Lorin takes a selfie with a girl from the Marsh Arabs, In Nassiriya
سائحة فرنسية في الأهوار- رويترز

بعد عقود طويلة من الحروب والصراعات واعتباره دولة ذات مخاطر عالية تحذر الدول رعاياها من التوجه إليه، يسعى العراق للانضمام إلى البلدان الأكثر جذباً للسياح، بالاعتماد على ما يمتلكه من مواقع دينية وأثرية يراها مختصون قادرة على جذب ملايين الزائرين سنوياً، بما يمكّنه من تنويع اقتصاده القائم على النفط.

انتعشت الآمال بنمو القطاع السياحي في العراق كما يقول ظافر مهدي رئيس هيئة السياحة لـ"ارفع صوتك"، وذلك "بعد حدثين مهمين أثرا إيجابياً على نظرة العالم للعراق كدولة غير آمنة للجذب السياحي، تمثل الأول في زيارة البابا إلى مدينة أور الأثرية وطلبه من المسيحيين الحج إليها كونها بيت نبي الله ابراهيم". 

ووصل البابا فرانسيس في أول زيارة لحبر أعظم إلى العراق في مارس 2021، التقى خلالها بالمرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني ثم توجه في "رحلة حج" إلى مدينة أور الأثرية بمحافظة ذي قار جنوب العراق، وأكد من هناك على أن "أرض العراق هي أرض مقدسة للأديان السماوية".

أما الحدث الثاني فكان "تنظيم العراق لأول مرة منذ 40 عاماً بطولة خليجي 25 في البصرة، الذي كان حدثاً رياضياً كبيراً عرف العالم بأكمله من خلاله بحجم الاستقرار الذي يشهده العراق، واختصر مسافة كبيرة من العمل بعد أن عكس حقيقة الوضع الأمني في البلد"، وفق مهدي.

وتوقعت مؤسسة "فيتش سوليوشنز" الدولية للتصنيف الائتماني، الأسبوع الماضي ارتفاعاً في الإيرادات السياحية لـ 13 دولة عربية خلال العام الجاري، جاء العراق في المرتبة 11 منها بمبلغ 1.2 مليار دولار وبنسبة زيادة بلغت 34%.

 

 سياحة دينية بامتياز

تقع أهم مناطق تركز السياحة في العراق بحسب مهدي، "في المناطق الدينية بالدرجة الأساس، حتى أننا يمكننا القول أن سياحتنا دينية بامتياز". 

يبيّن: "تشمل هذه المناطق الدينية جميع الطوائف والأديان، فهناك مناطق تستقطب الزائرين من مختلف أنحاء العالم في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، كما يصل إلى العراق سنوياً آلاف المريدين للحضرة الكيلانية".

"وبدأ العراق يستقطب أيضاً الحجاج المسيحين إلى مدينة أور الأثرية بعد زيارة البابا، وهناك خطط لبناء كنيسة ومسارح مغلقة وأخرى مفتوحة لتغطية كل المناسبات المسيحية في هذا المكان المقدس" يتابع مهدي.

ويشير إلى أنه بالإضافة للمناطق الدينية، "هناك آلاف المواقع الأثرية القادرة على جذب المهتمين بالحضارة القديمة التي تزخر بها أرض العراق، ومناطق الأهوار الطبيعية التي أضيفت على لائحة التراث الإنساني لليونسكو في الناصرية والعمارة، ولدينا هور الدملج الذي لم يستثمر حتى الآن، ناهيك عن السياحة الطبيعية الترفيهية في إقليم كردستان التي تجذب السياح من داخل العراق سنوياً وبأعداد كبيرة وقت اشتداد الحر في وسط وجنوب العراق".

 

الثمن "الباهظ" للحرب

يقول المتحدث باسم وزارة الثقافة أحمد العلياوي، إن القطاع السياحي في أي دولة "يتطلب قدراً كبيراً من الأمن والاستقرار لجذب السياح، وهو ما لم يتمكن العراق من تحقيقه منذ ثمانينيات القرن الماضي خلال حرب الخليج الأولى. وفي حقبة التسعينيات عانى من تبعات حرب الخليج الثانية التي قادته إلى عزلة دولية عقب فرض الحصار الاقتصادي عليه".

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "حتى بعد سقوط النظام السابق في 2003، دفع القطاع السياحي ثمناً باهضاً مقابل الحرب على الإرهاب، التي أثرت بشكل مباشر على صورة البلد كوجهة سياحية عالمية وباتت الدول تحذر رعاياها من السفر إليه".

التكلفة الباهظة للحرب على الإرهاب التي تحدث عنها العلياوي، بدت واضحة من خلال نتائج دراسة أصدرها المركز العراقي الاقتصادي، حذر  فيها من "انهيار القطاع السياحي بعد تكبده خسائر مهولة وكبيرة منذ عام 2014 ابتداءً من ظهور تنظيم داعش الإرهابي وما تبعها من تداعيات في عدة مدن عراقية".

وبينت الدراسة أن "مجموع أعداد الشركات المغلقة في آخر عشر سنوات بسبب الإفلاس أو تراجع الأرباح نتيجة ظروف البلد في بغداد والمحافظات بلغت 453، فيما بقيت 525 شركة تمارس أعمالها حتى بداية 2023".

ويعاني القطاع السياحي في العراق بحسب الدراسة "من قلة الدعم الحكومي والإهمال المستمر من جميع الحكومات المتعاقبة على إدارة البلاد، مع غياب الخطط الفعلية وعدم وجود إستراتيجيات سياحية تهدف للنهوض بواقع السياحة في العراق".

لكن العلياوي يرى أن القطاع السياحي بعد ما مر به من أزمات، "يمتلك فرصة كبيرة بفضل الاستقرار الأمني الذي لم يشهد له مثيل منذ عقود، لمسه العالم بأكمله أوائل العام الحالي خلال كأس خليجي 25، بفضل الشعب المرحب التوّاق للعودة إلى محيطه العربي بعد عزلة طويلة، وهو يتحرك اليوم نحو تمكين القطاع الخاص من الاستثمار السياحي فيه".

 

مشاكل ومعيقات

شخصت هيئة السياحة العراقية المشاكل والمعيقات التي تواجه قطاع السياحة كما يقول ظافر مهدي. مبيناً: "في مجال الاستثمار يحتاج العراق إلى سن قوانين جاذبة للمستثمرين الأجانب والعراقيين، وتسهيل الإجراءات المتعلقة بهم عبر القضاء على الروتين والتعقيدات الإدارية".

وفي مجال النقل "يحتاج العراق إلى بناء مطار جديد في بغداد قادر على استيعاب أعداد أكبر من المسافرين، وتطوير خطوط السكك الحديد لتسهيل النقل الداخلي"، يضيف مهدي.

ويتابع: "كما أن هناك شكاوى من عدم صلاحية المنافذ الحدودية لاستقبال المسافرين، وهو ما يعمل العراق على تداركه. وقد تم إنجاز أبنية منفذ عرعر، ويتم العمل على تطوير منافذ الشلامجة وزرباطية فجميع المنافذ بحاجة إلى التوسيع والتحديث بسبب الزيارات الدينية التي تشهد دخول ملايين الزائرين خلال فترة محددة من العام".

لكن هذه المشاكل اللوجستية ليست الوحيدة التي تواجه العراق، إذ لا توجد أرقام دقيقة لحجم الموارد السياحية رغم تسجيل دخول ملايين الزائرين سنوياً إلى العراق.

يلخص الخبير الاقتصادي ماجد حميد أسباب عدم توفر إحصاء حقيقي لـ"ارفع صوتك"، بأن العراق "يعاني من ضعف منظومة الإحصاء لديه، فلا يتم احتساب الأنشطة السياحية في إقليم كردستان مثلاً ضمن الدخل القومي، كما لا يوجد في هيئة السياحة إطار مرجعي موحد لتصنيف كافة أنشطة القطاع السياحي لغرض جمع البيانات باستثناء أن هيئة السياحة مسؤولة عن تقديم بيانات الفنادق المصنفة فقط".

فيما تقول الباحثة شذى دلي، إن العراق "يفتقر إلى إستراتيجية واضحة لتطوير القطاع السياحي، فلا توجد بنية تحتية تغري السائح بالبقاء في العراق لفترات طويلة".

وتساءلت في حديثها مع "ارفع صوتك": "كيف يمكن تحويل العراق إلى بلد سياحي دون توفير العديد من الخدمات والمرافق العامة ذات الكفاءة العالية، مثل طرق المواصلات الحديثة والبنية التحتية من ماء وكهرباء وخدمات مصرفية ترتقي إلى مستوى الدول المحيطة به؟"

 

أرقام دائرة الإحصاء

يشير مسح أجرته دائرة الإحصاء العامة بوزارة التخطيط عام 2019 إلى دخول نحو ثلاثة ملايين سائح في أيام الذروة خلال الزيارة الأربعينية إلى العراق، أكثر من 60% منهم إيرانيون. أما في الأوقات العادية فيتجاوز عدد الوافدين إلى العراق 73 ألف شخص يومياً".

المسح الذي تم إنجازه خلال سبعة أيام في فترة الذروة ومثلها في الأيام الاعتيادية، أَجمل إنفاق الأفراد في اليوم الواحد في فترة الذروة بأكثر من 162 مليار دينار عراقي (نحو 125 مليون دولار) وبمعدل إنفاق 55 ألف دينار للشخص الواحد.

أما في الفترة العادية فتجاوز إنفاق اليوم الواحد الخمسة مليارات دينار عراقي (4 مليون دولار) وبمعدل 73 ألف دينار عراقي للفرد.

أوضح المسح أن نسبة عالية من هذه الأموال تذهب إلى وسائل النقل من الدولة التي يقيم فيها السائح إلى العراق،  حيث يستخدم 95% منهم وسائل نقل غير عراقية، ولم يسكن سوى 20% منهم خلال فترة الذروة في الفنادق التي بلغ الإنفاق على المبيت فيها 17.8 مليار دينار فقط أي ما نسبته 12.5%. بينما سكن 48% في أماكن أخرى لم يبينها المسح. 

ولم يتضمن المسح الإيراد المالي من منح سمة الدخول إلى العراق للأجانب التي تبلغ 50 دولاراً للفرد لأغراض السياحة الدينية، لكن يبدو أن العراق يفقد أغلب تلك الأموال بعد إلغائه للرسوم على الزوار الإيرانيين خلال الزيارة عام 2021، والأمر ذاته حصل أواخر العام الماضي وأوائل العام الحالي حين رفع العراق الرسوم من 34 ألف خليجي دخل إلى العراق خلال بطولة خليجي 25.

لكن هذه الأرقام "لا تعكس قيمة الإنفاق الحقيقية بشكل كامل"، كما يقول مهدي لـ"ارفع صوتك" فالأرباح التي تأتي من السياحة "لا يستفيد منها العاملون في القطاع السياحي فحسب، بل تمتد إلى قطاعات أخرى مثل النقل الداخلي والمطاعم والتجارة والزراعة والصناعة والخدمات المصرفية والاتصالات".

ويختم حديثه قائلاً: "بالنتيجة، فإن أثر الإنفاق السياحي يمتد إلى جميع القطاعات، ويسهم في إدخال العملة الصعبة وتشغيل الأيدي العاملة بالتالي تقلّ البطالة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".