.
حتى الآن عجزت الحضارة البشرية عن ترجمة أغلب النصوص المسمارية التي تم العثور عليها، وهو ما حرمنا من التعرٌّف على محتواها القيّم الذي سيزيد من معرفتنا بحضارة بلاد الرافدين وبتاريخ المنطقة كلها.
هذا الوضع قد يتغيّر قريبا بعد ابتكار فريق إسرائيلي تقنية تستطيع ترجمة عشرات الآلاف من النصوص المسمارية إلى اللغة الإنجليزية باستخدام الذكاء الصناعي.
نسب نجاح مبشرة
استند الفريق الإسرائيلي إلى طريقة عمل مشابهة لـ"ترجمة جوجل"، التي تعتمد أسلوباً معقداً لتحويل اللغة المُترجَم منها إلى صياغات رياضية يُمكن ترجمتها مرة أخرى إلى اللغة المترجَم إليها.
وبحسب التجارب الأولية، فإن التقنية نجحت في ترجمة نص مسماري بدقة فاقت 36% وهو رقم جيد بالنسبة لنموذج ترجمة لا يزال في مراحله الأولية.
قال جاي جوتيرز، أحد أعضاء فريق العمل" لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، إن نجاح هذه التقنية في مهمتها سيمنح علماء الآثار الفرصة للتعرُّف على "الأيام الأولى" وعلى تفاصيل الحياة في بلاد الرافدين القديمة.
لذا أتاح الفريق جهوده التقنية وجعلها "مفتوحة المصدر" حتى يستطيع آخرون استغلالها لإنشاء برامج ترجمة للغاتٍ ميتة أخرى.
وكشف جوتيرز، أن جودة الترجمة كانت تقل كلما تعامل البرنامج مع نص ذي صياغة أدبية مثل رسائل الكهنة أو الأشعار أو المعاهدات الدولية، حيث ابتعدت التقنية تماما عن الدِقة وكان إنتاجها "هلوسة"، على حدِّ وصفه.
أمر اعتبره طبيعياً في المراحل الأولى للتقنية الجديدة، التي ستزداد تطوراً بمرور الوقت وتزايد مهماها في الترجمة.
أكبر العقبات التي تواجه نجاح الذكاء الصناعي في فك رموز الكتابة المسمارية هو طبيعتها المعقدة؛ فهي مكوّنة من قرابة 900 حرف ولا تعرف قواعد الإملاء، كما أن بعض الكلمات قد تحمل دلالات عديدة لا يُمكن فهمها إلا عبْر قراءة واعية ومتأنية للنص ككل، لكنها تحديات من المتوقع التغلُّب عليها خلال الإصدارات اللاحقة لبرامج الترجمة الذكية.
تجارب سابقة
في عام 2018، عكف باحثون في جامعة كاليفورنيا الأميركية، على بناء برنامج يستطيع ترجمة اللغة المسمارية أوتوماتيكيا. حينها أعربت الباحثة إيميلي بيرون عن أملها في بناء "خوارزمية" تستطيع تحليل بيانات النصوص المسمارية المتوفرة حتى تكون قادرة على فك شفرة بقية الألواح التي لم تُترجم بعد.
برّرت بيرون اهتمامها الكبير بالحضارة العراقية القديمة قائلة، إن الحضارة الغربية ورثت عنها الكثير مثل اختراع العجلة والخرائط، وكذلك النصوص الأدبية "الأولى" مثل ملحمة جلجامش وقصة طوفان نوح التي نجدها في أغلب الأديان، واعتبرت أن "فهم تاريخ بلاد الرافدين هو وسيلة لفهم معنى أن تكون إنساناً".
خلال المرحلة الأولى من مشروعها طمحت بيرون في ترجمة بضعة آلاف من النصوص السومرية التي تسجل الحياة اليومية في العراق القديم.
بعدها بعامين قاد عالم الآثار في جامعة "أرئيل" الإسرائيلية، شاي جوردين، جهوداً لترجمة بضعة نصوص مكتوبة باللغة المسمارية إلى اللاتينية.
اتبع طريقة بسيطة تمثّلت في قيام البرنامج بترجمة كلمات النص المسماري والحفاظ عليها بنفس ترتيب وجودها في السطر، ونجحت التجربة بنسبة 97% في الحصول على نص لاتيني مفهوم نقلاً عن المسمارية.
وأعرب دكتور جوردين، حينها، عن أمله في نجاح هذه التقنية حتى تكون وسيلة ليس فقط لفهم النصوص المسمارية ولكن لفهم بقية اللغات الميتة حول العالم، وهو ما سيكون له انعكاس هائل على المعرفة البشرية.
وفي مايو من هذا العام، كشف إنريكي خيمنيز، أستاذ الأدب القديم في الشرق الأدنى في جامعة ميونيخ الألمانية، وأحد المشاركين في مشروع دكتور جوردين، عن أمله في أن يستطيع الذكاء الصناعي "ملء فجوات الألواح الطينية"، فلا تتوقف مهمته فقط على ترجمة الكتابات الموجودة بل يخمّن الأسطر المفقودة نتيجة تعرّض ألواح الطين للتلف عبر الزمن.
وسبق أن قاد خمينيز فريقا ألمانيا استعان بخوارزميات الذكاء الصناعي لمنحنا المزيد من الفهم لملحمة جلجامش، عبر مقارنة نُسخها المختلفة على الألواح الطينية التي أنقذها علماء الآثار، وأيضاً محاولة ترجمة الفقرات التي عجز علماء الآثار قديماً عن فك شفرتها.
وفي هذا العام، استخدم علماء الآثار تقنيات الذكاء الصناعي لإجراء مسوحات دقيقة على خطوط نازكا في صحراء بيرو للتعرُّف عن كثب على أدق تفاصيلها.
ولم يقتصر الاعتماد على الذكاء الصناعي على الترجمة فقط، بل استخدمه بعض علماء التاريخ لتخمين مواقع الآثار تحت الأرض في العراق.
معارضون
ناثان واسرمان أستاذ علم الآشوريات، أبدى عدم تفاؤله بشأن نجاح الذكاء الصناعي في ترجمة النصوص المسمارية، وضرب مثلاً بعمله في ترجمة بعض النصوص المسمارية الشعرية بأنه لكي ينجح في ترجمتها لا يحتاج فقط لمعرفة المفردات لكن يجب عليه فهم السياق الزمني والثقافي الذي كُتب فيه هذه النص، وهو أمر لا يستطيع الذكاء الصناعي وضعه في حساباته.
وهو ما مالَ إليه أيضا كلاوس واجينسونر، المتخصص في الأدب السومري، قائلاً لـ"ارفع صوتك"، إنه "يستمتع بقراءة النصوص المسمارية من دون الكمبيوتر".
ويضيف أن "الاستفادة الحقيقية من تطبيقات الذكاء الصناعي يُمكن أن تقتصر في تصنيف المصطلحات المتشابهة داخل عدد ضخم من النصوص أو في إقامة قواعد للبيانات، أما على صعيد القراءة فإنه ينتمي إلى المدرسة التقليدية".
