يثير اتفاق مقايضة النفط الخام بالغاز الذي أعلنت الحكومة العراقية توقيعه مع إيران، الثلاثاء الماضي، شكوك سياسيين وخبراء اقتصاديين من كونه الحل الأمثل لمشكلة الكهرباء التي تعاني منها البلاد منذ أكثر من 3 عقود وإطفاء ديون الغاز الإيراني، الذي يستورده العراق لتوليد الكهرباء.
وأعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، في بيان الثلاثاء، توقيع اتفاق بين العراق وإيران لمقايضة الغاز المستورد بالنفط الخام العراقي.
وأكد البيان على أن "الاتفاق يأتي في إطار الجهد الحكومي لمعالجة أزمة توريد الغاز المشغل لمحطات الكهرباء، وتفادي مشكلات التمويل، وسيسهم في توفير مرونة أكثر لعملية توريد الغاز وتشغيل المحطات الكهربائية".
ولم يغب ملف توقف أو انخفاض إمدادات الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء في العراق عن المشهد خلال السنوات الماضية، وتثار مسألة تسديد الديون المترتبة على استيراد العراق للغاز الإيراني سنويا خلال ارتفاع درجات الحرارة صيفاً، حيث تنخفض ساعات تجهيز الكهرباء إلى أدنى حد، حتى أنها تصل في عدد من المدن والمحافظات للانقطاع التام عدة أيام، وتتكرر هذه الحالة شتاء وسط انعدام الحلول الحكومية لأزمة الكهرباء التي يعاني منها العراق منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.
ولطالما تتضارب التصريحات بين المسؤولين العراقيين والإيرانيين في كل مرة تتكرر أزمة إمدادات الغاز، ففي وقت تسعى الأطراف السياسية العراقية المقربة من إيران إلى تحميل الولايات المتحدة الأميركية مسؤولية أزمة الكهرباء، وعدم تمكن بغداد من تسديد ديونها لطهران، إثر العقوبات التي تفرضها واشنطن على الأخيرة، نقلت وكالة "تنسيم" الإيرانية التابعة للحرس الثوري، في 25 يونيو الماضي، عن نائب وزير النفط الإيراني لشؤون الغاز، مجيد تشنغي، قوله إن "وزارة الكهرباء العراقية سددت لإيران جميع الديون المتعلقة بالغاز".
وأوضح تشنغي: "الدين الآن صفر، لكن في بعض الأحيان تحدث مشاكل في تحويل الأموال من مصرف التجارة العراقي TBI إلى إيران."
ويعتبر السياسي العراقي المستقل، مثال الآلوسي، مقايضة النفط الخام العراقي بالغاز الإيراني "تحايلاً مشبوهاً تقوم به حكومة الإطار التنسيقي المقربة من الحرس الثوري الإيراني وطهران، للالتفاف على العقوبات الدولية على نظام إيران المتهم بدعم الانفلات والإرهاب في لبنان وسوريا والعراق والخليج واليمن".
ويوضح الآلوسي لـ"ارفع صوتك": "الاتفاق أظهر ضعف الحكومة العراقية أمام نزوات المليشيات وطهران. بهذا الاتفاق المشبوه وضعت الحكومة العراق محط استهدافه وتحميله دولياً عقوبات قد تستهدف النفط العراقي والاقتصاد العراقي الضعيف، بل ويفتح شهوات دول أخرى لابتزاز العراق كمقايضة المياه بدلا عن النفط أو النفط مقابل مواقف أمنية وسياسية".
وتعتبر هذه المرة الأولى التي يتعامل بها الجانبان معاً حسب نظام المقايضة بهذا الشكل، فالاتفاقيات السابقة لشراء النفط والكهرباء كانت تعتمد على الدفع النقدي.
من جهته، يؤكد الخبير العراقي في قطاع النفط، كوفند شيرواني، على أن الاتفاق الأخير "لا يحل مشكلة الكهرباء بشكل جذري ولا يخفف عنها بشكل كبير، إنما يعالج مشكلة تسديد قيم الغاز الإيراني المستورد، ويحل مشكلة إيران في كيفية استلام مدفوعاتها".
ويضيف لـ"ارفع صوتك":"المهم في هذه الاتفاقات هو، ما هي الأسعار التي يقيم بها الغاز الإيراني وكذلك النفط العراقي؟، هل هي الأسعار الدولية أم أسعار تضليلية قد لا تكون في صالح العراق".
"حسب ما تسرب من أنباء، فالغاز الإيراني سيورد بسعر لا يقل عن 8 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، في حين أن الأسعار العالمية تقل عن 3 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، وهذا مجحف، وحتى في الاتفاقات السابقة عندما كان التسديد نقديا كان أيضا الغاز يتجاوز الضعف عن الأسعار العالمية وهذا الأمر من الناحية الاقتصادية غير مجد ويجب التوقف عنه ومراجعته"، يتابع شيرواني.
ويثير قبول إيران بمقايضة الغاز الذي تجني من بيعه للعراق مبالغ طائلة مقابل النفط الخام شكوكاً، حول كيف تتنازل إيران عن هذه الأموال في وقت هي لا تستطيع تصدير هذا الخام، إثر العقوبات الدولية المفروضة عليها؟!
ولكون النفط الخام العراقي مختلفا عن الإيراني، قد تلجأ طهران إلى استخدامه في التهريب عبر شبكات تهريب النفط الدولية، التي كان النظام العراقي السابق يعتمد عليها خلال التسعينيات للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة آنذاك.
لكن شيرواني يرى أن "النفط المورد إلى إيران يمكن استثماره في بعض المصافي القريبة من المناطق الحدودية القريبة من العراق، بالتالي يمكن أن تلبي الحاجة المحلية للمشتقات في تلك المناطق، علما أن إيران لها طاقة تصديرية معطلة فائضة لا تستطيع المباشرة بتصديرها بسبب العقوبات عليها".
ورغم تأكيدات الحكومة العراقية على أهمية الاتفاق الذي وقعته مع إيران ودوره في استيراد الغاز وإخراج العراق من أزمة استمرت خمس سنوات، إلا أنها لم تذكر حتى نشر هذا التقرير أي تفاصيل عن مضمون الاتفاق والأسعار التي حددت بحسبها مقايضة النفط بالغاز ومدة الاتفاق.
في السياق نفسه، تعتبر الخبيرة الاقتصادية سلام سميسم، اتفاق مقايضة النفط بالغاز "مثيرا للريبة".
وتضيف لـ"ارفع صوتك": "منذ فترة كان هنالك في الإعلام تأكيدات على أن العراق سدد أموال الغاز لإيران لمدة 5 سنوات قادمة.. إذن أين ذهبت هذه الأموال ولمن سُددت؟".
"لذلك لدي تحفظ على هذا الاتفاق"، تؤكد سميسم.
