مرّت العلاقات السورية العراقية منذ ما قبل استقلال البلدين المتجاورين، وعلى مرّ تاريخهما الحديث، بمراحل من التوتّر والخلافات.
تعود جذور هذا التوتر إلى بدايات القرن الماضي مع نهايات الحكم العثماني للمنطقة وكلا البلدين. حينها دخل الأمير فيصل بن الحسين إلى دمشق لطرد الجيش العثماني، وقوبل باستقبال شعبي وعسكري، وتأييد واسع "للثورة العربية الكبرى"، ليعلن تأسيس حكومة عربية في دمشق.
لكن هذه الحكومة لم تستمر طويلا، فسرعان ما انهزمت، ليرحل الأمير فيصل عن سوريا ويتجه إلى العراق ليتولى الحكم هناك في العام 1921، ويكون أول ملوك المملكة العراقية.
فبحسب كتاب "لا أحد يتعلم من التاريخ: صراع العروش في سوريا والعراق" لبيشوي القمص، دعي الأمير فيصل، وكان يحكم سوريا حينها، في أواخر العام 1918 للمشاركة في مؤتمر باريس للسلام، وزار فرنسا وبريطانيا حيث تلقى تأكيدات على حسن نوايا البلدين تجاه سوريا، "في حين أنهم كانوا يخططون لتعديل اتفاقية سايكس بيكو لاقتسام تركة الدولة العثمانية المهزومة".
وتتالت الأحداث بعد ذلك لتقع سوريا تحت الانتداب الفرنسي بعد معركة ميسلون في يوليو من العام 1920، وتسقط بعد هذه المعركة "المملكة العربية السورية" التي كان قد أعلنها الأمير فيصل (كان يوقع ويتكلم باسم "أمير سوريا") ليصير ملكاً عليها لفترة وجيزة، قبل أن يغادر الملك المخلوع سوريا نحو العراق ويصير ملكا.
وهكذا تكون بريطانيا وفرنسا لعبتا دوراً رئيسياً في فصل البلدين ووضع الأول (العراق) تحت الانتداب البريطاني والثاني (سوريا) تحت الانتداب الفرنسي.
واقتصرت العلاقات بين البلدين في هذه الفترة على العلاقات التجارية التي لم تخل من توتّر ومعوقات. وقد ظلّت مناطق مثل الموصل تخضع لخلافات حول هويتها. "فالمعروف أن الانتدابين البريطاني على العراق والفرنسي على سوريا تهاترا وتصادما واحتارا قبل أن يقررا عراقية الموصل بدلاً من سوريتها"، على ما يقول حازم صاغية في كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً". ويضيف أن "نشأة الدولتين السورية والعراقية أدت إلى كساد اقتصادي تسببت به الحواجز الجمركية التي فصلت العراق عن مناطقه التجارية في سوريا".
بعدها، نال البلدان استقلالهما كلّ على حدى، وفي أعوام متفاوتة. وشهد العراق في العام 1958 انقلاباً على الملكية، قبل أن يشهد البلدان انقلاباً قاده حزب البعث في العام 1963، ليتولى الحزب نفسه الحكم في بغداد في 8 فبراير، ثم في دمشق في 8 مارس.
ورغم أن البلدين حكما من حزب واحد فعلياً، إلا انهما لم يذهبا صوب الاتحاد، بل سادت بينهما علاقات متوترة وصلت إلى حدّ القطيعة بسبب الصراعات داخل حزب البعث.
عن هذه المرحلة الطويلة من الصراع بين البعث العراقي والبعث السوري، يقول صاغية أن "قصة البعثين الدامية الفصول، على خواء ورثاثة، لم تترك شيئاً من قضية الأمة العربية الواحدة إلا نهشته". و"لما كان أي من النظامين لا يدخل بيت الآخر من أبوابه، غدت المكائد والمؤامرات حدثاً يومياً يصعب فرز غثّه المنحول عن سمينه الصحيح".
ومع ذلك، فإن العراق شارك إلى جانب سوريا ومصر في حرب أكتوبر من العام 1973 مع اتهام العراق لسوريا بأنها لم تنسق معه حول موعد الحرب.
بعد عقد مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل في العام 1978 جرت محاولات للتقريب بين العراق وسوريا. ووقع الرئيس السوري حافظ الأسد ميثاقاً للعمل القومي المشترك مع نظيره العراقي أحمد حسن البكر لإنهاء القطيعة وتحقيق وحدة عسكرية تكون مدخلاً لإقامة وحدة سياسية بين البلدين بعد توحيد البعثين.
كان وصول صدام حسين إلى السلطة في العام 1979 بمثابة مسمار في نعش هذا الاتفاق، بعد أن أعلن صدّام عن اكتشاف محاولة انقلابية بدعم من سوريا، وأُلقي القبض على "المدبرين" وحوكموا محاكمة عسكرية ضمن ما سميّ "حملة تطهير" انتهت بإعدام 17 من قادة وكوادر الحزب، واعتقال العشرات.
ووقعت القطيعة بين البلدين بشكل كامل مع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية في العام 1980 ووقوف سوريا إلى جانب إيران، لتتحول العلاقات إلى عداء علني واتهامات متبادلة بالتآمر الأمني.
لم تتحسن العلاقات بين البلدين حتى بهد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية، بل توتّرت أكثر بعد مشاركة سوريا في القوات الدولية التي شُكّلت خلال حرب الخليج الأولى لإخراج الجيش العراقي من الكويت.
ولم تشهد العلاقات تحسناً نسبياً إلا في فترة حصار العراق مع محاولات سوريا كسر الحصار عبر التعاون الاقتصادي بين دمشق وبغداد.
لاحقا، وبعد وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد وتولّي ابنه بشار الرئاسة في سوريا، شهدت العلاقات في أغسطس 2001 أول زيارة لرئيس وزراء سوريا إلى بغداد منذ أكثر من عشرين عاماً من القطيعة، وتركّزت الزيارة على التعاون التجاري والاقتصادي.
حدث تقارب ملحوظ بين البلدين بعد سقوط نظام البعث في بغداد ودخول الجيش الأميركي. وبدأت الدولتان مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية مع إعلان دمشق الاستعداد لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع العراق. وكان على البلدين أن ينتظرا حتى نهاية العام 2006 لفتح السفارة العراقية في دمشق، وتبادل السفراء، بعد زيارة قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى بغداد في شهر نوفمبر من ذلك العام. وقد وقّع البلدان اتفاقية دفاع مشترك بعد اتهامات أميركية متكررة لسوريا بعدم مراقبة حدودها، والسماح بتسلل المقاتلين الأجانب والأسلحة إلى العراق.
في بداية العام 2007، زار الرئيس العراقي جلال طالباني دمشق في زيارة تاريخية لرئيس عراقي بعد أكثر من ثلاثة عقود. ووقّع الطرفان عدداً من الاتفاقات الأمنية والاقتصادية، وشدّدا على رفض الإرهاب.
وبعد تلك الزيارة بفترة قصيرة شهدت العلاقات توتراً بسبب تضييق دمشق على اللاجئين العراقيين، واستقبال الأسد لحارث الضاري رئيس هيئة العلماء المسلمين (سنية) في العراق الذي كان مطلوباً للسلطات العراقية بمذكرة توقيف بتهم تتعلق بـ"إثارة العنف الطائفي".
في نهاية العام نفسه، التقى الأسد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وجرى الاتفاق مجدداً على "التصدّي لتدفّق المقاتلين والأسلحة عبر الحدود السورية" ومعالجة مشكلة اللاجئين العراقيين وبحث التعاون الاقتصادي بين البلدين.
بعد اندلاع الثورة السورية في العام 2011، تفادى العراق أن يكون طرفاً في الصراع، مع تسجيل تحرك العديد من الفصائل العراقية الموالية لإيران إلى داخل الأراضي السورية.
وفي وقت قاطعت معظم الدول العربية والعالمية سوريا، خلال السنوات العشر الأولى من اندلاع الثورة ودخول البلاد في مواجهات عسكرية واسعة النطاق، بقي العراق على علاقة توصف أحياناً بـ"التحفظ" وأحياناً أخرى بـ"الجفاء" بنظام الأسد.
لكن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين صرّح في العام 2021 أن "لدى العراق علاقات جيدة مع النظام السوري" وأن "العلاقات الدبلوماسية مع سوريا لم تنقطع قط". وعبّر العراق رسميا، وبشكل متكرر، عن موقفه الداعي إلى "ضرورة إعادة مقعد سوريا في الجامعة العربية إلى دمشق".
شهدت العلاقات في الفترة السابقة تطبيعاً سياسياً وانفتاحاً اقتصادياً كبيرين مع اجتماعات متكررة قامت بها اللجنة السورية- العراقية المشتركة، أفضت في مايو الماضي، إلى اتفاق بين وزيري الاقتصاد في سوريا والعراق على تعزيز التبادل التجاري وتسهيل حركة الترانزيت بين البلدين.
وشهدت العلاقات أيضا تحسناً ملحوظاً بعد زيارة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد بغداد في يونيو الماضي، وهو الحدث الذي يبدو أنه مهّد على لزيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قبل يومين إلى دمشق ولقائه برئيس النظام السوري بشار الأسد. وهي الزيارة الأولى من نوعها على هذا المستوى منذ اندلاع الحرب في سوريا، وقد بحث فيها الطرفان قضية تهريب المخدرات عبر الحدود، بالإضافة إلى قضايا المياه واللاجئين والعلاقات الاقتصادية بين البلدين.
