النجم الرياضي العراقي أحمد راضي

منذ طفولته شخّصه كبار المدربين ومكتشفو المواهب على أنه "الفتى الذهبي" الذي سيعيد كتابة تاريخ كرة القدم العراقية من جديد، لتصدق توقعاتهم ويتحول إلى رأس حربة الفريق العراقي وهداف الدوري والمنتخب، وصاحب الهدف التاريخي الوحيد للعراق في كأس العالم.

نشأ راضي في عائلة رياضية يمارس ثلاثة من أبنائها كرة القدم، وبدأ حياته الرياضية كما يقول الكاتب زيدان الربيعي لـ"ارفع صوتك"، "كلاعب لكرة السلة، لكن سرعان ما تركها وتوجه إلى كرة القدم التي سحرته منذ طفولته، فكان يقوم بحركات فنية باستعمال قدميه ورأسه وصدره.

يضيف "وبفضل هذه المهارات التي اكتسبها في سن مبكرة توقع له الكثيرون مستقبلاً كبيراً في عالم كرة القدم".

أما أول انطلاقته في كرة القدم "فكانت مع انتقال العائلة من منطقة حي العامل إلى منطقة اليرموك التي كانت تتميز بوجود مركز تدريب للشباب فيها، حيث بدأت موهبته بالظهور، وكان هو نفسه يقطع يومياً أكثر من كيلومترين ذهاباً واياباً إلى المركز لتلقي التدريبات"، بحسب الربيعي.

يتابع: "إلى هذا الحد كان عاشقاً ومتفانياً لكرة القدم منذ طفولته".

ويبين الربيعي، الذي كتب السيرة الذاتية لأحمد راضي، أن الأخير كان في طفولته "عاشقاً لفريق الزوراء، ومعجباً بشدة بمهاجمه فلاح حسن الذي كان يلقب بثعلب الكرة العراقية ويرتدي الرقم ثمانية، وهو الرقم ذاته الذي ارتداه أحمد حين انضم إلى نادي الزوراء لاحقاً".

الصحافي زيدان الربيعي رفقة أحمد راضي الذي كان حينها ما يزال لاعبا.

اكتشافه

خلال المرحلة الدراسية المتوسطة، لعب راضي في صفوف فريق التربية المدرسية، ليراه المدرب ثامر محسن ويضمّه إلى "شباب الشرطة" ويسافر مع الفريق للمعايشة في بطولة هلسنكي عام 1979.

يصف الربيعي تلك الفترة من حياة راضي بأنها "فترة الاكتشاف الحقيقية"، فخلال لعبه ضمن الفريق "تمكن من لفت نظر مكتشف النجوم المدرب داود العزاوي، الذي ضمّه عام 1981 إلى منتخب العراق للناشئين وأشركه في بطولة (غوتيا) الدولية التي جرت في السويد". 

يؤكد المدرب داود العزاوي لـ"ارفع صوتك"، أن راضي كان "مميزاً" عن بقية اللاعبين في سنّه، "فقد كان يلتزم بكل توجيهات المدربين، ولديه رغبة كبيرة بالتطور والتعلّم ليس في مجال الرياضة فحسب، بل كان يحاول اقتناء كتب في الشعر والأدب ليثقف نفسه".

من حيث الشكل العام كان راضي، "يعطي إيحاءً خادعاً بالبرود والبطء، لكنه في الحقيقة كان لاعباً ذكياً، فما أن تأتي الكرة إليه حتى يتحول إلى شعلة من النشاط والذكاء، خصوصاً حين يصل إلى منطقة الجزاء"، وفق العزواي.

ويوضح: "حينها كان يبرز جداً في المواقف الصعبة ويخطط للكرة بشكل جيد، فإذا رأى أنه لا يمكن تسجيل الهدف من موقعه، يتحول إلى صانع ألعاب فيمرر الكرة لمن يعتقد أنه في موقع أفضل لإحراز الهدف".

فيما يصفه الربيعي بأنه كان يعمل وفق صيغة "أقل جهد وأكبر إنتاج"، مردفاً "كان لاعباً ذكياً يوفر وقته وجهده للفرصة التي يمكن من خلالها تحقيق هدف، أما الفرص الضعيفة فيقوم بتركها، ما كان يعرّضه لانتقادات من قبل المدربين والجمهور وحتى من وسائل الإعلام".

 

حلم يتحقق

لعب راضي في صفوف "فريق الشرطة" لأقل من موسم واحد، وأعلن للعزاوي عن رغبته بالانتقال إلى صفوف "نادي الزوراء"

"حينها كان نادي الزوراء يغصّ بالنجوم، وكان أمر انتقاله في تلك المرحلة المبكرة صعب للغاية فانتقل إلى فريق شباب الزوراء" يقول الربيعي.

لكن موهبته الفذة لم تكن بعيدة عن عين مدرب "الزوراء" عمو بابا، الذي اختاره عام 1981 للعب ضمن صفوف نادي راضي المفضل بعد نصيحة قدمها العزاوي.

ويضيف الربيعي، أن راضي "أكد استحقاقه كلاعب موهوب من أول مباراة له ضد نادي (القوة الجوية)، أمام مدافع الفريق ناظم شاكر، الذي كان جميع المهاجمين يتجنبون الاقتراب منه. لكن، راضي كان يصرّ على مراوغته وتجاوزه بموهبة وفن صاغ من خلالهما هويته في تلك المباراة". 

نقطة التحول الرئيسة من المحلية إلى الدولية في حياة راضي كانت عام 1983 عندما قاد منتخب "شباب العراق" للفوز ببطولة "كأس شباب فلسطين الأولى" في المغرب وفاز بها كأحسن لاعب. كما كان له دور بوصول العراق لنهائيات كأس العالم عام 1986، حيث سجل الهدف العراقي الوحيد في كأس العالم على منتخب بلجيكا"، بحسب الربيعي.

مشاركة العراق الوحيدة في المونديال.. عندما ألقت الحرب بظلالها على الرياضة
تأهل العراق إلى كأس العالم لمرة واحدة خلال تاريخه الكروي في بطولة المكسيك عام 1986. ورغم مرور 36 عاماً على اختطاف العراق بطاقة التأهل، إلا أن العراقيين ما يزالون حتى الآن يتذكرون تلك الفرحة التاريخية المؤطرة بحزن الحرب العراقية الإيرانية المشتعلة على الحدود.

ويلفت إلى بطولة كأس الخليج عام 1988 مع المنتخب العراقي، حين حصل راضي على لقب هدّاف البطولة، كما اختير في نفس العام كأفضل لاعب في آسيا. واختاره اتحاد التاريخ والإحصاء ضمن أفضل عشرة لاعبين في تاريخ آسيا في القرن العشرين.

 

انتقال إجباري

في أواخر عام 1983 أجبر أحمد راضي على الانتقال من فريق "الزوراء" إلى فريق "الرشيد" بإيعاز من عدي صدام حسين الذي كان يترأس اللجنة الأولمبية العراقية، متخذاً من نادي "الكرخ" الذي تأسس عام 1963 مقراً له.  

كان الهدف من إنشاء النادي هو وضع جميع نجوم الكرة العراقية في فريق واحد، فينتقل جمهور كل لاعب إلى الفريق الذي أسسه الابن البكر للرئيس العراقي، فيصبح بذلك مؤسس الفريق الأكثر جماهيرية في العراق. 

اتبع عدّي سياسة العصا والجزرة في تعامله مع لاعبي كرة القدم العراقيين، وحصل راضي على نصيبه من هذه السياسة كما يقول علي شاهين، زميله في الدراسة الجامعية.

ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن "لاعبي (الرشيد) كان يتم تكريمهم في حالة الفوز بسيارة أو قطعة أرض أو مبلغ مالي، وفي حالة الخسارة يتم سجنهم وإهانتهم وحلق رؤوسهم".

"وفي إحدى المرات تم سجن أحمد في معسكر الرضوانية وحلق شعره، وكانت هذه العقوبة تؤلم الكابتن كثيراً، فكان يتجنب أن يراه الناس وهو حليق الرأس وإذا صادف والتقى أحداً وهو بذلك الحال، كنت أرى الدموع تترقرق في عينيه"، يبيّن شاهين.

وحقق "الرشيد" نجاحاً خارجياً كبيراً بعد مشاركته في عدة بطولات عربية. في المقابل وكما روى راضي نفسه خلال مقابلات تلفزيونية عديدة، لم يحظ الفريق بتأييد شعبي داخلي وتراجعت نجومية لاعبيه، لذلك تقرر إلغاء النادي في أغسطس عام 1990، و تحويل كل ممتلكاته ولاعبيه في جميع الألعاب الرياضية إلى نادي "الكرخ" الرياضي من جديد.

 

شعبية "هائلة"

كان الكابتن كما يقول زميله دراسته ولاعب الكاراتيه العراقي علي شاهين "ذا شعبية هائلة جلبت له السعادة والكثير من العِداء من شخصيات سياسية ورياضية كبيرة، فوجوده في أي مكان كان كفيلاً بجذب الجمهور نحوه".

وكان راضي "يفرح حين يتجمع المعجبون حوله ويلتقط معهم الصور بكاميراتهم ويوقع لهم على كراتهم أو على صور يحملونها إليه، واستمر ذلك حتى بعد 20 عاماً على اعتزاله"، وفق شاهين.

وقد تعرف شاهين على راضي عام 1986، حين كان كلاهما يدرسان في كلية التربية الرياضية بجامعة بغداد، أما المفارقة الحقيقية في علاقتهما التي استمرت لأكثر من 30 عاماً "فكانت أني مشجع متشدد لفريق (القوة الجوية) المنافس التقليدي لفريق الزوراء".

كانت هذه المفارقة سبباً لمحاولات الكابتن بتغيير ولاء صديقه وهو يمازحه بالقول "ماذا سيكون موقفي إذا عرف جمهوري أن أعز اصدقائي يشجع الجوية؟".

 ولذلك يقول شاهين ضاحكاً: "حين كان أحمد يسجل هدفاً في مرمى القوة الجوية، يركض إلى الجهة التي أجلس فيها ليحتفل بالهدف".

وفي إحدى البطولات تواجه الفريقان ليخسر "الزوراء" أمام "القوة الجوية"، يزيد شاهين: "في طريق عودتنا من المباراة كان يقود السيارة وإلى جانبه المدرب عمو بابا، وأنا وأحد الزملاء نجلس في المقاعد الخلفية، وكان منزعجاً جداً من الخسارة وغير منتبه لوجودي. وحين رفع رأسه في المرآة وشاهدني وأنا مبتسم، أوقف السيارة على مسافة من منزلي وقال أكمل الطريق للبيت سيراً على الأقدام. وما أن نزلت وتحركت السيارة حتى أخرج رأسه من النافذة وقال تعال ليلاً للبيت لنسهر معاً".

 

اعتزال وطموح سياسي

سجل راضي أكثر من 150 هدفاً للفرق التي لعب فيها، و62 هدفاً لصالح المنتخب الوطني، ونال العديد من الألقاب منها "الفتى الذهبي" و"النورس الطائر" و"صاحب الرأس الذهبية" لتميزه في الكرات الرأسية، وكان اللاعب الوحيد الذي يسجل الأهداف من خلال "الوثبة الثلاثية"، كما يقول الكاتب زيدان الربيعي.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "كما أنه اعتزل كرة القدم وهو في قمة مستواه الفني والبدني مع انتهاء موسم (1998- 1999) بعد أن قدم عروضاً متميزة قادت فريقه الزوراء إلى إحراز لقبي (الدوري والكأس). ثم أشرف على تدريب فريقي الشرطة ومنتخب الناشئين".

وختم مسيرته التدريبية مع "الزوراء" وبعد ذلك تحول إلى العمل الإداري، حيث ترأس الهيئة الإدارية للنادي لمدة أربع سنوات، وبسبب الحرب الطائفية في العراق (2006-2008) قرر الاستقرار مع عائلته في الأردن.

يشرح المحامي سرمد العنزي وهو أحد أعضاء فريق الحملة الانتخابية لأحمد راضي: "كل هذا تم قبل أن يقرر الدخول إلى العمل السياسي ويحصل على مقعد نيابي كبديل للنائب عبد الكريم الجنابي الذي توفي عام 2008".

كان راضي يطمح من خلال الدخول في عالم السياسة إلى "تحقيق نجاح مشابه لما حققه في مجال لعب كرة القدم، عبر منجزات تطور من الواقع العراقي بشكل عام، وتصب في مصلحة كرة القدم العراقية بشكل خاص". 

وخلال فترته القصيرة الأولى تحت قبة البرلمان كما يقول العنزي لـ"ارفع صوتك"، تمكن من الدفع باتجاه التصويت على قانون منحة مالية للرياضيين بعد تنظيم قائمة بالأسماء، فقد كانت الرياضة في تلك الفترة الصعبة شبه متوقفة في العراق.

 

خيبة أمل سياسية

يقول المحامي: "ضمن حملته الانتخابية التثقيفية، أجريت 67 بطولة في المناطق الشعبية ووصلنا إلى مناطق نائية على أطراف بغداد، لكن مشاركته مع قائمة ضعيفة وهي (متحدون) منعته من تحقيق طموحه والحصول على مقعد نيابي".

لكن هذه الحملة "أرهقت الكابتن مادياً ومعنوياً بعد تخلي القائمة عنه ورفضها تسديد مبالغ الحملة رغم وعود رئيس القائمة بذلك"، بحسب العنزي.

عاد طموح راضي السياسي من جديد عام 2018، عندما انضوى تحت "القائمة العراقية"، يقول العنزي: "هذه المرة كان وضعه المادي ضعيفاً فاضطررنا للاكتفاء بحملة بسيطة، ولم نحقق النتائج المرجوة".

يكمل: "شعر راضي بالإحباط والخذلان من جمهوره الذي كان يتحلق حوله خلال الحملة الانتخابية، وكنا نحتاج إلى أكثر من نصف ساعة للمرور بسبب تزاحم الناس للسلام وأخذ الصور معه والتعبير عن دعمهم له. وعلى أثر ذلك قرر عدم المشاركة في أية انتخابات مقبلة".

 

الإصابة القاتلة

رغم عدم حصوله على مقعد برلماني، إلا أن أحمد راضي أُبلغ من قبل المرشح لرئاسة الوزراء محمد علاوي بترشيحه لوزارة الرياضة والشباب، لذلك "عاد إلى بغداد، كونه لا يمكن تقديمه إلى البرلمان كمرشح وهو يسكن في عمّان" يقول العنزي.

ويضيف: "وصل الكابتن إلى بغداد في يناير 2020، وسكن في بيت مؤجر بمنطقته القديمة اليرموك، وخلال تلك الفترة تفاقمت أزمة فيروس كورونا، وسرعان ما تم إيقاف التنقل بين الدول وفرض الحجر والتباعد الاجتماعي واضطر للبقاء في بغداد رغم إيقاف ترشيح محمد علاوي".

كان الكابتن وفق العنزي "ملتزماً بإجراءات التباعد، ويلعب كرة التنس في نادي الصيد يومياً، مع الالتزام بالتعقيم وارتداء الكمامة والكفوف (قفازات)، وكان يلتقي ببعض الأصدقاء المقربين فقط".

وفي يوم 12 يونيو تم الإعلان عن وفاة صديقه اللاعب علي هادي بعد مضاعفات كورونا، يتابع العنزي: "حزن عليه الكابتن وبكى بكاء شديداً، ثم ارتفعت درجة حرارته في اليوم التالي واعتقد أنه مصاب بإنفلونزا عادية، توجه إلى مستشفى النعمان فتم حجره بعد النتيجة الإيجابية لفحص كورونا".

في الأيام الأولى "تراجعت حالته الصحية كثيراً وعانى من نقص حاد بالأوكسجين، لكنه تحسن، وطلب الخروج من المستشفى وإكمال العلاج منزلياً برفقة ابن شقيقه ومعاون طبي وعامل بنغالي الجنسية"، بحسب العنزي.

بعد يومين زار العنزي منزل راضي خلسة، دون إبلاغ أحد، بسبب الرعب العام من المرض، والحظر الشديد الذي تم فرضه، فتح للعنزي العامل البنغالي الباب وقال له بشكل مباشر "بابا راح يموت".

"كانت علامات الموت بادية على وجه الكابتن الشاحب، وكان صدره يتهدج حين يتنفس بحيث كان لا يتمكن من لفظ أي كلمة إلا على عدة مقاطع"، كما يصف العنزي وضع أحمد راضي حينها.

يبيّن: "مع ذلك لم يكن راغباً بالعودة إلى المستشفى وأقنعناه بضرورة الحصول على العلاج اللازم بسبب نقص الأوكسجين، للعمل على إعادته إلى أسرته، خصوصاً ابنه الصغير فيصل الذي كان متلهفاً لرؤيته".

وفي العشرين من يونيو "تحسن وضع الكابتن وأجرى مكالمة فيديو مع عائلته وجرى تأمين طائرة خاصة بعد وساطات بين عدة مسؤولين عراقيين وأردنيين لنقله صباح اليوم التالي إلى عمان".

وفي السابعة من صباح 21 يوليو، دخل عامل النظافة إلى غرفة الكابتن ولم يجده في سريره، يقول العنزي: "استدعي ابن اخيه الذي كان محجوراً معه في المستشفى، ووجد الكابتن مغمىً عليه في حمام الغرفة... استمرت محاولات إنعاشه لنحو عشرين دقيقة قبل أن يتم الإعلان عن وفاته في تمام الساعة السابعة وعشرون دقيقة من صباح ذلك اليوم".

ضجت مواقع التواصل العراقية فور انتشار خبر وفاته، واتُهمت المستشفى بالتقصير في تقديم العلاج وتوفير سرير إنعاش خلال أزمته وإنهاكه بإجراء لقاءات تلفزيونية، ما تسبب بتفاقم تليف الرئة الذي أصابه جراء الفيروس.

نعى عشاق الكرة في العراق والعالم العربي والعالمي بوفاة أحمد راضي الذي كان ينوي تنفيذ مشروع "حلم المونديال" إذا ما تم تكليفه بوزارة الرياضة والشباب، وكان يتضمن إقامة أكاديمية يقدم فيها المنهج الوزاري التدريسي جنباً إلى جنب مع تدريبات مكثفة للمتميزين بلعب كرة القدم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".