صورة نشرها نجيب ساويرس على حسابه في تويتر، تجمع برئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني
صورة نشرها نجيب ساويرس على حسابه في تويتر، تجمع برئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني

"مشروع عملاق في بغداد"، هكذا وصف الملياردير المصري نجيب ساويرس، نتاج مباحثاته مع رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، حول آفاق الاستثمار في العراق.

وفي تغريدته على تويتر، لم يوضّح ساويرس ماهية "المشروع العملاق"، وما إذا كان تطبيقاً للرغبة التي سبق أن أعرب عنها، لمدير دائرة الاستثمارات العراقية عادل شبيب، وتتعلق ببناء مصانع للسُكر والسيليكون في العراق، أم ما صرّح به ساويرس لاحقاً لوسائل إعلام بأن هذه المشاريع ستتمثّل لفي "مدن كبيرة للأغنياء" تُقام خارج بغداد.

 

تأتي هذه الخطوة في ظِل انتعاش العلاقات بين العراق ومصر، إذ زار السوداني القاهرة مرتين، منذ تولّيه منصبه، واضعاً الملف الاقتصادي على رأس أولوياته، وكان حريصاً على لقاء رجال الأعمال المصريين لإقناعهم بالاستثمار في بلده.

وفي يونيو الماضي، وقع البلدان 11 مذكرة تفاهم مشترك سيطر عليها التعاون التجاري بين مؤسسات مصر والعراق.

 

علاقة قديمة

عائلة ساويرس ليست حديثة العهد في الساحة الاقتصادية العراقية، ففي إطار مغامراتهم الاقتصادية لدخول أسواقٍ "ذات نسبة مخاطرة عالية" مثل كوريا الشمالية وبنغلاديش ولبنان، باتت العراق على قائمة أهدافهم، منذ سقوط نظام صدام حسين.

وكانت شركات ساويرس من أوائل المؤسسات الدولية التي عملت على العراق في حقبة "ما بعد صدام"، ففي 2003 نالت شركة "أوراسكوم تليكوم" المصرية، المملوكة لنجيب ساويرس رخصة للعمل في العراق لمدة سنتين جرى تمديدها لاحقاً عدة مرات، وأُطلق على فرع الشركة هناك   اسم "عراقنا".

بجانب الشركة، أسّس ساويرس قناة "النهرين" لتكون أول قناة فضائية خاصة يعرفها العراق بعد سقوط النظام البعثي، خطوة برّرها لاحقاً برغبته في توفير منصّة إعلامية تقوم بالدعاية لشركة "عراقنا".

بعد عامٍ واحد من حصوله على الترخيص بدأت المتاعب، فتعرّض نجيب ساويرس لموقفٍ صعب حينما اختُطف عددٌ من مهندسيه المصريين، الأمر الذي تحوّل إلى قضية رأي عام في مصر، وجرت مفاوضات طويلة مع الخاطفين لإطلاق سراحهم في لحظة كانت الأصعب على حياته كما اعترف لاحقاً.

أيضاً اشتكى من أن شركة "زين" الكويتية المنافسة له تتلقّى دعماً من "شخصية سياسية مثيرة للجدل" تستخدم نفوذها في العراق لتضع العراقيل أمام شركته، وضرب على ذلك مثلاً بأن بعض القوى الأمنية كانت تقتحم مقارّ شركته وتضرب العاملين وتسرق أجهزتهم وتدمر مكاتبهم.

ليس هذا فقط، حيث اتّهم ساويرس الجيش الأميركي باستخدام أجهزة للتشويش على شبكة المحمول الخاصة بشركة "عراقنا"، حتى تسوء خدمتها ويشتكي منها المستخدمون.

إزاء هذه المسائل، هدّد رجل الأعمال عدة مرات بأنه سيسحب شركته من العراق لأنه يواجه تحديات غير مقبولة، إلا أن ذلك لم يحصل، واستمرت الشركة بالعمل حتى حققت نجاحاً متسارعاً، لتستقطب حوالي مليون مشترك.

في عام 2008، قرر نجيب ساويرس الانسحاب من قطاع الاتصالات، بعدما تخلّى عن 100% من شركته لصالح مُنافسه الرئيسي شركة "زين" الكويتية، مقابل 1.2 مليار دولار.

على أثر هذا الاستحواذ، دُمجت "عراقنا" مع "أثير" الفرع السابق لـ"زين" في العراق، في شركة واحدة حملت اسم "زين العراق" لا تزال تقدّم خدماتها حتى اليوم.

بعدها بعامين، أعرب سميح ساويرس عن نية شركة عائلته "أوراسكوم"، إقامة مشروع سكني عملاق في العراق، يشمل إقامة 33 ألف وحدة سكنية "منخفضة التكاليف" قرب منطقتي التاجي والبصرة.

وأعرب عن تفاؤله بتحسن سريع في أحوال العراق الاقتصادية بفضل عائدات النفط بشرط حدوث "استقرار سياسي"، لهذا ربط البدء في تنفيذ المشروع بالانتهاء من الانتخابات.

لم تنقطع بعدها استثمارات عائلة ساويرس، بعدما نالت "أوراسكوم" عقوداً متعددة في مجال الطاقة لبناء محطة كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي، آخرها عقد منذ عامين، ظفر به تحالف شركات من بينها "أوراسكوم"، لإنشاء محطة طاقة شمسية بقيمة نصف مليار دولار.

 

الامتداد خارج مصر

تأتي خطوات نجيب ساويرس اليوم، في ذات الوقت الذي قرّر شقيقه الأصغر سميح، التوقف تماماً عن الاستثمار في مصر لحين حدوث استقرار في سعر صرف الجنيه.

و أعرب سميح عن رغبته في توسيع نطاق استثماراته في السعودية التي اعتبرها السوق رقم واحد بالعالم العربي، مستهدفاً إقامة مدينة سياحية مثل "الجونة" المصرية التي أقامها على ساحل البحر الأحمر وجعلها مقراً لمهرجان سينمائي شهير اعتاد إقامته هناك خلال الأعوام الفائتة.

أما عن نجيب، فلقد أجبرته الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم جراء الحرب الأوكرانية على اتخاذ قرارٍ بتحويل نصف صافي ثروته إلى ذهب.

من هنا نشأت فكرة التعاون بينه وبين محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد ميليشيات الدعم السريع السودانية، للبحث عن مناجم للذهب في السودان. وهو ما دفع ساويرس للمسارعة في دعم حميدتي، منذ بدء المعارك بين قواته والجيش السوداني.

واتهم ساويرس، عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة في السودان، بالتهرب من تنفيذ الاتفاقات الموقعة، رغبةً في عدم تطبيق الديمقراطية بالسودان.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.