مقتدى الصدر والمالكي في مؤتمر صحفي جمعهما عام 2006
مقتدى الصدر والمالكي خلال مؤتمر صحفي مشترك عام 2006

في خمسينات القرن الماضي كان للمرجع الشيعي محمد باقر الصدر دور رئيسي في تأسيس "حزب الدعوة الإسلامية"، الذي لعب دوراً أساسياً، فيما بعد، بمعارضة حزب البعث الحاكم في العراق.

ودفع الصدر نفسه ثمناً غاليا لمواقفه السياسية في العام 1980 حين أعدمه نظام صدّام حسين بتهم التعامل مع النظام الإيراني.

ومحمد باقر الصدر هو والد زوجة رجل الدين الشيعي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي يخوض اليوم صراعاً مع الحزب نفسه الذي أسّسه قريبه، والذي يتزعمه اليوم نوري المالكي بعد تنحّي حيدر العبادي في العام 2019 وإعلانه "الانسحاب من المناصب القيادية" في الحزب. وقرأ محللون سياسيون خطوة العبادي حينها أنها بالتنسيق مع زعيم التيار الصدري لإعادته إلى رئاسة الحكومة.

وحزب الدعوة هو من الأحزاب الشيعية الرئيسية في العراق، وخرج منه رئيسان للحكومة العراقية بعد سقوط نظام صدّام حسين، هما حيدر العبادي ونوري المالكي. ويشكّل الصراع على السلطة عاملاً أساسياً في الخلاف القائم بين التيار الصدري وحزب الدعوة.

اتخذ حزب الدعوة من رجل الدين الشيعي أبي القاسم الخوئي، مرجعاً دينياً له. وكان الحزب حليفاً لإيران لكنه لا يتبع مرجعياً لولاية الفقيه، بل إنه لا يعترف بدور خاص للفقهاء في إدارة الدولة بالشكل الذي تراه ولاية الفقيه.

والخوئي، للمفارقات، هو والد عبد المجيد الخوئي الذي قتل بعد عودته من لندن إلى العراق إثر سقوط صدّام حسين، وتلاحق التهم مقتدى الصدر وأنصاره بتنفيذ هذا الاغتيال.

وتعود جذور الصراع بين التيار الصدري وحزب الدعوة إلى العام 2008 حينما قاد المالكي، وكان رئيساً للوزراء حينها، حملة أمنية أطلق عليها اسم عملية "صولة الفرسان" في البصرة ومحافظات جنوبية، لملاحقة واعتقال عناصر التيار الصدري خلال مواجهات دامت لأسابيع وسقط على إثرها عدد كبير من القتلى، بعد أن اتسع نفوذ جيش المهدي التابع للصدر وسيطر على البصرة. وانتهت الحملة بحل الجناح العسكري للصدر وتسليم سلاح جيش المهدي للدولة العراقية. 

وبعد انتخابات عام 2010، عارض الصدر التجديد للمالكي لولاية ثانية في رئاسة الحكومة. وكان للتدخلات الإيرانية مع الصدر دور حاسم في تمرير حكومة المالكي الثانية. وكان لأصوات نوّاب الصدر دور ترجيحي في حسم التجديد للمالكي، لتستمر رغم ذلك المواجهة بين الرجلين، حيث وجّه الصدر في العام 2012 اتهامات للمالكي بالفساد، ودفع نوّابه إلى استجواب المالكي في البرلمان والمطالبة بإقالته بتهم الفساد وسوء استخدام السلطة.

وساق التيار الصدري اتهامات للمالكي بالتسبب بسقوط ثلث الأراضي العراقية في يد "داعش" عام 2014، وأيدّ الصدر تولي حيدر العبادي (منافس المالكي داخل حزب الدعوة) رئاسة الحكومة، ما أثار غضب المالكي الذي كان يسعى لولاية ثالثة.

في العام 2022 تجدد الصراع العلني بين الصدر والمالكي على إثر انتشار تسريبات صوتية منسوبة للمالكي، يتحدث فيها عن نيته اقتحام مدينة النجف والتخلص من الصدر عبر مجموعة مسلّحة تابعة له. وفي تعليقه على التسريبات طالب الصدر المالكي باعتزال العمل السياسي وتسليم نفسه إلى الجهات القضائية.  

في الأيام الأخيرة الماضية، وعلى خلفية اتهامات ساقها التيار الصدري لأنصار المالكي بـ"الإساءة" للمرجع الديني الراحل محمد محمد صادق الصدر (والد مقتدى الصدر)"، عبر حسابات الكترونية مرتبطة بحزب الدعوة، تجدد الصراع الطويل والعنيف الذي يحمل في سجلّاته سنوات من المواجهات السياسية والأمنية وإسالة الدماء والكثير من المفارقات.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Iraq
جانب من لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان- رويترز

وصل الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، صباح الأربعاء، إلى بغداد في أول زيارة له إلى الخارج منذ انتخابه في يوليو الماضي.

وجاء في بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، أن هذا الأخير استقبل بزشكيان، مرفقا بيانه بصورة يتصافح فيها الرجلان على مدرج المطار.

ويسعى الرئيس الإيراني لتعزيز العلاقات الثنائية الوثيقة أصلا بين البلدين.

وتعهد بزشكيان إعطاء "الأولوية" لتعزيز العلاقات مع الدول المجاورة في إطار سعيه إلى تخفيف عزلة إيران الدولية وتخفيف تأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد، وفقا لفرانس برس.

وقال في أغسطس "العلاقات مع الدول المجاورة (...) يمكن أن تحيّد قدرا كبيرا من الضغوط الناجمة عن العقوبات".

كما تعهد بزشكيان خلال حملته الانتخابية السعي لإحياء الاتفاق الدولي لعام 2015 الذي أتاح رفع عقوبات اقتصادية عن طهران لقاء تقييد أنشطتها النووية. وانسحبت الولايات المتحدة أحاديا من الاتفاق في 2018 معيدة فرض عقوبات قاسية خصوصا على صادرات النفط.

وعيّن بزشكيان مهندس اتفاق عام 2015 الدبلوماسي المخضرم، محمد جواد ظريف، نائبا له للشؤون الاستراتيجية في إطار سعيه إلى انفتاح إيران على الساحة الدولية.

وتعززت العلاقات بين العراق وإيران خلال العقدين الماضيين بعد الغزو الأميركي في العام 2003 الذي أطاح بنظام، صدام حسين.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، هذا الأسبوع "ستكون هذه الرحلة فرصة لتعزيز وتعميق العلاقات الودية والأخوية بين البلدين في مختلف المجالات".

وذكر موقع الرئاسة الإيرانية الإلكتروني، الخميس الماضي، أن زيارة بزشكيان ستستمر ثلاثة أيام. وأشار إلى أن الرئيس الإيراني سيعقد، بالإضافة إلى الاجتماعات الرسمية، لقاءات مع إيرانيين في العراق ومع رجال أعمال. وسيزور النجف وكربلاء والبصرة.

شريكان تجاريان

وتتمتع إيران التي تعد أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين للعراق بنفوذ سياسي كبير في العراق. ويهيمن حلفاء طهران العراقيون على البرلمان، وكان لهم دور أساسي في اختيار رئيس الحكومة الحالي.

ويزور سنويا ملايين الإيرانيين مدينتَي النجف وكربلاء العراقيتين المقدستين.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن حجم التجارة غير النفطية بين إيران والعراق بلغ نحو خمسة مليارات دولار بين مارس ويوليو 2024.

وتصدّر إيران كذلك ملايين الأمتار المكعبة من الغاز يوميا إلى العراق لتشغيل محطات الطاقة. وهناك متأخرات في الدفع على العراق مقابل هذه الواردات التي تغطي 30% من احتياجاته من الكهرباء، تقدر بمليارات الدولارات.

وفي سبتمبر 2023، أطلق البلدان "مشروع ربط البصرة-الشلامجة" للسكك الحديد وهو خط سيربط المدينة الساحلية الكبيرة في أقصى جنوب العراق بمعبر الشلامجة الحدودي على مسافة أكثر من 32 كيلومترا.

تعاون أمني

وتأتي زيارة بزشكيان وسط اضطرابات في الشرق الأوسط أثارتها الحرب التي اندلعت في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس - المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى - في السابع من أكتوبر الماضي، والتي دفعت المجموعات المسلحة المدعومة من إيران في جميع أنحاء المنطقة لدعم الفلسطينيين وعقّدت علاقات بغداد مع واشنطن.

وتنشر الولايات المتحدة زهاء 2500 جندي في العراق ونحو 900 في سوريا المجاورة، في إطار التحالف الذي أنشأته عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش. ويضم التحالف كذلك قوات من دول أخرى لا سيما فرنسا والمملكة المتحدة.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف في العراق.

وأعلن وزير الدفاع العراقي، ثابت العباسي، الأحد الماضي، أن بغداد وواشنطن توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين"، مرجحا أن يتم توقيع اتفاق بهذا الشأن قريبا.

وسيكون لبزشكيان محطة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان الذي يحظى بحكم ذاتي، حيث سيلتقي مسؤولين أكراد، على ما أفادت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية "إرنا".

وفي مارس 2023، وقع العراق وإيران اتفاقا أمنيا بعد أشهر قليلة على تنفيذ طهران ضربات ضد مجموعات كردية معارِضة في شمال العراق.

ومنذ ذلك الحين، اتفق البلدان على نزع سلاح المجموعات المتمردة الكردية الإيرانية وإبعادها عن الحدود المشتركة.

وتتّهم طهران هذه المجموعات بالحصول على أسلحة من جهة العراق، وبتأجيج التظاهرات التي اندلعت في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، في سبتمبر 2022، بعد أيام على توقيفها من جانب شرطة الأخلاق لعدم التزامها بقواعد اللباس الصارمة.

ويوجد في العراق عدة أحزاب وفصائل مسلحة متحالفة مع إيران. وتعمل طهران على زيادة نفوذها في العراق منذ أن أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة بصدام حسين في عام 2003.

وقال بزشكيان، وهو معتدل نسبيا، قبل زيارته وفقا لوسائل إعلام رسمية إيرانية "نخطط لتوقيع عدد من الاتفاقيات. سنلتقي مع مسؤولين عراقيين كبار في بغداد".