في خمسينات القرن الماضي كان للمرجع الشيعي محمد باقر الصدر دور رئيسي في تأسيس "حزب الدعوة الإسلامية"، الذي لعب دوراً أساسياً، فيما بعد، بمعارضة حزب البعث الحاكم في العراق.
ودفع الصدر نفسه ثمناً غاليا لمواقفه السياسية في العام 1980 حين أعدمه نظام صدّام حسين بتهم التعامل مع النظام الإيراني.
ومحمد باقر الصدر هو والد زوجة رجل الدين الشيعي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي يخوض اليوم صراعاً مع الحزب نفسه الذي أسّسه قريبه، والذي يتزعمه اليوم نوري المالكي بعد تنحّي حيدر العبادي في العام 2019 وإعلانه "الانسحاب من المناصب القيادية" في الحزب. وقرأ محللون سياسيون خطوة العبادي حينها أنها بالتنسيق مع زعيم التيار الصدري لإعادته إلى رئاسة الحكومة.
وحزب الدعوة هو من الأحزاب الشيعية الرئيسية في العراق، وخرج منه رئيسان للحكومة العراقية بعد سقوط نظام صدّام حسين، هما حيدر العبادي ونوري المالكي. ويشكّل الصراع على السلطة عاملاً أساسياً في الخلاف القائم بين التيار الصدري وحزب الدعوة.
اتخذ حزب الدعوة من رجل الدين الشيعي أبي القاسم الخوئي، مرجعاً دينياً له. وكان الحزب حليفاً لإيران لكنه لا يتبع مرجعياً لولاية الفقيه، بل إنه لا يعترف بدور خاص للفقهاء في إدارة الدولة بالشكل الذي تراه ولاية الفقيه.
والخوئي، للمفارقات، هو والد عبد المجيد الخوئي الذي قتل بعد عودته من لندن إلى العراق إثر سقوط صدّام حسين، وتلاحق التهم مقتدى الصدر وأنصاره بتنفيذ هذا الاغتيال.
وتعود جذور الصراع بين التيار الصدري وحزب الدعوة إلى العام 2008 حينما قاد المالكي، وكان رئيساً للوزراء حينها، حملة أمنية أطلق عليها اسم عملية "صولة الفرسان" في البصرة ومحافظات جنوبية، لملاحقة واعتقال عناصر التيار الصدري خلال مواجهات دامت لأسابيع وسقط على إثرها عدد كبير من القتلى، بعد أن اتسع نفوذ جيش المهدي التابع للصدر وسيطر على البصرة. وانتهت الحملة بحل الجناح العسكري للصدر وتسليم سلاح جيش المهدي للدولة العراقية.
وبعد انتخابات عام 2010، عارض الصدر التجديد للمالكي لولاية ثانية في رئاسة الحكومة. وكان للتدخلات الإيرانية مع الصدر دور حاسم في تمرير حكومة المالكي الثانية. وكان لأصوات نوّاب الصدر دور ترجيحي في حسم التجديد للمالكي، لتستمر رغم ذلك المواجهة بين الرجلين، حيث وجّه الصدر في العام 2012 اتهامات للمالكي بالفساد، ودفع نوّابه إلى استجواب المالكي في البرلمان والمطالبة بإقالته بتهم الفساد وسوء استخدام السلطة.
وساق التيار الصدري اتهامات للمالكي بالتسبب بسقوط ثلث الأراضي العراقية في يد "داعش" عام 2014، وأيدّ الصدر تولي حيدر العبادي (منافس المالكي داخل حزب الدعوة) رئاسة الحكومة، ما أثار غضب المالكي الذي كان يسعى لولاية ثالثة.
في العام 2022 تجدد الصراع العلني بين الصدر والمالكي على إثر انتشار تسريبات صوتية منسوبة للمالكي، يتحدث فيها عن نيته اقتحام مدينة النجف والتخلص من الصدر عبر مجموعة مسلّحة تابعة له. وفي تعليقه على التسريبات طالب الصدر المالكي باعتزال العمل السياسي وتسليم نفسه إلى الجهات القضائية.
في الأيام الأخيرة الماضية، وعلى خلفية اتهامات ساقها التيار الصدري لأنصار المالكي بـ"الإساءة" للمرجع الديني الراحل محمد محمد صادق الصدر (والد مقتدى الصدر)"، عبر حسابات الكترونية مرتبطة بحزب الدعوة، تجدد الصراع الطويل والعنيف الذي يحمل في سجلّاته سنوات من المواجهات السياسية والأمنية وإسالة الدماء والكثير من المفارقات.
